منتديات أبعاد أدبية

منتديات أبعاد أدبية (http://www.ab33ad.com/vb/index.php)
-   أبعاد النقد (http://www.ab33ad.com/vb/forumdisplay.php?f=7)
-   -   مقاربة لبيت جرير (http://www.ab33ad.com/vb/showthread.php?t=43612)

عمرو بن أحمد 04-03-2022 12:08 AM

مقاربة لبيت جرير
 
يقول جرير:
أتذكر إذ تودعنا سُليمي .... بفرع بشامة سقي البشام
حول المعنى :
البيت يرد في سياق مقدمة طللية، يطوّف فيها الشاعر بأرجاء وادٍ ذي طلوح أضحى رسوما هامدة . استنطق فيها أعز ذكرى، مناجاة طيف سلمى.

تشكيل الصورة :
الشاعر ينظر لسلمى من زاوية محددة؛ ربما كان للبعد، أو طبيعة الأرض أو خشية القرب، دور في ذلك ، فالوداع تلويح بفرع بشامة دون ردة فعل من الشاعر.
وتحضر الصورة من خلال الاسترجاع أو تقنية ( الفلاش باك) ، في وقفة نفسية عميقة ، عاش معها لحظات خالدة ، شكلت منعطفا في حياته لم يستطع تجاوزه.
والذكرى- الصورة- هنا ارتبطت بمنبهات عدة : الوقوف على الأطلال( مكان) ، وفرع البشام ( رائحة)، والأشخاص (المخاطب).

تشكيل المعنى :

يفتتح الشاعر بيته ، بداية بالسؤال الموجه للمخاطب، وأيا كان المخاطب : الشاعر نفسه ، أو رفيقه في رحلته، فالتنبيه جاء متتابعًا انطلق من الذاكرة ( خيال) استدعى فيه كل ما يرتبط بدوارس الطلل الذي يقف به دون تحديد للزمان ، ثم في ربكة تداعي الصور والأخيلة، قبض على صورة مؤطرة بزمان ومكان ( تودعنا سليمي) ،فالمكان معلوم والزمان محدد.
والوداع عادة لا ينشأ بين الأخلة في لحظة عابرة ، بل يظل المحب متوجسا منذ لحظة العشق الأولى خائفا الفراق الذي تحكمه البيئة والقرار الجمعي للقبيلة ،ففي كل يوم له عناق ووداع، والعجيب في الوداع أنها تلاشت كل الملامح ،وتم تركيز المشهد بصورة أدق على فرع البشام الذي كان وسيطًا بين الواقع والذاكرة حاملا المعنى الذي خشي الشاعر نسيانه . في قوله ( أتذكر)
وقد افتتح البيت باستفهام وختمه بدعاء كأنما استوفى المراد، فخرج من غرض إلى غرض آخر فيما يعرف بالالتفات في العربية.
ولأن الشعر تعبير عن الانفعال الدقيق والإحساس الغامض " فقد امتد الزمان بالبيت منذ الوداع والتلويح حتى اللحظة التي يعيشها الشاعر، وهو زمن طويل جدا لا يمكن أن يجيب فيه عن كل التساؤلات والمشاعر العالقة ، دون الانتقال من غرض لآخر.
ويمكن استنطاق البيت علّه يبوح بأسراره ، عبر سمة بارزة شكلت بنيته وهي الثنائيات :

أولا: التذكر والنسيان:

يفتتح الشاعر بيته بسؤال للحاضر(أتذكر؟) يُنبه فيه المخاطب عن ماض أصبح دارسا بعد أن كان آهلا بالحياة، والسؤال على أهميته لدى الشاعر، بدءًا بحدثه الأكبر وانتهاء بتفاصيله الأدق ، إلا أنه يبدو على غير تلك الصفة لدى رفيقه المخاطب ، سواء كان حاضرًا المقام حين السؤال، ام استدعى حضوره الروحي في بيته الشعري.
فبنية السؤال على لهفته ، تعلو فيها الأصوات المجهورة لتسيطر على البيت بأكمله، مقارنة بالمهموسة ،(1م: 3 ج) تقريبا، تصف جهد اللحظة التي يعيشها ؛ حين تحولت أحاديثه النفسية إلى التفكير بصوت مسموع كي يُسمع صاحبه، أو ذاته.
إضافة إلى حركة البيت المثقلة بتكرار النواة ( علتن ///(0 والتي تمثل الإيقاع البطيء أربع مرات في البيت بالتناوب مع ( علن //0) التي تمثل حالة التوسط . وهذا التأرجح يصف حالة التذكر الذي يحتاج روية وتأمل، لربط الصورة البصرية الآنية بتلك العالقة بالذهن.


