عُمق
11-01-2025, 01:10 AM
في الغرفة الأرضيّة الباردة حيث تتدلى الرطوبة من الجدران كأنفاس متعبة
كانت تضع أصابعها في التراب كما لو أنها تلامس نبوءة.
زرعت شيئًا أخضرلا لتزين المكان بل لتقيم حجة على الحياة.
ومنذ تلك اللحظة غدت أمًا لا لطفلة من لحم ودم بل لكائن أخضر يشهق بصمت ويزفر على مهل.
لم تكن النبتة مجرد حياة تضاف إلى الغرفة بل كانت خرقاً بسيطًا لقوانين الجمود
تسريبًا طفيفًا من خضرة الجنة.
كانت تطل كل صباح عليها كما يطل عاشق على وجه بعيد
تبحث في أوراقها عن سبب يجعل العالم أقل قسوة.
كل ورقة تمد رأسها نحو الضوء كانت كأنها إصبع صغير يشير إلى احتمال ما
إلى نعم خافتة في وجه الفناء.
لم تكن الأصيص فخارية ولا تشبه حدائق الأغنياء كانت انتصارات صغيرة من طين بسيط
وذكريات تجففها الشمس وتعيدها إلى الحياة.
تمنحها أسماء البشر الذين غادروا كأنها تستدعيهم إلى حياة ثانية بلا وجعٍ ولا وداع.
وحين كانت النبتة تذبل لم تكن ترى فيها موتًا بل صلةً غامضة تشدها
نحو ما تبقى من ذاتها."ربما ذبلنا معًا"
كانت تقول وتبتسم كمن عثر على وحدة مريحة في الخراب.
وحين تصحو النبتة وتشرئب نحو الشمس كانت تصدق أنها تفعل ذلك لأجلها
لتواسيها وتذكرها بمنطق الحياة الذي كانت تحاول نسيانه.
تغدو الفلسفة هنا ترابًا والروح ماءً واليد ذاكرة.
كانت تنظر إلى ابنتها الخضراء وتقول في سرها:
لو كانت إنسانًا لكانت عابرةً للحدود حاملةً ألف جواز سفر
تعرف كيف تنبت في الغربة دون أن تشتكي من الطقس أو العزلة.
ثمّ يأتي اليوم الذي تصفر فيه الأوراق.
تتذكر جدتها التي قالت يومًا إن الاصفرار لا يعني الموت دائمًا
قد يعني زيادة ماء أو نقصًا ما أو نهايةً فقط.
فتتقبل النهاية كما هي بلا نحيب ولا مقاومة كأم تعلم أن أبناءها سيغادرون يومًا.
وحين تنتهي الأشياء تجلس قرب أصيصها الفارغ تمسح بقايا التراب عن كفها
وتقول بهدوء يشبه الخلاص:
أمضي أيامي على شرف لونه وحين يحين الفراق أترك الأشياء تمضي كما تشاء.
عُمق
كانت تضع أصابعها في التراب كما لو أنها تلامس نبوءة.
زرعت شيئًا أخضرلا لتزين المكان بل لتقيم حجة على الحياة.
ومنذ تلك اللحظة غدت أمًا لا لطفلة من لحم ودم بل لكائن أخضر يشهق بصمت ويزفر على مهل.
لم تكن النبتة مجرد حياة تضاف إلى الغرفة بل كانت خرقاً بسيطًا لقوانين الجمود
تسريبًا طفيفًا من خضرة الجنة.
كانت تطل كل صباح عليها كما يطل عاشق على وجه بعيد
تبحث في أوراقها عن سبب يجعل العالم أقل قسوة.
كل ورقة تمد رأسها نحو الضوء كانت كأنها إصبع صغير يشير إلى احتمال ما
إلى نعم خافتة في وجه الفناء.
لم تكن الأصيص فخارية ولا تشبه حدائق الأغنياء كانت انتصارات صغيرة من طين بسيط
وذكريات تجففها الشمس وتعيدها إلى الحياة.
تمنحها أسماء البشر الذين غادروا كأنها تستدعيهم إلى حياة ثانية بلا وجعٍ ولا وداع.
وحين كانت النبتة تذبل لم تكن ترى فيها موتًا بل صلةً غامضة تشدها
نحو ما تبقى من ذاتها."ربما ذبلنا معًا"
كانت تقول وتبتسم كمن عثر على وحدة مريحة في الخراب.
وحين تصحو النبتة وتشرئب نحو الشمس كانت تصدق أنها تفعل ذلك لأجلها
لتواسيها وتذكرها بمنطق الحياة الذي كانت تحاول نسيانه.
تغدو الفلسفة هنا ترابًا والروح ماءً واليد ذاكرة.
كانت تنظر إلى ابنتها الخضراء وتقول في سرها:
لو كانت إنسانًا لكانت عابرةً للحدود حاملةً ألف جواز سفر
تعرف كيف تنبت في الغربة دون أن تشتكي من الطقس أو العزلة.
ثمّ يأتي اليوم الذي تصفر فيه الأوراق.
تتذكر جدتها التي قالت يومًا إن الاصفرار لا يعني الموت دائمًا
قد يعني زيادة ماء أو نقصًا ما أو نهايةً فقط.
فتتقبل النهاية كما هي بلا نحيب ولا مقاومة كأم تعلم أن أبناءها سيغادرون يومًا.
وحين تنتهي الأشياء تجلس قرب أصيصها الفارغ تمسح بقايا التراب عن كفها
وتقول بهدوء يشبه الخلاص:
أمضي أيامي على شرف لونه وحين يحين الفراق أترك الأشياء تمضي كما تشاء.
عُمق