منتديات أبعاد أدبية

منتديات أبعاد أدبية (http://www.ab33ad.com/vb/index.php)
-   أبعاد النقد (http://www.ab33ad.com/vb/forumdisplay.php?f=7)
-   -   ملحمة المحبة (http://www.ab33ad.com/vb/showthread.php?t=43094)

صالحة حكمي 07-04-2021 12:45 AM

ملحمة المحبة
 
ثلاثية المرأة والوطن والقصيدة عند الشاعر أحمد الحربي رحمه الله

ذاتَ يومٍ أنشَدَ الشاعرُ أحمد بخيت قائلًا:
الْحُبُّ وَالْقَتْلُ فِي الْمِيزانِ.. أَيُّهُما *** يَا كفَّةَ الْحُبِّ زَادَ الْقَتْلُ.. فَاتَّزِني!!
فجاوبَتْهُ زقزَقَةُ العصافيرِ، في وَجْهِ صباحٍ باسِمٍ، بأنَّ الحربي ما جاءَ إلا لِيَعْتَدِلَ ميزانُ الأغراضِ، وتنضبط كِفّة الرومانسية التي كانت تتأرجَحُ في مواجهةِ البشاعةِ والقبح والتدمير، ويفيض الحب فيغطي كل شيء، حتى قلوب القساة، وصدور الظالمين.
أليسَتْ هي بِيئَتَنا العربيةَ التي أنجبت يومًا شاعرًا بحجم جرير شَتَمَ فهَتَكَ، وَسَبَّ فأوجع، وقال في زوجته الراحلة بين كفيه:
لَوْلَا الحْيَاَءُ لَعَادَنِي اسْتِعْبَارُ *** وَلَزُرْتُ قَبْرَكِ وَالْحَبِيبُ يُزارُ
مُستَحِيًا من ذرْفِ الدموع على امرأة هي شريكة عمره، ورفيقة قراره.. أقول: أليسَتْ البيئةُ العربيةُ التي أنجَبَتْ هذا الشاعر هي التي احتفَتْ بالإغارة، وَمَدَحَتْ القبيلة والسيف، ورَثَتْ الصرعى، إنما المحَبَّةُ فيها توارَتْ خلف (كواليس) الشجن، ألم يقل ابن البيئة العربية أبو فراس:
إِذَا اللَّيْلُ أَضْوَانِي بَسَطْتُ يَدَ الْهَوَى *** وَأَذْلَلْتُ دَمعًا مِن خَلائِقِهِ الْكِبْرُ؟!
أليس في هذا دليلٌ آخَرُ على أنَّ كل الأغراض مسموح بها، وكل الكلام مباح حلال، إلا كلامُ العاشقينَ يلزمه ستر الليل وكفكفةُ الدموع لئلا يراها شامت؟!
أتى الحربيُّ وهو يحمل بذور حُبٍّ تبحث عن تربة صالحة، وبيده الأخرى دفقات شوقٍ تُغرق الأرض تحت جنود الكراهية، يضع البسمة سوسنًا فتطرح شوقًا ولهفة، وَوَصَفَ محبوبته فكانت معادلًا لكل شيء؛ فتارةً هي التي يغني لها وترقصُ، سالبةً عَقْله وقلبه معًا، يقول:
سَلُوا قَلْبِي الْخَلِيَّ لِمَنْ يُغَنِّي؟ وَقَدْ رَقَصَتْ عَلَيْهِ بِكُلِّ فَنِّ
فَمَالِي حِيلةٌ إِنْ هامَ عِشْقًا بِهِنَّ فَقَدْ سَلَبْنَ العقلَ منِّي
ويبسطُ كَفَّيْهِ لا طالبًا منها سوى ابتسامة طيبة، وأن تعطيَه قدر ما أعطاها. إنه ليس الذكر المسيطِر في الحب، ولا هو الرجل الشرقي الذي يريد الأنثى مرغوبةً لا راغبة. إنه يبتغي العدالة التي هي غاية الإنسان، والمحبة التي يتساوى جناحاها.. يقول:
مُدِّي يَدَيْكِ.. أَنَا مَدَدْت يديَّا *** عار إذا بَقِيَ اللقاء غبيّا
ونتابع مشهد المحبوبة وهي توليه ظهرها، فيرجوها أن تبقى لئلا يخوض الظلام وحده:
«لا تُسافِرْ
