منتديات أبعاد أدبية

منتديات أبعاد أدبية (http://www.ab33ad.com/vb/index.php)
-   أبعاد القصة والرواية (http://www.ab33ad.com/vb/forumdisplay.php?f=33)
-   -   أخيلة خدرة (http://www.ab33ad.com/vb/showthread.php?t=38543)

علي آل علي 09-28-2017 12:13 AM

أخيلة خدرة
 
يستيقظ من منامه ...
يلتقط هاتفه لينادي الرقم ذاته بالأمس ...
كانت حالاته تتكرر ...
يُنجب في كل حاله أنفاساً مشوهة ...
تتكون من حياة ضجرة تسودها أحلام الخناجر القاتلة ...
توخز وخزاً تتنمل على إثره الأحلام وتتخدر.

ينظر إلى شاشة هاتفه ...
يتأكد من أن الطلب ما جال جارياً ...
لا يتقهقر ...
ولا يصيبه اليأس ...
لعل الإجابة تُريح هذا الجهد ...
ينتظر ويعيد المحاولة مرّة أخرى ...
ويُعيد ...
ويُعيد ...
ويُعيد ..........

لمَ لا تُجيب ! ...
كان سؤاله الداخلي هذا يراوده باستمرار ...
كان يريحه صوت الرنات وهي تتراقص في مسامعه ...
كاهتزاز وتر آلة موسيقية مموسقة اللحن ...
لكن هذا لا يكفي ...
نعم ... لا يكفي !!!
لا بد من سماع صوتها مرة أخيرة ! ...
واحدة فقط هي الأمنية التي يُريد ! ...
ومن ثمَّ سيغط في نسيان داهر لا تتخلله أحلام يقظه أبدا.

في الضحى يُعالج مكوثه بالخروج قليلاً ...
لعل جنونه يرحمه ويجعله يلفظ أنفاس الحياة ...
يمسك بحافة المخرج من كهفه المظلم ...
لا يفعل شيئاً ... ينتظر فرجة في عقله تُتيح له إذنا بالخروج ..
يجدها في تلابيب الخجل ...
تراوده نفسه بالكف عنها ... لكنه سرعان ما استخدمها ...
لا تراجع ... سأخرج إلى فناء طاهر ... هكذا قال في نفسه ..
ثمَّ مضى ... إلى أين !
إلى شمس تصفع عينيه ليرفع يديه احتماءً منها ..
اعتاد الصفعات وأنزل يديه متثاقل الخطى يمشي هوناً مترنحا من كثرة التفكير ...
وللحظة فقد القدرة على التفكير ... ثم عاد إليها خجلاً ... كأنه يتودد
لكنه فكر وقدر ... لقد قرر .. !
عاد إلى كهفه بخطوات جريئة ..
وبعينين مشبعة بالإيمان ...
وبعد أن ولج إلى الداخل ...
تفاجأ بها أمامه ...
تتأمله بصمت ...
ويتأملها بحزن شديد وألم ينم عن فقد لاذع.

هذيان ...
هذه أقرب صفة لحالته تلك ...
لم تكن في الحقيقة واقفة أمامه كحياة إنما كخيال محض يتجلى أمامه كأنه في سينما يشاهد فلماً ...
إنه يدرك ذلك تماما ...
ثلاثون عاماً من عمره كفيلة بأن تفسر تلك الهيئة التي تجلت أمامه ...
بحث وتحري وتجارب قاسية عاشها لم ولن تجعله فريسة الوهم بسهولة ...
دمعت عيناه ...
أدرك خديعة عقله ...
فمضى قدماً إلى مأواه ...
انتشل ذاته من الوحل ...
تأمل لوحاته المعلقة على جدران الذكريات ...
ومن بينها لوحة رسمها تصف حزنها الشديد على فراقه لها فيما مضى ...
انحدر برأسه حَزِناً ...
ثم أعاده إلى جادة الهدف وانطلق.

