المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (( في اغــتياب مدينة )) دعوة للمشاركة ..


نهله محمد
08-25-2010, 07:43 AM
هنا , مساحة لتقطيع مدينة , وفتح نوافذ القلب نحوها أو اغلاق الأبواب في وجهها ..
هنا , نسرد لغة للأرض جديدة , نتحدث بصوتٍ مسموع يشاركنا الإنصات إليه شوارعها وأشجارها حقولها وآخر مدى لحدودها ..

نهله محمد
08-25-2010, 07:46 AM
المدينة التي يختلط فيها اسمك بالأسماء , صوتك فيها يقترب من التراب تكاد تدهسه مبهوراً بالنور ,
و قلبك يحلق فوقك كطائرٍ يعرفك, يُعرّفك على الطرقات كمن أشبعته الخبرة بالدروب ..
لا تحتاج فيها لأحد كي تلتصق بنفسك وتعرفها عن كثب .. لسكانها علاقة وطيدة بالأبواب , والنوافذ , عليها كبروا أشبه بالحمائم ,
هم لايحتاجون لمؤقت يتراكض فيه الزمن على دكاكهم ,
ولا حرّاساً لقلوبهم إذا دكهم التعب ,
آمنين مطمئنين طالما كانوا في الصحوة باسطين صدورهم لزوار بيتٍ يستمدون منه الحياة والرضا ..( مكة ) ..

نهله محمد
08-25-2010, 07:48 AM
تزحف أحلام الذين غادروها إلى الشاطئ خائبة مع الزجاجات الفارغة ..
بحرها المغرور جداً لايسعف المحبطين إلا بالصمت ,
و مناراتها الساهرةً على سفن غائبة تعرف التفاصيل الدقيقة عن كل قصة حب خرجت من صلب الرمل وعادت إليه ,
تعرف كم هاتفاً طفى بالغضب مع الزبد وانطفت شعلة اللهب..
شوارعها ملاذاً " للأراقيل " وأحاديث النسوة عن العباءات المجنونة ,
ممتلئة بأرقامٍ تركت فراغاً بحجم رسالة هوائية وأخرى ديست بلا اهتمام من العجلات ..
في " جدة " تتبادل السماء مع البحر المكان , فيصبح السقف مائعاً والأرض فجوة ,وأنت لاتدري إن كنتَ تضمن استخدام طريقٍ أتيت منه مرةً أخرى ..

نهله محمد
08-25-2010, 07:53 AM
أما ذلك الجبل غريب الأطوار , وطريقه الذي يخلع قلبي كلما حاولت ارتقاءه ,
أطل من حافته البعيدة بخوفٍ جديد على مشاعري ,حيث أكون قريبةً من الأفق , بعيدة عن تربتي التي أراها مدينةً للملائكة والهدنة..
بفرقٍ زمني يساوي ساعة واحدة تنقلب معطيات الطقس ومعطيات مزاجي ,
فأشعر برغبةٍ عارمةٍ في إخراج رأسي من النافذة العلوية للسيارة ,في محاولة لاختزان أكبر كمية من البرد لمواجهة السموم في مكة .
لكنها المدينة التي لا تترك مجالاً لرأس امرأة كي يرتفع . هناك دائماً مطرقةٌ جاهزة للرؤوس المكشوفة , هنالك دائماً سقف غير ثابت يسقط على رأس ناشزة تختار لنفسها أدب الطريق..
لذا , فأنا لا أعرف عن أغلب نسائها أكثر من عيونهن المختبئة خلف نقاب يضيق بشكل دائرةٍ صغيرة في قمة الحرص ,
أو يتهدل على الأوجان في محاولةٍ فاشلة للتسلل باتجاه الحرية ..
و مامن غرابة إن رأيتهن في البراري محصوراتٍ بمجموعةٍ من السيارات رغم خلو المكان إلا من الصدى ,
مامن غرابة إن صادفت إحداهن تُسكت جوعها من تحت الغطاء وعيني زوجها تقيس المكان حتى لايسترق النظر إليها رجل مر في ظنونه ,
مامن غرابة إن لمحتَ طفلة تتأرجح وقد أُسدل الحجاب على طفولتها !
هي المدينة المتطرفة في كل شيء , عجزتُ عن فهمها , وعجزتْ عن احتوائي , شاطرتها الليل فنسيتني في الصباح و تنكرت ..
"الطائف" , مدينة الأبواب الحديدية ,
والنوافذ الموصدة من بعد الزجاج بفولاذ ,
المدينة التي تملك في كل شارعٍ عيناً , وفي كل اشارةٍ امرأة تبحث عن الحب عبر الأثير ,
وفي كل مركزٍ تجاري حائطاً كي تصطدم به , فبينك وبين حقيقتها شعره غير مرئية ,
وبينك وبين حقيقة أهلها الذين يشبهون الدوائر في مكرها مسافة شاسعة جداً تكفيك لاختيار الرحيل على البقاء في ديوانها البارد ..

نهله محمد
08-25-2010, 07:56 AM
مِن المدنِ المَدِينة للمطر , صديقة للغيم , و ملاذاً للضباب , هي ..
شوارعها الممتدة في الصقيع تعرف طريقة مُثلى للحافاظ على أشجار " الجهنمية " الملونة ولاءً للعصافير ,
وتحت ظلال " العرعر " قصص للنضالِ ذَوت كي تكون سماد تلك الأرض ..
الماضي في شوارعها يظن بأن القمم رفقته , على مسافة شاهقة من التأمل تمد إليك يدها وترتبت على ظهرك,
مشيرةً لشيء لايراه إلا من يقترب منها مقدار ظل وخطوة ..
بهدوئها تلهمك قصيدة تتناوب أبياتها على الدفء تارة وعلى البرد أخرى ..
بصمتها المُغري تعلمك الثرثرة , وطريقةٌ للحديث مع نفسك بحنانٍ لم تعهده في نفسك ..
في " السُّودة " قد تبكي مطولاً على صوتك لو سقط من علو ذلك السفح الشاهق و انكسر ,
تلك المسافة الشاهقة جداً لاتُبقي على صوت ولا ظل ,
لكنهم اجتازوها بالحبال وصولاً إلى السحب , ضاربين بالدوار عرض جبل ..
" الحَبَلَة " هذا الإسم تعبيرٌ دقيق عن علاقةٍ وثيقة بين أيديهم والحبال التي استخدموها لنقل أقدامهم من الجحيم إلى الجنة ..
" أبها " رائحة الكادي التي لا تفلتها الذاكرة ..