لا تَدَعْنِي في خِضَمِّ الليل وَحْدِي
في خِضَمِّ الْبَحْرِ وَحْدِي
أَرْكَبُ الْمَوْجَةَ وَحْدِي
لا تَدَعْنِي فِيكَ أَجْتَرّ الْمَشَاعِرْ»!
لكنه لا يعود إلى شاطئه ليشاهد وجهها الذي في ذاكرته منعكسًا على صفحة المياه، ولا يتخلى عن حبه راضيًا بالهمّ والحسرة، ولا يبحث عن سواها فبعد أن وجدها لن يضيِّعَها، يقول:
قَادِمٌ كُلِّي إِلَيْكِ..
آهِ يَا نَوَّارَةَ الْقَلْبِ..
تَعالَيْ..
فَجِّري صَمْتِي الدفين!
(صمتي)؟! أي صمت يقصده الحربي؟ وما علاقة مَقْدَمِها إليه بتفجيره؟! إلا إذا كانت هي مُلهِمَتَه، بل في لحظة فارقة تتداخل القصيدة المكتوبة مع المرأة المحبوبة وكأنه من وراء الستر يقول: ما الفرق؟! كلاهما أساي ورغبتي.. يُنشِدُ الحربيُّ:
غَجَرِيَّةُ العينَيْنِ أنتِ قصيدةٌ *** مَكتوبةٌ بِدَمِي مدى الأعوامِ
عيناكِ بَثَّتْنِي تَبَارِيحَ الْهَوَى *** يَا (مَيُّ) مَوَّالًا بلا أنغامِ
بل يختار الشاعر أن يتضاءل أمام جلالها، حتى يصير هو الشكل وهي المضمون، هو القلب وهي النبضات، هو الصورة وهي الإبداع، وهو شكل القصيدة وهي معانيها ودلالاتها المصبوبة صبًّا.. يقول:
أَنَا قَلْبٌ مُتَيَّمْ
وأَمَانٍ
نَابضاتٌ
وَمُهْجَةٌ تَتَجَدَّدْ
أَنْتِ فيها مَهابةْ
وَجُفُونٌ
وَجَمَالٌ
وَلَوْعَةٌ تَتَنَهَّدْ».
صَارَتْ هيَ إذًا القصيدةُ، ولن تُفلِحَ طاقة ما أو تجبره قُوَّة على أن يردَّها إلى ظلال ما قبل الكتابة، وأن تنحِّيَها عن تخومِهِ الإبداعية.
لكن ابْنَةَ شِعْرِهِ لا تكتفي بالقصيدة. إنها تتحرّك تتشكَّلُ هُلامًا يغطي الأرض حوله، وتتعاظم على امتداد الأفق لتصبح هي هي وطنه، وطنٌ مِثْل وَطَنِهِ هذا الذي ينسلك في جباله وينغرس في صحرائه:
«عَيْنَاكِ لِي وَطَنٌ..
وَلِلصَّحْرَاءِ فِي الْأَحْدَاقِ مَنْفى!!
عَيْنَاكِ لِي بَحْرٌ!!»
هكذا تتداخل مفاهيم الحب جميعها؛ فالقصيدة، والوطن، والمحبوبة تتشابك وتختلط، تتراقص وتندمج، تتعاضد وتتماسك وتشكل بنيانًا قويًّا قوامه المحبة الحقيقية اللامشروطة..
«هُوَ الْحُبُّ
فَافْتَحْ لَهُ فِي الْحَيَاةِ
كِتَابَ الْخُلُودِ..
وَسَطِّرْهُ وَشْيًا بِمَاءٍ مِنَ الْوَقْتِ
وَالْعُمْرِ وَالْأُمْسِياتِ
عَلَى صَفْحَةٍ فِي الزَّمَانِ الْمُمَدَّدِ
فِي دَاخِلِ الرُّوحِ وَالْأُمْنِيَاتِ»
هكذا اعتدل الميزان، واستقامَتْ بَيْضَةُ القَبَّانِ بين متوسطَيْنِ، وانضبطَتْ المعادلةُ، فحجم عناصرِها المتفرقةِ هو حَجْمُ مُرَكَّبِ الحب الناتج عنها.
ألا تستَحِقُّ المحبة هذه أن يعطيها رحلة عمره، بلى، يقول:
أُهدِيكَ رِحْلَةَ عُمْرٍ تَاهَ مَرْكَبُهَا *** بَيْنَ الرِّيَاحِ وَأَعْمَاقِي بِهَا تَشْدُو؟!
بالحب صنع الحربي عالمًا حقيقيًّا، وعبّد به طريق الإنسانية، وأبقاه في نهاية الدرب مكافأة الوصول..!