ثانيا : اللقاء والوداع :

في البيت ، تتجلى صورة الوداع فقط، بينما يتوارى كل معنى يشي بلقاء سابق، لولا تلك التلويحة الدالة بفرع البشام، التي حملت في مضامينها معاني اللقاء، ويبدو أن التلويح كان استراقًا، كحال الحب الحذر ، أو الحب في بداياته الأولى ، الذي اغتاله الترحال. وساعة الوداع كانت معلومة ، يدل فيها البيت على حالة الترقب (إذ تودعنا) ، و أرجح ارتحال سلمى عن المكان ، لأن المسافر عادة هو من يلوح حين السفر.
أيضًا التلويح بفرع البشام، ومعلوم أن البشام نبات ينمو في سفوح الجبال والأودية ويعز في غيرها ، ولأن رائحته تُعد من زينة النساء ، فقد أخذت الفرع لاستزراعه حيث تحُط بها قافلة الرحيل، وأما التصغير فيأتي من قبيل التودد والتلطف ، وأيضًا يحمل في مضامينه التماس العذر للمحبوبة في هذا الموقف.
ثالثا: الجدب والخصب :

بيئة العربي ، خاصة البدوي قائمة على الترحال ، تتبعا للمطر الذي يعقبه الخصب ، لذلك استقراره يكون رهن غيره .
هذه البيئة انعكست على عاطفة العربي ؛ نجده في كل وادٍ يبكي طللا . لذلك وإن كانت المقدمة الطللية تأتي من قبيل الاستحواذ على ذهنية السامع ، فإنها تأتي أيضا امتثالا " لمتطلب داخلي أصيل ...، فالشعر المنتج تحت وطأة الدافع يظل أعمق موضوعًا وأرهف صورة من الشعر المنتج تحت وطأة الحافز ..." ، ولعل هذا ما يفسر تعلق العربي بالأطلال، وتمسكه بها حتى استقر في المدن ، فثار عليها وأبدلها بما يوائم طبيعة عيشه.
وهو ما دفع الشاعر للدعاء بالسقيا لفرع البشام ، إذ السقيا أعز المطالب التي يتمناها الحبيب ، ومتى كانت ، دام استقراره.


رابعا، الإشباع والحرمان:
هذه الثنائية تقف أيضًا بإزاء الثنائيات السابقة ، كنتيجة حتمية لتلك الهزات الوجدانية التي تعصف بحياة البدوي ، وما وقفته على الأطلال والذكرى إلا نتيجة فراغ يعيشه ، فالعرب تقول : مدح الغائب تعريض بالحاضر، هذا التوق الذي داهمه حين وقوفه لم يكن لولا الشعور الداخلي بالاحتياج ، وتلك الزفرة الحرّى ، التي أشعلها الوقوف وأطفأها الغيث في دعواه لم تكن لولا سعيه للإرتواء.
هذا الصراع الذي يعيشه، والحرمان الذي يجده، جعل من توحّده مع بيئته أمرًا ملازمًا له ، يشعر معه بسد احتياجه ، وإن كان فيما يشبه الخدر الذي يعقبه ألم .


ختامًا البيت لم يفصح بعد عن كل مكنوناته ، فسلمى وردت في كثير من أشعاره وارتباطه بها يأتي وثيقا، إضافة إلى زوجه خالدة ، وكذلك فاطمة .
والبيت في عمومه :
يمثل نوعًا من القلق الوجودي الذي يعيشه البدوي ، قلق إزاء استقراره وثباته ، قلق يرتبط بذكرياته ودياره ، قلق عاطفي يمثله فقد أحبابه، قلق وجودي يرتبط بالحياة والموت نجده في ترحاله الدائم تتبعا للغيث ومتطلبات الحياة.


عمرو بن أحمد

عمرو بن أحمد 04-03-2022 12:17 AM

رغم محاولاتي للتعديل وتمييز العناوين الرئيسة بلون مغاير إلا أنني لم أفلح ...
وهذه القراءة كانت محاولة لتحليل الخطاب في بيت واحد من قصيدة للشاعر : جرير ..

خالد صالح الحربي 04-03-2022 07:41 PM

:
شُكرًا عمرو على هذه الإضاءات العميقة حول بيتٍ واحد .
أعدتني شخصيًّا إلى أحد المقررات الأكاديمية الشيّقة التي
درستها قبل سنوات في قسم " اللغة العربية " وكان يدرّسنا
آن ذاك أحد الدكاترة والأدباء السوريين ؛ وعلى فكرة .. قد لا يجد
هذا المتصفّح رواجًا / لكنه لن يعدم مرور ذلك القارئ الذي لا نعرفه
ولكنه يجد ضالته هنا ..
_ أكرر شكري وتقديري لك .
🌹

عمرو بن أحمد 04-08-2022 02:59 AM

أهلا وسهلا أستاذ خالد سعيد بك بعناقك لماكتبت ..
هذه المقاربات بالفعل على ارتباط وثيق بمقرر تحليل الخطاب ..

أكرر شكري واعتزازي بمرورك
طبت أبا وطن .


الساعة الآن 09:50 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.