نهله محمد
08-26-2010, 05:40 AM
هي المدينة التي تجتازك وأنت تسكنها بكل بساطة !
تتعداك وتهدر مشاعرك بركضها وبسكونها , تجعلك تمثالاً فيها لايبارح أضيق ميادينها إن لم يكن أوحدها و تغييييب ..
شقيقةٌ للبحر , تتسول من شواطئها بعض مايفيض من أحلام جدة ويأتي هائجاً مع الموج .. كأنها خُلقت للبحث عن مسمى لها أكبر من كلمة مدينة ,
هي التي تحلم بذلك جاهدة , ولم تصل للحلم تماماً ..
في طريقك لهذه البلد بالذات ستمنح ذاكرتك البصرية راحةً من مدى الجدران الإسمنتيه , حيث لا تيجان لها ,
رأس حيلتها بناياتٍ من طابقٍ واحد , طينيةٌ على الأغلب..هناك ستفاجأ بالسقف قريباً من متناولك كقلوبِ أهل الدار ..
أناس تنقصهم الأجنحة كي تكتمل جاذبية الملائكة .
مازلت أحتفظ بشاهدٍ لذيذٍ في شكل قُبل على جبيني لنسوةٍ كبيراتٍ تجاوزن أمي عمراً وتعباً ,
على آذانهنّ خصلة من الريحان كبيرة , وفي ثيابهنّ نسيمٌ للكادي , يُهذبنّ شعرهنّ كما كانت جدتي تفعلها استعانةً بمنقوع بذور السفرجل , ويرتدين بساتين لانهاية لأوراقها .. .. ..
لا أعرف أي شعور يتقمصني كلما أدرت لها ظهري ..!
أشعر بمرارة الخسارة , وأسأل نفسي لماذا!؟ مالذي ينقص مدينةٍ أسكنها ومالذي تزيد به هذه برغم زهد المكان ؟
أهي حميمة جدرانها ؟ طيبة شوارعها , والإشاعات الساذجة التي تنطلق منها وتتبخر من أفواه الصبية ؟
هل تعبر عن حُقبةٍ من العهد الجميل بما تملكه من بساطةٍ ليست لأرض أخرى دخلتها ؟ ..
كيف تشكلني بيوتها ؟ مالذي تضخه فيّ محالها المتأخرة عن الموضة , عرباتها الزهيدة جداً , و" خارجاتها " المختصرة ؟
تلك التي أفتقدها والتي ستنبهك للمنسيات , للألعاب التي استغنينا عنها بالمحمول وبرامج الهواتف الذكية , وجنون الأبعاد الثلاثية ..
هناك تحديداً ستنجذب إلى لوح " الكيرَم " والسّمر الطويل بصحبة زجاجات "البيبسي" قديمة التصميم ,
ستنجذب إلى " الضُومنه " وصراخ الفتيات في حالات النكسة المفاجأة و تَلَقِي الأحكام الخبيثة ,
و ستنتبه إلى وجهك شاحباً يطل على الأمس من نافذة عتيقة للحنين .........
إنها " الليث " مزارع الربيان , ومواطن الكثبان , والنكبات الغير محسوبة على الوطن ..

بثينة محمد
08-26-2010, 06:33 AM
جدة جدة جدة
حب خرافي

أنا لا أعرف جدة في أعين الناس
لا أعرف أسواقها ولا ملاهيها
أعيش فيها كالغريبة
و أحبها كروحي تماما
أحبها ذكرى طفولة هُدِرَت
أحبها كما أَحَبَّ جميلا بثينة
و سأموت - بإذن الله - أحبها

جدة تخنق دموعي بذكرياتي..
كم أعشق جدة في المساء، لا لشيء إلا لأنها تكون حية بقدر موتي تماما..
لأنها تعيدني ستة عشر عاما للوراء حين رحلت عنها بدموعي ...
و عدت إليها بدموعي..
كم أحبك يا جدة..
يا سيدة ولائي..
آآآآآآه يا جدة.. لو تعلمين كم أعشق ترابك
و بحرك..
لما تركتني أرحل عنك أبدا...

ضياء شمس الأصيل
08-26-2010, 07:54 AM
...


من هي مدينتي؟


سألوني من هي مدينتك؟
سألوني من أنا؟
فأجبتهم كما ورد في الحديث
بلدي...مدينتي...المدينة المنوّرة
مدينة ينابيع الماء
والتربة السوداء
مدينتي بالشهداء منوّرة...
/
/
/
:34:

نهله محمد
08-26-2010, 07:56 AM
بثينة , الحديث عن جدة لاينتهي , قد أعود لها وقد أتركها لغيري..

ضياء , كل مدينة تعرفك ..

بثينة محمد
08-26-2010, 09:00 AM
و لـ جدة أقول :
" عيناك أرض لا تخون "

فاروق جويدة ..

بثينة محمد
08-26-2010, 09:03 AM
ياه يا نهلة، هناك من الحب ما لا يحكى عنه، وما لا يستطيع القلب ذرفه إلا بلفظ أنفاسه..
و جدة .. أكبر هذا الحب !