قايـد الحربي 07-04-2021 09:27 PM

:
:

صالحة حكمي

تأخذ الشعر إلى أفقٍ أرحب ،
وكذلك هو النقد : بناءٌ فوق بناء ، و سماء فوق سماء.

هذه النظرة الثاقبة والمتأنية للشعر ،
تملأ الفراغات التي تصنعها الألفاظ فيما بينها
لتجعل بين كل فراغ و لفظ علاقة تؤدي إلى معنى / إحالة ، يراها القارئ ويشكرها.

؛
صالحة
شكراً تليق بهذا الحضور المضيء دائماً.

سيرين 07-05-2021 02:32 AM

حين يخرج الشعر من الصحراء الى حيث الحياة والجمال
سنلمس كما هنا مسار قلم اصقلته الموهبة وكان الاقدر على توثيق حالاته المختلفة
رؤية ذو ابعاد رحبىة المدى والادب
سلمت مبدعتنا صالحة حكمي ودام تألقك مثمر بكل وارف
مودتي والياسمين

\..:34:

عبدالإله المالك 07-27-2021 02:05 AM

بمثل هذه هذه الرؤية المقاربة التي تستحضر الجمال من جمال آخر والإبداع من مبدع آخر، يسمو النقد ويرتقي مراق تمتزج معها القطع الفنية الأدبية وتتماهى وتغدو أجمل ما في الأجمل،
بداية الموضوع ربط ذكي وينم عن فكر متعمق ومتغلل بين الأشطر وبين الشعراء وأمزجتهم،
استهلالة وبيت للشاعر المصري أحمد بخيت، وهي دلالة عن حالة خاصة فالحربي رحمه الله كان من مرتادي القاهرة ورواد الأدب هناك، وقد كان خير من يمثل بلده في مصر الكنانة، ولقد حظيت بالمشاركة مع الشاعرين في تلكم الصوالين الأدبية العريقة، وكان الحربي خير سفير لنا وخير شاعر مبدع وناقد ألمعي ومحفز للمبدعين من شتى ثقافاتهم ومشاربهم وأقطارهم
شكرا لك يا صالحة

صالحة حكمي 08-05-2021 04:22 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة قايـد الحربي (المشاركة 1196401)
:
:

صالحة حكمي

تأخذ الشعر إلى أفقٍ أرحب ،
وكذلك هو النقد : بناءٌ فوق بناء ، و سماء فوق سماء.

هذه النظرة الثاقبة والمتأنية للشعر ،
تملأ الفراغات التي تصنعها الألفاظ فيما بينها
لتجعل بين كل فراغ و لفظ علاقة تؤدي إلى معنى / إحالة ، يراها القارئ ويشكرها.

؛
صالحة
شكراً تليق بهذا الحضور المضيء دائماً.

ممتنة لهذا الحضور الجميل
شكرا جزيلاااااا

صالحة حكمي 08-05-2021 04:26 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سيرين (المشاركة 1196428)
حين يخرج الشعر من الصحراء الى حيث الحياة والجمال
سنلمس كما هنا مسار قلم اصقلته الموهبة وكان الاقدر على توثيق حالاته المختلفة
رؤية ذو ابعاد رحبىة المدى والادب
سلمت مبدعتنا صالحة حكمي ودام تألقك مثمر بكل وارف
مودتي والياسمين

\..:34:

تبقى الأحرف جميله بحضورك ياجميلة
حبي وتقديري

صالحة حكمي 08-05-2021 04:29 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالإله المالك (المشاركة 1197611)
بمثل هذه هذه الرؤية المقاربة التي تستحضر الجمال من جمال آخر والإبداع من مبدع آخر، يسمو النقد ويرتقي مراق تمتزج معها القطع الفنية الأدبية وتتماهى وتغدو أجمل ما في الأجمال،
بداية الموضوع ربط ذكي وينم عن فكر متعمق ومتغلل بين الأشطر وبين الشعراء وأمزجتهم،
استهلالة وبيت للشاعر المصري أحمد بخيت، وهي دلالة عن حالة خاصة فالحربي رحمه الله كان من مرتادي القاهرة ورواد الأدب هناك، وقد كان خير من يمثل بلده في مصر الكنانة، ولقد حظيت بالمشاركة مع الشاعرين في تلكم الصوالين الأدبية العريقة، وكان الحربي خير سفير لنا وخير شاعر مبدع وناقد ألمعي ومحفز للمبدعين من شتى ثقافاتهم ومشاربهم وأقطارهم
شكرا لك يا صالحة

الشكر لك لإنك هنا
مرحبا بك دائما


الساعة الآن 05:16 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.