كان يعود ...
إلى مأوى معهود ...
إلى المهد الذي يراه كالعدو اللدود ...
يحاول القبض على ذنوبه ...
ليستخرج منها توبة واحدة ...
تحتويه وتأويه ...
تأتيه بأسباب البقاء ولو نغلاً في الحيوان المستباح.
في الغربة هوَ ...
ترك أرضه هارباً ...
انتحبَ غارماً ...
مؤدياً طقوس الوداع ....
ما داع إلى ذلك وداع ...
يغشى قلبه القطران ...
ويلف رأسه بعمامة سوداء ...
انتهى به الأمر إلى تلك البقاع ...
براءة من أبيه وحسرة على أمه ...
لكنه يأبى عائدة الأفكار إلى عودة لتلك الديار ...
سيكون جبارًا في الأرض لا ضير ولا ضمير ...
يسفح الدم بلا ندم ....
ينشر الوباء بحفنة من تلاد ...
يسوس البلاد ...
ما بقي من اليوم من ميلاد ...
وفي ساعة وساعة يهاتف أمه باكياً ...
مشتاقاً معادياً ...
أسكتها بالعناد ...
آل بها الوداد إلى وأد ...
هل ماتت ...؟
ما عادت تُجيب هتافه البائس ...
ولا تستقبل بكاءه المجنون.

وفي الذكريات يُنادي أمه عند الغروب ...
أن تعالي لأريك لوحتي ...
فلما رأتها قالت له ما أجمل صنيعك يا بني ...
قال لعل أبي يأتينا بعد غياب ليرى ما أُنجزته من جمال ...
قالت أمه إنه لفاتن ...
قال بلى وإني لأعلم هذا علم اليقين ...
وبعد حين من الأسبوع عاد الأب ورأى صنيع ابنه ...
هذه تفاهة لا نفع منها ولا سلطان ....
قال الأب قولته وانعكست على ابنه بالحسرة والبؤس ...
أدبر الأب وقدَّ إدباره بقبلة السخط ...
مكث الأبن فاتراً ...
وفي الليل غادر منزله وفي جعبته ذكريات ولت ...
آلت إلى ما آلت إليه وانسلت ...
أخرجت مشاهد الوسيط بينه وبين خالقه ...
وسيلة وغاية كانت سببا في تواجده في هذه الحياة ...
كإنسان له كيان أم خلق آخر ينصاع إلى الأمر والنهي ولا يستجيب لمشيئته كما يشاء ....
دارت دوائر الحيرة حوله كمردة نار تسوسه إلى هلاك ...
كل الدوائر تدور في فلك واحد ...
ذلك الفلك هو تكرار لحكم الأب العكسي تجاهه منذ الولادة وحتى مبعث عمره الحالي ...
يقوده إلى الجنون وما الجنون بصديق له أو يكون ...
إنما مستبيح حرية العقل حتى يتم اغتياله برفع القلم عنه ...
مشاهد عدة رفعت التراب من تحته لتهوي به إلى حفرة عنقاء ...
لا ماء فيها ولا هواء ...
يعقد على المرء فيها بالموت قبل أن يفارق الحياة ويموت.

علي آل علي
1/1/1439هـ

سيرين 09-28-2017 01:00 AM

نعم اخيلة طاغية الخدر كانت للنفس سلطان
وجعلت من الحزن مفاتن
خشيت الافصاح عن وجود الذكرى مستأثرة بأوجه الحياة
حيث كللت يقظته غفوة ممتدة
سرد قصصي ذو قلسفة عميقة وبلاغة صوغ مبهرة
سلمت يمناك كاتبنا المبدع \ علي آل علي
مودتي والياسمين

\..:icon20:

نادرة عبدالحي 09-28-2017 10:46 PM

القصة القصيرة مادة فنية، والفن لا يمكن أن نجعل له حدودا ً وقواعد نهائية،
بل متجدد بتجدد الحياة وتغيير ظروفها. القصة القصيرة كانت ولا تزال أقرب الفنون الأدبية إلى روح العصر
وتكتفي بتصوير جانب واحد من جوانب الحياة وليس كامل الحياة وتفاصيلها ،
وهنا القاص هو المبدع وحده القادر على شكل وصياغة هذه القيمة الإبداعية الهامة ليعيد بلورة واكتشاف اجزاء روحانية مهملة في ذات الإنسان وحياته ،
قصة إنسان إرتبطت روحه بالإبداع ولم يجد الدعم والأمل للمواصلة وإعطاء
روحه لتسير في طريق أحبته ،
اقتباس:

وبعد حين من الأسبوع عاد الأب ورأى صنيع ابنه ...
هذه تفاهة لا نفع منها ولا سلطان ....
قال الأب قولته وانعكست على ابنه بالحسرة والبؤس
الكاتب والشاعر علي آل علي إزداد المكان ضياءا وأضفتَ روحا إبداعية مُميزة،

رشا عرابي 10-12-2017 09:33 PM

على نواصي الذكريات لا نزال نعدُّ العُدّة للمواصلة ولا نأبه بلهاث الحنايا
يُغرينا تأمّل ما كان كي نُحيل الكائن إلى ربوةٍ من طلول لا تنفكُّ تجمع تبعثرنا في حين
وتشتّتنا أحيان

بزوغ الفكرة
والمدخل المباشر
والسرد العميق
والإسترسال المشوّق
والمبنى المُكتنز بنازعة محسوسة

كلّها توليفة أدبٍ لطالما أغوتني قراءته

علي آل علي
ما أسعدني بعودتك

دمت كما أرجو لك

علي آل علي 10-30-2017 09:30 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سيرين (المشاركة 1025537)
نعم اخيلة طاغية الخدر كانت للنفس سلطان
وجعلت من الحزن مفاتن
خشيت الافصاح عن وجود الذكرى مستأثرة بأوجه الحياة
حيث كللت يقظته غفوة ممتدة
سرد قصصي ذو قلسفة عميقة وبلاغة صوغ مبهرة
سلمت يمناك كاتبنا المبدع \ علي آل علي
مودتي والياسمين

\..:icon20:

المبجلة / سيرين
شكر وتقدير يليق بحضورك الكريم

آل علي

علي آل علي 10-30-2017 09:34 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نادرة عبدالحي (المشاركة 1025594)
القصة القصيرة مادة فنية، والفن لا يمكن أن نجعل له حدودا ً وقواعد نهائية،
بل متجدد بتجدد الحياة وتغيير ظروفها. القصة القصيرة كانت ولا تزال أقرب الفنون الأدبية إلى روح العصر
وتكتفي بتصوير جانب واحد من جوانب الحياة وليس كامل الحياة وتفاصيلها ،
وهنا القاص هو المبدع وحده القادر على شكل وصياغة هذه القيمة الإبداعية الهامة ليعيد بلورة واكتشاف اجزاء روحانية مهملة في ذات الإنسان وحياته ،
قصة إنسان إرتبطت روحه بالإبداع ولم يجد الدعم والأمل للمواصلة وإعطاء
روحه لتسير في طريق أحبته ،

الكاتب والشاعر علي آل علي إزداد المكان ضياءا وأضفتَ روحا إبداعية مُميزة،

ما أدهشني بك أيتها النادرة / نادرة عبدالحي
كم أشتقت لمداخلاتك الرائعة وتعليقاتك المبهرة

أشكرك يا رفيقة الحرف وسلامي عليك وعلى الزمن الجميل في أبعاد

آل علي

علي آل علي 10-30-2017 09:39 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة رشا عرابي (المشاركة 1026935)
على نواصي الذكريات لا نزال نعدُّ العُدّة للمواصلة ولا نأبه بلهاث الحنايا
يُغرينا تأمّل ما كان كي نُحيل الكائن إلى ربوةٍ من طلول لا تنفكُّ تجمع تبعثرنا في حين
وتشتّتنا أحيان

بزوغ الفكرة
والمدخل المباشر
والسرد العميق
والإسترسال المشوّق
والمبنى المُكتنز بنازعة محسوسة

كلّها توليفة أدبٍ لطالما أغوتني قراءته

علي آل علي
ما أسعدني بعودتك

دمت كما أرجو لك

الشاعرة التي تقارع شعر الخنساء لتعيده إلى الحياة بهجةً ونضوجا
رشا عرابي

بقيت هنا أنسا ولامسني الشعور السعيد ولم يفارق
أهلا بك نورا للنص وشعاعا لمعانيه

سلامي عليك وألف شكر وتقدير

آل علي

فاضل العباس 11-30-2017 04:25 PM

نص رائع بتنقلات رهيبة وذكريات توجر في القلب انت متألق. فاضل العباس


الساعة الآن 07:28 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.