و إن خيروني فيك وطنا أو قبرا لااخترتك و قُتِلْتُ من أجلك
و لاخترتك من جديد و قُتِلْتُ أكثر
و لاخترتك ثالثة و قُتِلْتُ أبدا ..

يا حُبَّ عيوني يا جدة ..

ضياء شمس الأصيل
08-26-2010, 02:10 PM
بثينة , الحديث عن جدة لاينتهي , قد أعود لها وقد أتركها لغيري..

ضياء , كل مدينة تعرفك ..

لك غاليتي نهلة:icon20:

...

بثينة محمد
08-27-2010, 04:06 AM
سأغتاب مدينتي..
سأشتكي شوارعها لقلبي، و أتحدث بالحب عن ترابها..
سأقول لكل الناس.. سأشهر بها..
في مدينتي.. للجدات أحلام الأطفال..
للمرضى آمال الآيتام..
و للمشردين.. آلام!

ينقصك الوعي يا مدينتي.. ينقصك أبناء مخلصين..
صلي في سحورك يا مدينتي.. أن أكون من المخلصين ..


يا حبيبتي ..

نهله محمد
08-27-2010, 08:05 AM
ليست كغيرها ..
أستطيع تخيلي فيها أبذرُ صغاري الواحد تلو الآخر , وأجنيهم بلا سلال؛ لأني لن أخاف على عقولهم من التلوث ..
فيها مايثير الرغبة بالبقاء , ربما لأني مسكونة بحب الأشياء الشبيهة بي ,
أو لأنها صدرٌ متسعٌ يضمن لك البحث عن شيءٍ مغايرٍ تقضي فيه حتفك و قلبك في " بَرّاد "..
هي المدينة التي تختلط في شواطئها المذاهب دون أن يبرم البحر بموجةِ تذمرٍ واحدة .. الكل فيها لاجيءٌ للشمس صديقٌ للقمر ..
في حدائقها تكتظ الحكايات والأفواه التي يندلع منها الحديث دون أن يثيرَ ذلك ذعر َالعُشب ..
الكل مشغولٌ بصناعةِ هدوء يليق بالمكان ,
والمارة المستعجلين ,
والحشائش التي تأنس بهم ويأنسون لها....
شوارعها مِفصَليّة , ليست من الشوارع التي تُشعرك بأنها سيدة عليك بأمر المسافة ..
أنيقة ٌ, مهندمة , معجونة برائحةِ الطيبات والبرد أحياناً .
إشاراتها تمنحك احتراماً خاصاً هديةً لهدوءك , كأن نظاماً ما فُرض على أهلها كي يتجنبوا صراخ الزّمَامِير ,,
الكل ماضٍ وقد أبدلوا أصواتهم بالهمس ..
هناك ستتعلم كيف تحب " الخُبر " بذاك القدر من الصمت ,
و ستعلمك بالمقابل طريقةً مُثلى للحفاظ على أهدابك إذا مافاجأك طقسها الغابر ُإنْ غَضِبَتْ .
هي المدينة الملاذ ,
المدينة المختصرة في كل شيء إلا في الحب و الرقيّ , الحاضرة فيك حتى لو تغيبت نكراناً ,
التحترمك حزيناً , صاخباً أو غاضباً وتحتويك , بل وتضمن لك شجرةً تكبر في ظلها كيفما شئت .. ومتى أردت ..

حصه العامري
08-27-2010, 04:34 PM
.
.
http://ae-id.com/vb/uploaded/2545_01282904657.jpg

يا أنيقَة المَعشر .
بَعض الأحاديث و رِوايات الحُب, تأتيك مُلخبطة الفصول الزَهرية, مغرورة بِوقع مطرها في كُل الصَفحات
مُتخمة بروائِح العتقِ من الأحزانْ, شاسعة الأَحضان الفَجرية إلى حَد الضياع في تفاصيلها الدَهشة .

مؤمِنة أنا بجمال كُل المدن, مُدن الحرب والسِلم, مُدن الأرض والسَماء .
و"العين" إحدى عَطايا الله للصالحين, إبنة العِطر والأيام التي لا تتكَرر .
مَدينتي فضيلة .
كالمناكِبْ التي إجتهد المُفسرون في الإتِيان بها, في إحدى الرواياتِ أتت كالجبال وفي الأخر كالحواف والأَطراف .
وأنتِ ياجميلتي تَجمعين كُل الدروب والتعرجات .
يا مَدينة السكينة .
يا مَراحل الحُب التي لا يجيئها وَهنٌ وزيف .
حُب الله لكِ, حُب الله لكِ .


-
نهلة
يا إبنة النور, يا أسرار السمو .

نهله محمد
08-28-2010, 08:35 AM
مدينة بحجم بصر وبعض بصيرة يا حصة ..
نور على نور هذا التواجد المفعم بالألق ..

نهله محمد
08-28-2010, 08:51 AM
على عكس أغلب المدن ,
لها في الصمت نفسٌ طويل جداً مما يضمن لها هيبة تامة ..
تحتفظ بك في محفظتها المتواضعة كورقة , وعليك أن تصمت كي لاتنتبه لك الشوارع والبقالات الصغيرة جداً والباعة المتجولون والهاربون من الشمس.. ... ..
صغيرةٌ كنتُ يوم دخلتها بحبةِ موز , يوم كانت الثقة شعرة هدب بين البشر والقردة .
سعى أبي جاهداً لذاك الطريق المُقلق لنكتشف معاً سرّ مدينة تأهلك لمدينةٍ أخرى وتقبل أن تكون مدخلاً متهالكاً لجمالها.
المبهر في نظري كطفلة حينذاك , ذلك العدد المهول للأنفاق , حيث تمزق صراخي في مراوحها , ودُهست أصداؤه بالعجلات وأنا معلقة في النافذة , أفرح على اللاشيء ..
سيارة حمراء من نوع متوسط العمر ,
حقائب , وزحام , فوضاي ,
وعينا أبي التي تراقبني في المرآة الأمامية وأنا أجلس في المقعد الخلفيّ كي أحظى بفرصة ضَمّهِ من خلف المقعد -بيدين قصيرتين جداً - وأقبله .
قبلةٌ على الشعر ومرةٌ على " الغترة " ومرة على الكتف وأخرى على الأذن , حتى ضاع الطريق في القُبل و استقبلنا الضباب ..
معطفي هناك كان صديقي الأول , ووصية أبي الدافئة , تنبيهات أمي الملازمة لظلي ..

على ربوة, وبعد خطوة واحدة, اكتشفت أن للحديث فيها شكل دخان, إنها المرة الأولى التي يبهرني فيها شكل الكلام ..
كسرتُ عود شجرة صمغية قريبة , و افتعلت تدخيناً وشروداً ..
كنتُ في الغالب أتلمس في داخلي أنثى لم تسمح لها الفرصة أن تستطيل ..
لكني هناك تحديداً كَبُرتُ بسرعةٍ هائلة ..
شعرتُ بي أختار شخصي , و أميز كينونتي دون عوائق ..
إلا أن الخوف الذي لازمني مطولاً كَبُر هناك أيضاً وأعادني لضفائري ..
لم تكن لتسعفني ذراع أبي وتذبه عني بشكلٍ كامل , لأنه كان يختار النوم فيها بعيداً عن نفث التكييف .
أنا التي اعتدت صوته لترقيع الأصوات غير المبررة ..الأصوات التي تقول عنها أمي " مسرى الليل يابنتي " ..
على ذارعه وفي أحضان أمي_ أحياناً _ كنتُ أعدُّ كم عجلةٍ مرت بقلقي بدلاً من الخراف .
فالشارع لم يترك لي خياراً آخر , ولم يتح لي فرصة الإستمتاع بصوتٍ غير أصوات الذهاب والإياب والأنفاس .. وكأنني حُصرت بين اتجاهين يعاكسهما الصمت ويطحنني ..

الساعة الثامنة كانت شرارة العقدة الأولى ,
حيث أني ببداهة الصغار أدركت أنها الساعة التي تذبل فيها أضواء السيارات , وتنام المحلات , ويخلد الضجيج البسيط إلى سريره ..
عرفتُ تلقائياً أنها الساعة التي يبدأ منها السّبات , وأنّ في ذلك زمنٌ طويلٌ مطليٌّ بالسواد , ينفث دخاناً يمنعك من استقراء ظلك ..
في الشرفة كنتُ أعلق ظلي كل ليلةٍ على الكلام وأخرج لذراعِ أبي كي أقاوم هيبة " الباحة " , المدينة التي لا أذكرها إلا وأقشعرّ ..

بثينة محمد
08-29-2010, 05:09 AM
أتمنى أن أكتب لـ جدة كل يوم ..
لكن قلبي صامت.. يتنفس حبها كطفل نائم بسلام..


أحبك يا جدة ..

بثينة محمد
08-29-2010, 06:45 AM
يا قلب حيّ على الرحيل..
غابت المدن و خفتت السكنات ..
يا قلب حيّ على الأنين ..
قد ذابت الفرحات في ماءٍ جحيم..

أيا مدينتي.. سأضم شوارعك و أنوارك
و ألملم فيك و لكِ ما لم يجمعه أحد مني و نثره : كل حين

أيا مدينتي.. أيا جدتي ..
سأعشقك إلى الأبد..
رغما عن الراحلين !

نهله محمد
08-29-2010, 08:57 AM
عدتُ أنبش ذاكرتي بحثاً عن مدينة تكون لي قميصاً صيفياً مُزهراً وبارداً, فكانت ..
أرضٌ حكى عنها جدي بشوق ,
تدلت من قصائده كبرتقالة ريّانة , تفرعتْ على أبياته كسوق عرائش العنب ..
كنتُ حينها صغيرة على فهم المدن متعددة النوايا والقصائد التي تكبر بحب مدينة ..
جاء اليوم الذي سمعتُ فيه ندائها .جيداً أذكر حتى لون الحقيبة الرمادية الكبيرة الممتلئة بملابس تراوغ مزاجات طقسها ..
وتماماً , فوق غيمةٍ بكيت خوفاً كأول مرةٍ أتعامل فيها مع الارتفاعات الشاهقة ,
لكني اليوم عرفت بأني إنْ سقطت , ماكنتُ لأسقط إلا في غابةٍ رحيمة .. أصبح لديّ ثقةً مُتجاوزة في أشجار الصنوبر , ومايعنيه طول أغصانها وفسحة ظلالها ..

المدينة الهشة , مدينة الجلود البيضاء ,
والمشي الطويل و السواحل التي يمتزج فيها عطرك مع البحر ..
مدينة الزوارق و الغابات , والإنتماء , والصرامة المفرطة . حتى كان ليخيل إليّ أني ملزمةٌ باحترام كرسي حديقة أمر بجانبه ..
هذا ما تعلمته من الحديث المُشطب لــ" صوفيا ".. جارتنا العجوز الأنيقة ..
في بالي الآن طريقة جلستها " الملوكية " ومشيتها المحسوبة , دون أن تطرق بكعبها - العالي جداً - الأرض احتراماً لجارها بالدور الأسفل ..
أذكر حزمها المبالغ مع أحفادها ولطفها المُسترسل معي .
اكتشفتُ ذلك بعد أن ناولتها كوب الشاي بميسرتي , فأخبرت أمي أنها كانت تجبر أبنائها -عند حركة مشابهه - على صَبّ كوبٍ آخر وتقديمه بيمناهم حتى لايألفوا معاودة الخطأ ..
كانت من النساء اللاتي يتحدثن بجرأة , وينفعلن ككومةٍ من القشّ قفزتْ فيها شرارة ..
صريحةٌ جداً وواضحة للدرجة التي شوشت عليّ نفسي ..
كريمة ومضيافة , حيث اختارت لنا شقة علوية - نظفتها بنفسها- مطلّة على بحرٍ يشبه طباعهم إلى حدٍ كبير .. آسر وهادئ ومثير..
في " البلكونة "ملياً استجمعتُ فرحتي وفرقتها كتذكارعندما حزمنا الأمتعة وهربنا من الإحتمالات ومن غضب الطقس ..

طاولة بيضاء , كرسيان , راديو بني فاحم , طبق فاكهة , سكين ,
وأبي يجلس على كرسي ويمد رجليه على الآخر والبحر رفيقه الذي لا يعكر مزاجه بالحديث عن الموج ..
هكذا كان يمضي الوقت بين الفينة والأخرى ..أما أنا فكنتُ أتعربش على السور أمامه كقطةٍ فضولية وأتأمل الزقاق الضيق ,
وفي نفسي عَدّاد لعدّ خطى الذاهبين لأحوالهم ..
حياتهم المختلفة عنا كانت شرار فضولي ..
فيمكن أن تفاجأ بسيارة للخضار تمر وتفرق الخضروات ,
أخرى أكبر حجماً مليئة بالأحذية والقلائد المخرزة ,
ثالثة لبضائع زهيدة أو ألعاب لجلب الصغار..
أجمل مايمكن أن تكون المراقبة من ربوة عالية , تبدو الحياة بالأسفل أصغر مما نعيش فيها وصاخبة بتعجرف حد سؤالٍ تطرحه على نفسك :"كيف لم أنتبه لكل هذه التفاصيل ؟"...

في خضم ذلك , كنّا نجاهد الوقت كي لايفوتنا شيء ,
الشلالات , والجبال المزهوة بالربيع , مطاعمها الكثيرة , متاحفها العريقة , أسواقها الشعبية المغرية بإنفاق نفسك فيها ..
تقرّبت فيها للسنارات في محاولة لفهمها , وكم تمنيت لو أكون سمكة ..
تقرّبت للبنادق أيضاً , الأمر الذي لم يتجرأ عليه أخي .
أطلقتُ رصاصةً في الفضاء وقفزت فزعاً لكني عدتُ للمقبض سريعاً تدفعني الرغبة لكشف جنون أبي وهوسه .
و عرفتُ المعنى في أن تكون دقيقاً عندما تراقب " شارتك " ..
اقتربت كثيراً من بياض مدافنهم و بصلابة قلب أردت إلقاء نظرةٍ فاحصةٍ منها على مدافننا الشاحبة جداً والتي تثير قلقك على الأموات ..
و بكيت فرحاً... نعم , بكيت عندما صار لي أصدقاء كبار:

- السائق الأمين" مصطفى " وخطيبته ..
كانا أكثر من يستلذان بصحبتي وبالحديث معي كصغيرةٍ لاتشبه الصغار وتثير دهشتهم بسرعة الحفظ والأسئلة ..
فعلموني طريقةً للعد وتفنيد فئات النقود , وطريق البقالة المجاورة ,
وكلماتٍ قليلة تكون جسرا بيني وبين البائع " حليب , خبز , بطيخ , شاي , تونة ".
الآن نسيت من أين تؤتى الجسور!

- بائع البوظة الشهيرة في " تَرَابيا ",
ذاك المُتلاعب , صاحب الحيل الواسعة واليد الخفيفة .
لطالما أحببت فيه ظرافته وحسن احتواءه للعرب الآخرين وكرمه في توزيع المقالب ..
للآن مازالتْ بوظته مقلوبة على يدي ,
ووجها والديّ قِبالتي أحدهما يضحك على انفعالي
والآخر يسعفني بمحارم ورقية ويخفي ضحكته كي لا أثور ويصمت الــ"كورنيش " إلى الأبد ..

وصديق ثالث لايخطر على بال أحد ,
ليس إلا الليل .. ذلك الذي يعتني بالضجيج الهاديء
و يعني أن تنصتَ كطفلٍ شرير لصوتِ الكؤوس
و تترك العنان لمخيلتك في اختيار شكل حانة , ونسوة لاتعرف ماذا يفعلن, ورجال أغلبهم من تربتك ..
وتعاود ترتيب الخيال , فتُسقط مكانه مقطعاً من فيلم أجنبيّ ليبدو دقيقاً مناسبا للقرع الذي تسمعه ..

في " تركيا " من المحتمل أن تلجأ " لميداليا " زرقاء بشكل عين فقد تختلط عليك نفسك ,
وتشعر بما لايمكن أن تشعره في مدينةٍ سواها. لها الحق إن خصصتْ لها ذاكرةً فارقة ..

نهله محمد
08-30-2010, 09:46 AM
في يونيو تكتشف قوة سلاح سهلٍ ينتمي لمدينة توقف بعضها عند عصر , والآخر مضى قُدماً غير آبهٍ لغيرة المدن الفقيرة من ماضٍ بات لغيرها , لا ملكاً لها ..
ذاك السهل الخفيض يمنحك متسعاً للتأمل , ونسيان نفسك ..
يآخي بين جسوره ليعبرك . يتودد إليك بنهره , وفراشاته التي اعتادت المكوث في ركنٍ قصيّ من الذهول ..
على مقربة من أساطير " رودس " كَبُر الوادي بالفراشات
وكان واجباً عليّ أن أكون في باقته كي لا أشذ عن السرب ..
تلك المساحة كانت كافية بالنسبة لي كي أمحو مصطلح "الصحراء" من قواميسي مؤقتاً على الأقل ..
هناك حيث تؤذي عينيك الخضرة الفاقعة, ويفرقعك الصمت كبقيةٍ للكرنفال تضفي مزيداً من السحر على المكان ..
هناك حيث تنسى الألوان الترابية والرمادية
ويصبح المكان مسرحاً " لبليتة "الألوان و للخيال" ولفنانٍ قادم بتواطوء الطبيعة ..
لم يسحرني تاريخ "رودس " برغم هامتها الفارعة في التميز كما فعلت بساطة ذلك السّهَل , السهل الممتنع ..
ولم يلفت نظري "إيليوس " كما فعلها " بيثيوس " عندما تولى أمر سياجٍٍ يحفظ حقوق جمال تلك البقعة ..
لكني وقفتُ فاغرة على أبواب " ليندوس " القرية التي تتنفس البحر بعلوّ طيرّ من جيبي فراشاتي ..
كنتُ أفكر جادة بأن المار من هناك لن يستطع إلا محاصرة ذاكرته كما فعلتْ ؛ مخافة أن تُهدر فيها فيعود خالياً لأرضٍ لاتشبهها في شيء ..
لا في باحاتها المرصوفة بكِسَر الفسيفساء المجنونة والمرصوفة بحذاقة ولا بمحافظتها على إرثها العريق ولا
في منازلها البيضاء المتدرجة و التي تجبرك على تحسس جدرانها !!..
بالنسبة إليّ كنت أوجه لها أسئلة من تحت ضرسي :
- ( إلى متى سيمتد بكِ هذا البياض ! ) ,
-( أمتأكدة هناك أحدٌ بالداخل ؟)
-( أما مللتي من مقابلة الشاطئ ومجاورة القلعة ؟ ..
أوووه , القلعة التدك في صدرك باباً من أول نظرة , وتجعل من الهيبة مفهوماً مختلفاًعن الذي عهدته مرعباً في "الباحة" ..

من أول ما استقبلتنا " أثينا " ,
كان لديّ حدسٌ غريب بأن هذه البلد لاتخون زائرها . يكفي أن تقدم لكَ أرضاً تفاجئك بصورتك على رصيفها ,
أو على رمل شواطئها أو طاولاتها تماما كما على زجاج " الفاترينات " . و ماكنتُ لأشعر بالقرف لو سقطت من يدي حلوى واستعدتها من الأرض بثقة , بل واستلذذت مذاقها ..
" أثينا " التي اختلطت فيها الحضارة بالمتاحف والمعابد وعجّت حول آثارها الأجنحة و الأساطير ,
تجعل من شعورك أسطورة وأنت ترتقي " تل الكافتيوس " مراقباً إياها عن كثب , مُضيفاً إلى قائمة التأمل ألفي جزيرة كاحتياطٍ جمالي تعتد به
وفيه من الدهشة ما لاينتهي من إقلاعٍ واحدٍ وقصير ..
" اليونان " المدينة التي سأعود لها حتماً وبحوزتي ذاكرةً إضافية ..

ضياء شمس الأصيل
08-30-2010, 10:17 AM
...


تابعي يا غاليتي نهلة
وبالتوفيق لصفحة البوح


مودتي:34:

...

نهله محمد
08-31-2010, 07:30 AM
كان الجو خانقاً , وكأن نهراً تفجر في جبيني فجأة , يختلف الطقس هنا عما كان عليه في مطار جدة ومطار مصر تماماً ..
أعيد لف العمّة وأتمسك في مقبض الباب بأقصى محاولةٍ للبقاء ,
فالكثبان التي كانت تتناوب على رمي " جيبنا الشراعي العتيق " تجبرني على التمسك بأي شيء مخافة أن أجابهة أرضهم صارمة الحرارة ..
جف ريقي , وأبي مسترسلٌ في الجنون كعادته .
يعامل البراري وكأنها ملكٌ له , ويرسل للفراغ خلفنا غباراً كثيفاً يُعطي أملاً مموهاً للأرض المتقشفة بمرور الضباب في غير موسمه ..
كنا نسابق الزمن بأربع عجلات , وخارطة , و بوصلة أعارها أحد " الرشايدة " لأبي ,
لأنه يعرف أنه مقدمٌ على الضياع بصدرٍ رحب ..
الأخيرة لم تكن تقنعني في تغير مزاج إبرتها كلما اضطررنا للحاق بغزالةٍ شاردة من فوهة " الشوزن " ..
الذخائر , والماء أهم مايمكن الحفاظ عليه ,
فهناك في تلك الأرض التي تفتح أجوائها للرصاص الطائش لا يمكن أن تفرط في طلقة على الفراغ
و لا أن تشخص غدك , ولا التنبوء بإحداثياته .. ببساطة لأنها منطقة للتنازع على الحياة ممن لايعيشون إلا فيما دون الصفر ..
تماماً تشبه البراري التي كنتُ مولعةً باكتشافها في الأفلام الوثائقية , حتى في أدقّ التفاصيل ..
الحشائش المصفرة الطويلة , الزواحف الغريبة , أشجارها الشائكة جداً ,والتي غالباً ماتكون مهبطاً لبعض النسور والعقبان ,أو ظلاً للظباء المتعبة و للنعام الذي ما لمحته مرةً يدسُ رأسه في التراب كما يُشاع !..

طلقة واثنتان ,
سرعة مجنونة
وطلال مداح يغني " مدام معايا القمر مالي ومال النجوم "
و أنا في خضم ذلك أشعر برعبٍ لم أعتاده قبل تلك اللحظة,
أنوي قفل جهاز التسجيل ليضمحل الخوف مع العتمة ولكني مشغولة بتوثيق نفسي حتى لا أطير من المقعد ..
وباحترافية تامة يفتح أبي أضواء الجيب للحظة ويقفلها كي لاينتبه لنا قاطع طريق , ويواصل ..
يقف على مسافة بعيدة من غزالة منهكة .. منذ المغيب تقريباً ونحن نطاردها بلا توقف ..
إصرار أبي في معاندة الأرض لم أكتشفه إلا هناك وورثته لحظتها باختياري ودون مقدمات..
لكني فشلتُ في محاولة أن أكون مذهلة مثله , هو الذي أذهلني بحذاقته وأصابها صريعة من رميةٍ واحدة وموفقه جداً ..
كان الصيد وافراً يومها لكنّا اكتفينا بالكفاف واكتفيت بإعجابي المتزايد به دون توضيح ..
عندما رتبنا خيمتنا الصغيرة , كنتُ متعبة,مغموسةً في رائحة الدم ..وأبي منشغلٌ في تجميع الحطب لشواء الغزال .. قال وأنا أتأمل صمت المكان :
" هذه المدينة تعرف من أين تأتي زوارها ,
أرضٌ ذكيّة , لا تقفل في وجههم ديوان ضيافةٍ أبداً ..
حتقدم لهم قدراً من الحرية مقابل المال الزهيد أحياناً وتقدم الجنون أيضاً متى ما أرادوا الشعور بأنهم أفلتوا من قبضة المنطق وسياسة التعقل "

كنتُ أقلب حديثه , وأسمع أصوات حشرات الليل , وألحظ من بعيد عيون القطط البرية كاختصارٍ للبرق , تبرق وتختفي ..
و تنفرد أمامي الأرض عاجةً بالجراد بمقاساتٍه المختلفة بعضه يحوم حول أنوار السيارة المطفأة والآخر عبدٌ للفضاء,
لم أتصور الإقتراب يوماً من أرضٍ لاتناسب فطرتي إلى هذا الحد المقلق..!
لم يخطر لي ببال أن أتحول لمساعد قنّاص وأحمل خنجراً وذخائر احتياطية تأميناً على الحياة ..!
صوت الريح كان يحملالأسئلة /الخوف وينثره علينا من بعيد ..
وفيما انشغل القناص بالجوع , انشغلت بأن أكون صديقةً للنار بدلاً أن أكون لقمةً سائغة للبرد وللسباع , فالطقس أصبح قاسياً جداً على عكس ماكان يعنيه النهار تماماً..
كنت أفكر وقتها فيما كنا عليه اليومين الماضية,
وكم عبأني الفرح بجِيرَة المالك الحزين , والبجع والأوزات ,
مزهوةٌ أقدامي بالجري حول" بحيرة العسل ".. كنتُ قد أكتشف فيها لأول مرة معالم لم يحدث أن واجهتها إلا هناك.
مليا قلتُ للماء : يالحلم البراكين التي تنفث السواد صامته .
مراراً تفحصت الملح الذي حسبته جليداً وهو يشكل حزاماً كثيفاً حول البحيرة .. وفاجأني الجبس وهو يزيد من ألق الأرض بشكلٍ يثير حفيظة أرضك في مكانٍ ما ..
وفي " زجاللو " كانت متعة النظر إلى النخيل وقطعان الايائل مثاراً لشهية مفتوحة على الطبيعة الأم
والتي لم يلوثها سعال المصانع ولا عجرفة البشر . فيها مايجعلك تعود طفلاً تتراكض خلف الأشياء التي لم تألفها وتضحك بملئ شغبك..


( لا أعرف كيف سقط سحر " جيبوتي " من الخرائط السياحية, وكيف لم ينتبه أحد لشعبها الودود جداً ) ,
قالها أبي وأنا أحاول تجنب مكنستي , و البقاء لصيقةً بالأرض على التحليق الخياليّ فوق الكثبان و القفز خلف الأرانب والهروب من القلق واللجوء إلى وسط المدينة ...
جيبوتي , المدينة التي لا تعترف بالمكاييج ولا بنفاق خافي العيوب ,
و التي تمنيت لو عاشرتها فعلاً من غير أقاصيص أبي ..

صالح الحريري
08-31-2010, 01:33 PM
على عكس أغلب المدن ,














لها في الصمت نفسٌ طويل جداً مما يضمن لها هيبة تامة ..
تحتفظ بك في محفظتها المتواضعة كورقة , وعليك أن تصمت كي لاتنتبه لك الشوارع والبقالات الصغيرة جداً والباعة المتجولون والهاربون من الشمس.. ... ..
صغيرةٌ كنتُ يوم دخلتها بحبةِ موز , يوم كانت الثقة شعرة هدب بين البشر والقردة .
سعى أبي جاهداً لذاك الطريق المُقلق لنكتشف معاً سرّ مدينة تأهلك لمدينةٍ أخرى وتقبل أن تكون مدخلاً متهالكاً لجمالها.
المبهر في نظري كطفلة حينذاك , ذلك العدد المهول للأنفاق , حيث تمزق صراخي في مراوحها , ودُهست أصداؤه بالعجلات وأنا معلقة في النافذة , أفرح على اللاشيء ..
سيارة حمراء من نوع متوسط العمر ,
حقائب , وزحام , فوضاي ,
وعينا أبي التي تراقبني في المرآة الأمامية وأنا أجلس في المقعد الخلفيّ كي أحظى بفرصة ضَمّهِ من خلف المقعد -بيدين قصيرتين جداً - وأقبله .
قبلةٌ على الشعر ومرةٌ على " الغترة " ومرة على الكتف وأخرى على الأذن , حتى ضاع الطريق في القُبل و استقبلنا الضباب ..
معطفي هناك كان صديقي الأول , ووصية أبي الدافئة , تنبيهات أمي الملازمة لظلي ..

على ربوة, وبعد خطوة واحدة, اكتشفت أن للحديث فيها شكل دخان, إنها المرة الأولى التي يبهرني فيها شكل الكلام ..
كسرتُ عود شجرة صمغية قريبة , و افتعلت تدخيناً وشروداً ..
كنتُ في الغالب أتلمس في داخلي أنثى لم تسمح لها الفرصة أن تستطيل ..
لكني هناك تحديداً كَبُرتُ بسرعةٍ هائلة ..
شعرتُ بي أختار شخصي , و أميز كينونتي دون عوائق ..
إلا أن الخوف الذي لازمني مطولاً كَبُر هناك أيضاً وأعادني لضفائري ..
لم تكن لتسعفني ذراع أبي وتذبه عني بشكلٍ كامل , لأنه كان يختار النوم فيها بعيداً عن نفث التكييف .
أنا التي اعتدت صوته لترقيع الأصوات غير المبررة ..الأصوات التي تقول عنها أمي " مسرى الليل يابنتي " ..
على ذارعه وفي أحضان أمي_ أحياناً _ كنتُ أعدُّ كم عجلةٍ مرت بقلقي بدلاً من الخراف .
فالشارع لم يترك لي خياراً آخر , ولم يتح لي فرصة الإستمتاع بصوتٍ غير أصوات الذهاب والإياب والأنفاس .. وكأنني حُصرت بين اتجاهين يعاكسهما الصمت ويطحنني ..

الساعة الثامنة كانت شرارة العقدة الأولى ,
حيث أني ببداهة الصغار أدركت أنها الساعة التي تذبل فيها أضواء السيارات , وتنام المحلات , ويخلد الضجيج البسيط إلى سريره ..
عرفتُ تلقائياً أنها الساعة التي يبدأ منها السّبات , وأنّ في ذلك زمنٌ طويلٌ مطليٌّ بالسواد , ينفث دخاناً يمنعك من استقراء ظلك ..

في الشرفة كنتُ أعلق ظلي كل ليلةٍ على الكلام وأخرج لذراعِ أبي كي أقاوم هيبة " الباحة " , المدينة التي لا أذكرها إلا وأقشعرّ ..


هي مدينتي ....
سيدة الضباب
سيدة قصائد الطرق الجبلي ..
عروساً تمشي على استحياء بحضرة المطر ...
كطفلة تحمل بين ذراعيها هدايا الفتنة وضحكة الغيم ...!
في غابة " رغدان " تجد أشجار العرعر كنساء يمارسنا الغناء بصوت البرد ...!
وعلى قمم جبال السراة يأتيك صوت " شيخ الشموخ " يعلن في مسامع السكون تراتيل الكرم ..!
في أزقتها الضيّقة حكايات جدّي .. رائحة ريحان جدتي .. وأشياء قديمة ما زلت اذكرها برغم كبر سني ..!
هناك بتلك الأنفاق يــ نهلة تفاصيل لحكايات التحدي ..روايات القصص القديمة " لأهل تهامة " ومعاناة الجبال ..!!


ها هي مدينتي ..
بهذا العام تضم على صدرها ...
أطفال الغيث وتباشير الهدوء ورقصات السيف ..!
تداعب بأوديتها أطفال المطر لتراهم بمشهد عجيب ..
حين يمارسون الركض من ضفة إلى الضفة الأخرى ..!

الباحة ..
سرّ طبيعي ..
ربيعٌ لكل فصول المدن ..
أنشودة المطر " لأحمد مطر " ...
مضاءة بمشكاة عصى " الطفيل الدوسي " ...
عبقة بعلم رقيق القلب صاحب الهرّة " أبي هريرة ..
ما زالت تزورها دعوة النبوة " الهم أهدي دوسا " لتنجب من صلبها دعاة للإيمان ...!


الباحة ...
سيدة العتمة البيضاء " الضباب "
حين يأتيها الشتاء تبدو كل الأشياء في خشوع ...
الناس والأنفاس .. المناظر والانظار .. الفوضى والسكون ...


الباحة ..
أي حديث عنها يــ نهلة ...
سيجعلني أغني ثم أغني ثم أغني ..
ولن ينتهي الغناء وفي الحفل عروس المطر ..!


نهلة محمد ..
غيمة فكرتك ...
أمطرت غيثاً سحا غدقا ..
وعلى ذاكرتك الأمان ودعوات أمي ...!:)

http://www.youtube.com/v/Wc_DEUdDUGc?fs=1&hl=en_US&rel=0
شكرا كصوت المطر في مسامع الامتنان يــ نهلة ...!

ضياء شمس الأصيل
09-02-2010, 10:56 AM
...


في كل بلد لي مدينة
زهورها عصافير
تغرّد للمارين...
لي مدينة ...تشبهني في الجنون
خالية من الفرح
ممتلئة بالوجع
لي مدينة...يصرخ فيها غصن الزيتون
يختنق فيها الكلام
يستوطنها شبحا...شبح
يستولي على أراضيها
والحكام على الأطفال يقصّون
حكاية الأميرة والبجع
لي وطن في كل مدينة
لي في كل وطن ...مدائن الوجع
لي مدينة تشبه بلد المليون
هكذا تخبرني ابنة لبنان...لا يهمّ ما تقول
ولا يهمّني ما يقولون
و شجر الأرز يحوم على حدود البدع
لي مدينة عبدوا فيها آمون
لي مدينة...فيها ينادون
بوضع مخفضات صوت الآذان
و أهلها في رمضان لا يصومون
لي مدينة ...تشبهني في الجنون
خالية من الفرح

ممتلئة بالوجع
/
/
/

لي بلد ينمو فيه ورد الحب
لي فيه مدنا عاشقة وحرفا مجنون
ينام على حجر الوجع

...
"' أفكر لو أني سجينة ,
قد لا ألتقي بضجيج الشارع ..
هناك على الجدران
سأبلل إصبعي بالريق , وأرسم لي مدينة ..""

http://www.youtube.com/watch?v=91-X48VfvTs&feature=related

نرحل وتبقى المدينة...أليس كذلك غاليتي نهلة:34: