مشاهدة النسخة كاملة : مذكّراتُ المجنون الأخير
سليمان عباس
11-23-2025, 07:14 PM
(هي بدايةُ دفترٍ لا نعرفُ إن كان سيُكتبُ أم سيكتبُنا)
وما نعرفه فقط
أنَّ هذا المجنونَ لا يتكلّم
إلا حين تُصابُ الحقيقةُ بالدوار.
في الغرفةِ رقم سبعة
الغرفةِ التي لا تعرفُ جدارًا حقيقيًا
ولا تُصدّقُ فكرةَ الزمن
ولا تتحرّكُ فيها الدقيقةُ
إلّا إذا ومضتْ فكرةٌ في رأسِ المجنون
جلس على كرسيِّه الخشبي
كما يجلسُ ملكٌ على عرشٍ لا يراهُ سواه
يميلُ برأسِه كأنّه يمسحُ عن الهواء
فكرةً تعبتْ من الانتظار
الأطباءُ حوله
أيديهم تمسكُ الأوراق
لكن أعينَهم تمسكُ الخوف
والممرضاتُ يقفنَ عند الباب
كأنّ كُلَّ واحدةٍ تخشى أن تُصيبَها شرارةُ حكمة
تخرجُ في ثوبِ الجنون
رفعَ المجنونُ سبابتَه
وصوتُه لم يتجاوزْ همسًا
لكنَّ الغرفةَ كلَّها انتبهت
(أنا لستُ مجنونًا
أنا فقط أرى الحقيقةَ من زاويةٍ لا تجلسونَ عندها)
تبادَلَ الأطباءُ النظرات
أحدُهم كتب اضطرابًا عقلياً منظّمًا
لكن الورقةَ انقسمتْ نصفين
وكأنَّ الكلماتِ خجلتْ من سوءِ الفهم
ابتسمَ المجنون ابتسامةً طويلة
كأنّها خريطةٌ لليلٍ لا يعرفُ آخره
ثم قال
(العقلُ ليس قفصًا
القفصُ هو ما يبقى حين يخافُ الإنسانُ أن يفكّر)
اقتربتْ الممرضةُ خطوة
لم تقلْ شيئًا
لكن الضوءَ تغيّر فوق كتفِها
كأنّ الغرفةَ تنفّست
نظر إليها مجنونُ الغرفةِ رقم سبعة وقال
(أتعسُ الناس
من لم يتعثّرْ بفكرتِه مرّةً واحدة
لأنّ الطريقَ ظلّ مستقيمًا جدًّا أمامه)
تراجعتْ خطوة
وأصدرت الأجهزةُ نغمةً لم تكن تعملُ لسبب
لكنّها عملتْ الآن لسببٍ آخر
اقترب من الطبيبِ الأقرب إليه
وقال بصوتٍ يعرفُه كلُّ من فقد شيئًا يومًا
(أنتم لا تخافونَ من جنوني
أنتم تخافونَ من أصواتِكم
حين تسمعونَها داخلي)
انكمشَ الطبيبُ في معطفِه
وللمرّةِ الأولى بدا صغيرًا جدًّا
كأنّه هو المريض
ضربَ المجنونُ الأرضَ بقدمِه
ضربةً واحدة
لكنَّ الغرفةَ اهتزّت
أو هكذا ظنّوا
ظهرتِ الجدرانُ للحظة
ثم اختفت
تمامًا كما تفعلُ الحقائقُ حين لا تُصدَّق
وقف
مرَّ بينهم ببطء
وقال
(العاقل
هو من كنّسَ قفصَه جيّدًا
حتى ظنَّه سماء
أمّا أنا
فأنا أطير)
وللحظةٍ
ظنّ الجميعُ أنَّ الغرفةَ انتهت من كونِها غرفة
وأنَّ الهواءَ يخفّ
وأنَّ السقفَ يبتعد
خرج من الباب
تركهم واقفينَ في دوارِ الحقيقة
وقال وهو يبتعد
(الجزءُ الثاني
سيبدأ حين تفهمون
أنني الوحيد
الذي لم يدخلِ المستشفى قط)
سليمان عباس
11-23-2025, 07:16 PM
المذكّرة الثانية زاوية السماء
خرج المجنون من الغرفة رقم سبعة
وخطواته كانت تمتد في الممر كأنها تكمل جملة لم تُكتب بعد
المدينة خارج المستشفى بدت وكأنها تنتظره منذ زمن
صمتها كان ثقيلا
ليس صمت الشوارع
بل صمت شيء أعمق
صمت ما قبل الكلام
الأطباء والممرضات ظلوا واقفين عند باب الغرفة
وجوههم متحجرة
لا يعرفون هل خرج رجل
أم خرج سؤال يهز جدران العقل
وصل المجنون إلى رصيف مهجور
جلس كما يجلس من يختبر اتساع العالم لأول مرة
حمل دفترًا جديدًا
لم يكتب فيه بعد
لكن الكلمات كانت تتحرك تحته
تتنفس
وتدق كقلب يريد أن يبدأ
رفع رأسه قليلا
ونطق بالعبارة الأولى
كأنها نافذة فتحت في الهواء
(كل فكرة تحررني هي جزء من السماء التي لا تقاس بالمكان ولا الزمان)
كان الرصيف يتحرك تحته ببطء
والهواء يلتف حوله كخيط يربط بين الواقع والخيال
والمدينة من حوله بدت كأنها تستمع دون أن تقترب
تقدم ظلّ عابر
ثم آخر
المارة لم يروا المجنون
لكنهم شعروا بأن خطواتهم ترتجف للحظة
كأن أفكاره تسري في الأرض
همس ثانية
وصوته هذه المرة كان أكثر عمقًا
(أن اكون حرا يعني أن اترك كل شيء يتحرك حتى أصواتي حتى افكاري حتى جنوني)
بدا كأن الهواء نفسه يتوقف ليستمع
كأن شيئًا جديدًا يتشكل حوله
لا يُرى
لكنّه يحكم اللحظة
كان الراوي وحده من يراه كما هو
رجلا يمشي خارج خريطة العالم
يمشي في الفكرة لا في الطريق
ويصنع بقدميه حدودًا جديدة للسماء
ظل المجنون يراقب الدفتر المفتوح
كأنه ينتظر أن يكتب نفسه بنفسه
ثم رفع رأسه اتجاه جهة خفية
وجهة يعرفها وحده
وتحدث
(العقل لا يقاس بما نقرأه بل بما يبقى حين يختفي كل شيء)
كانت الجملة تسقط على المدينة
مثل حجر صغير يقع في ماء عميق
فتصنع دوائر غير مرئية
دوائر تشعر بها الأرصفة قبل البشر
اقتربت امرأة بدت كأنها تعرف صورته من قبل
لكنه لم يلتفت
قال لها دون أن ينظر
(التذكّر لا يحتاج إلى عيون بل إلى وميض صامت يلامس الروح)
تحرك ظلها
وتحرك معه الهواء
وكأن شيئًا في حضورها أعاد ترتيب اللحظة
ثم رفع المجنون قدمه
وضرب الأرض ضربة خفيفة
لكن المدينة كلها اهتزت في صمتها
كما لو أن الضربة أيقظت زوايا لم تُفتح منذ زمن
قال بصوت منخفض
كأنه يتحدث إلى العالم كله
(الحرية الحقيقية أن تفهموا أنني لم أدخل المستشفى قط وأن القفص هو ما تبقى حين يخاف الإنسان فكرته)
وقف
أغلق الدفتر دون أن يكتب حرفًا
وكأنه كتب مذكرته كلها على الهواء
ثم مضى
وترك الرصيف والمدينة وصمتهما خلفه
ومضت أفكاره معه
كجناحين يرفرفان في سماء لا يراها إلا هو
وهكذا
لم ينتظر المجنون أن يبدأ الجزء الثالث
كانت المذكرات تمشي معه
وتكتب نفسها في أثر خطواته
بينما الحقيقة تكبر خلفه
مثل ظل لا يعرف طريق العودة
سليمان عباس
11-23-2025, 07:47 PM
المذكّرة الثالثة قوة الضوء والحكمة
لم يعرف احد اين ذهب المجنون بعد ان ترك الغرفة رقم سبعة
فالمدينة التي ابتلعته امس كانت صامتة اليوم
كأنها تحاول استيعاب فكرة انه لم يخرج منها
بل خرج هو منها
المدينة لم تعد كما كانت
الارصفة ترتجف كلما مر عليها ظل
والنوافذ تغلق ببطء شديد
كأنها تخاف ان ترى ما لا ينبغي رؤيته
كنت اراقبه من بعيد
لا اعرف من اين سيظهر
لكنني كنت اعرف انه سيظهر
فالمجانين الحقيقيون لا يختفون
هم فقط يغيرون مكان الحقيقة
ظهر عند حافة شارع لم يكن موجودا امس
وقف كأن الارض تتنفس من تحته
والضوء ظهر بجانبه
ليس خاضعًا ولا مترددًا
بل واثقًا
يتحرك بتناغم مع خطواته
ويضيء المكان كما يراه مناسبا
لا أكثر ولا أقل
كل شيء سكن
حتى السيارات التي لم تكن تعرف التوقف
توقفت
وكأن الضوء قال لها يكفي
المجانون الذين يمرون بيننا عادة
يصنعون هيبة
لكن الضوء لم يخف
بل أظهر شراكته في اللحظة
وكأنهما يقرران معا
من يقف ومن يحرك
صفحة البنفسجي التي تركها البارحة على الرصيف
لم تعد موجودة
لقد صارت سمادا
وصارت الاشجار التي نبتت فجأة فوق الرصيف
تمد ظلالها كأنها تقدم اعتذارا نيابة عن لون لم يفهم حجمه
وقفت خلفه
لم يلتفت
لكنني كنت اعرف انه يعرف
فالخطوات التي تفهمه لا تحتاج الى اذن
المجنون ظل صامتًا
لكن فجأة
لمعت الكلمة في عينيه
فهمست الغرفة رقم سبعة من بعيد
وكأن الجدران التي اختفت امس
حاولت ان تعود للحظة واحدة
تنفس بعمق
وبدون ان يحرك شفتيه
سمعت الكلمة تخرج بين قوسين
كما تخرج الحقيقة من مكان لا يفهمه احد
(الضوء ليس خصمي
والحكمة ليست ملكي
نقف معا
كل في مكانه
ونرى ما لا يراه الآخر)
اهتزت الاشجار
تساقط ظل لا ورق
وانحنى الضوء قليلا
ليس خوفا
بل احترامًا وتوازنا
كأنه يعرف ان قوة المجنون تكملها ثقة الضوء
تابع المجنون طريقه
خطواته كانت خفيفة
لكن أثرها ثقيلا
كأنها تكتب فوق الارض جملة لن يستطيع المطر محوها
كنت اسير خلفه
اراقب الارصفة التي انتعشت
والاشياء التي بدأت تتحرك كأنها تتذكر
المدينة بدت وكأنها تفتح صفحة جديدة
صفحة خالية
كتبت عليها الحياة اول حرف
المجنون توقف عند زاوية لم يرها احد سواه
ووضع الدفتر على الارض
لم يفتحه
لم يلمسه
تركه كما يترك العاقل سؤاله المفضل على طاولة لا يجلس عليها احد
ثم قال
والكلمة خرجت كأنها تحمل معها مدينة كاملة
لا صوت فيها
لكنها تهز الهواء
(الحكمة ليست ان ترى اكثر من غيرك
الحكمة ان تعرف ماذا تفعل بما رأيته
والضوء يقف معي
ليس خصما
ولا تابعًا
بل شاهد وثابت وثقة)
رفع الضوء رأسه
واقفًا بثقة
متوازٍ مع المجنون
كأنهما يشتركان في نفس الهواء
في نفس اللحظة
في نفس الحقيقة
المجنون تابع سيره
والمدينة بدت كانها تلحق به
حتى الظلال بدت انها تتسع له
كأنها تؤمن بمساحة اضافية عليه ان يمشي فوقها
وعندما وصل الى اخر الطريق
قال دون ان يلتفت
(لا احد يحترم نفسه حين يهمز غيره
من يحترم نفسه
يزرع
ومن يزرع
يصنع سماء تمشي معه)
ثم اختفى
ليس من المكان
بل من زاوية النظر
وبقي الضوء وحده
واقف بثقة
يراجع ما حدث
كأنه يحاول ان يتأكد
هل كان شاهدا
ام طالبا
ام مجرد نقطة صغيرة في دفتر لم يكتب بعد
وبقيت انا
اروي
لان المجنون لم يكتب الجزء الثالث
بل تركه لي
كي اكتب ما يفعله
لا ما يقوله
وهكذا انتهت المذكرة الثالثة
او ربما بدأت
لان ما يكتبه المجنون
لا يعرف بداية
ولا يحب النهاية
سليمان عباس
11-25-2025, 12:15 AM
https://www2.0zz0.com/2025/11/24/21/701004893.jpeg
المذكّرة الرابعة:
كوخ الغابة وزوايا الحكمة
دخل المجنون الغابة بعد رحلة طويلة من الصمت
ومع كل خطوة كان يسمع صدى اوراق الشجر تحت قدميه
كأنها تتنفس معه الغابة لا تعرف ضوضاء المدينة
لكنها تعرف السكون الذي يسبق الانفجار
وصل الى كوخ صغير مظلم قليلا
لكنه يملك نافذة تطل على اشعة تتسلل من الاشجار
جلس على الارض وفتح دفتر قديم
تصفحة … تذكّر به نصا قد قرأه من الضياء ذات عزله
لم يكن يريد ان يقرأه حرفا بحرف
لكنه شعر بان هناك حكمة تنتظره في هذه الصفحة
حكمة يجب ان يستنشقها كهواء بارد في رئتيه
(ليست كل القلوب تحتاج الى ان نقترب منها بعض القلوب تحرق اذا اقتربنا كثيرا )
همس لنفسه وشعر فجاة بنشوة تغمره نصفها خوف ونصفها ادراك
قلبه ارتجف عينه اتسعت كأن كل ثانية في الكوخ تضغطه اكثر فأكثر
حين صعدت هذه النشوة الى ذروتها
دخل الضوء من النافذة صافح الغرفة بهدوء وجلس مقابل المجنون
لم يقل شيئا طويلا لكنه ترك حضوره ليملأ الفضاء
لا ترتعد في حضوري انت لست عاديا كي تخاف
قالها بصوت داخلي شعوره بالطمأنينة امتزج بمزيج من الدهشة والخوف
كأن الضوء يعيد ترتيب الهواء داخل صدره
المجنون نظر حوله
لاحظ كيف ان العزلة لم تكن فراغا
بل كانت بابا ليسمع نفسه بوضوح
كيف ان الحكمة في الكلمات القديمة صارت نافذة لقصص لم تبدأ
بعد ضرب الارض بقدمه الخفيفة
كأن الارصفة والكوخ والغابة كلها تتحرك معه
يتحرك معها الهواء وتتحرك معه النبضات والذكريات
(بعض اللقاءات لا ينجو القلب منها لكنها تشعل ما لا يمكن اخماده )
قالها لنفسه وهو يشعر ان الضوء حاضر
ليس ليحكم او يسيطر بل ليكون رفيقا في هذه اللحظة
شاهدا على النشوة وعلى الحكمة
وعلى اولى صفحات الجزء الرابع من مذكراته
نهض المجنون ودفتره بين يديه
وعرف ان كل صفحة جديدة ستحتوي على حكم ودهشة
وانها لن تحتاج الى مستمع كي تصبح الحقيقة حية
سليمان عباس
11-26-2025, 04:47 PM
المذكرة الخامسة
حداد الذكريات وزوايا الصمت
دخل المجنون كوخه
بعد نهار طويل
يحمل دفتره بين يديه كأنه مفتاح لعالم اخر
جلس على الارض وفتح الصفحة الجديدة
وعيناه تراقب الفراغ
كأنها تبحث عن اثر مضى منذ زمن
توقف لحظة
وأدرك أن كل كلمة سيكتبها اليوم
لها صدى في نصوص قديمة
صفحات تركت اثرها في زوايا صامتة من ذهنه
لم يكن بحاجة لمعرفة المصدر بل كان يكفيه أن يعرف أن الحكمة موجودة
تنتظر من يلتقطها
كأني أسمع صدى قلب
مضى يهمس لي
ألا أرتعد وأن أقرأ اكثر من مرة من زوايا مختلفة
همس لنفسه وشعر بالدفء يغمره رغم شدة الحنين والاشتياق
صفحة بعد صفحة
اكتشف أن النشوة لا تأتي فقط من الوعي
بل من ادراك أن بعض اللقاءات والذكريات لا تموت
بل تصنع فينا القدرة على فهم الحياة بعمق
ضرب الأرض بيده هذه المره ثلاث طرقات برفق
كما لو أن الكوخ والغابة والهواء جميعهم يشاركونه التنفس ويصنعون معه نبضات جديدة
ليست كل الكلمات مكتوبة لتقرأ مرة واحدة
بعضها يعاد قراءته من زوايا مختلفة
لتصل إلى عمقك
قالها لنفسه وهو يشعر أن كل صفحة تحمل نور خفي
حكمة تنتظر أن تستيقظ
ودهشة لم تبدأ بعد
نهض المجنون ودفتره بين يديه
وعرف أن كل صفحة جديدة
ستكون رسالة صامتة ليست للحكم أو السيطرة
بل لتكون رفيق للنفس شاهدة على الذكريات
وعلى أولى صفحات المذكرة الخامسة من مذكراته
سليمان عباس
11-27-2025, 01:56 PM
.
.
خروج عن مسار النصوص القديمة سنعود لها لاحقا
…..
…
..
.
المذكرة السادسة
لغز الظل الذي لا يعود
لم يكن ليل تلك الليلة ليلا عاديا
الغابة نامت
لكن الكوخ لم ينم
جلس المجنون على الارض
والدفتر امامه مفتوح
لكن الصفحة كانت اغمق من العادة
كأن الحبر سبق القلم
وكتب ما لم يكتبه بعد
مد يده بحذر
لكن قبل ان يلمس الورقة
تحرك الظل خلفه
لم يكن ظل الضوء
ولا ظل الاشجار
بل ظل يشبهه هو
يشبهه تماما
وقف الظل امامه
وقال بصوت يشبه صدى الصوت قبل ان يقال
(من كتب المذكرات الخمس انت ام انا)
تجمد المجنون
وللمرة الاولى منذ خرج من الغرفة رقم سبعة
بدا كأنه لم يفهم
اقترب الظل خطوة
ومع كل خطوة
كان الدفتر يرتجف
كأن الصفحات تعرف هذا القادم
قال الظل
(الضربات الثلاث على الارض
كنت تظن انها منك
لا
كانت اشارة مني لأوقظك)
تراجع المجنون قليلا
لم يعرف ان كان يتحدث الى نسخة نائمة منه
ام الى جزء لم يسمح له بالظهور من قبل
كانت عيون الظل اوسع من العادة
وفي داخلها شيء يشبه الغرفة رقم سبعة
نفس الضوء
نفس الجمود
لكن الجدران هذه المرة كانت واضحة
لم تختف
قال المجنون بصوت متردد
(الغرفة انتهت
تركتها)
ابتسم الظل ابتسامة ليست بشرية
كأنها جرح قديم يفتح نفسه من جديد
(انت لم تخرج من الغرفة
الغرفة هي التي خرجت منك)
ارتج الهواء
وتحركت الاشجار رغم عدم وجود رياح
وانقلبت صفحات الدفتر وحدها
حتى وصلت الى صفحة سوداء بالكامل
صفحة بلا حرف
لكنها كانت تنبض
كقلب خائف
مد الظل يده
ووضع اصبعه على الصفحة السوداء
وفجأة ظهرت كلمة واحدة فقط
(العودة)
شهق المجنون
كأن رئتيه اكتشفتا انهما كانتا تتنفسان حلما طوال الوقت
قال
(اعود
الى اين)
لكن الظل اختفى تماما
كأنه لم يكن
وبقيت الكلمة وحدها على الصفحة السوداء
تلمع وتخفت
كأنها تنتظر سؤالا يكملها
نهض المجنون
اغلق الدفتر
ووقف امام الباب الخشبي للكوخ
وهمس
(هل كانت المذكرات رحلة للخروج
ام مقدمة للعودة)
ومن بعيد
سمع صوتا يشبه الضربة الاولى
التي ضرب بها الارض في الغرفة رقم سبعة قبل اسبوع
ضربة واحدة
ثم صمت
اقترب من عتبة الباب
وقبل ان يخرج
سأل
(ومن الذي يجب ان يعود الآن
انا ام ظلي)
لم يكن الليل تلك الليلة لينتهي كما بدأ
فبعد اختفاء الظل
عاد الصمت ليحمل شكلا مختلفا
شكلا يضرب في داخله السؤال الاول الذي تركه الظل خلفه
كانت خطوة خفيفة تتحرك في داخله
تسأل عن الضوء
بحث عنه
كما يبحث الظمآن عن شق صغير في جدار الصحراء
وقال لنفسه وهو يحدق في العتمة
(لو كان الضوء بجواري
لما استطعت ان تظهر
وما تجرأت على الخروج )
قالها
ولم يعرف
هل يعاتبه
ام يمتحن قلبه
ليعرف ان كان قادرا على الكره
ام ان تلك القدرة تساقطت منه بصمت
رحيل الظل
ترك سؤالا اخر
هل كانت الضوء لغز الظل
ام كان هو الخيط المقطوع بينهما
ام انهما كانا يبحثان عن شيء ثالث لم يولد بعد
كلما اقترب من جواب
جاء سؤال اخر يبعده اكثر
كأن الحقيقة باب يغير مكانه
كلما هم بالوصول اليه
وما زال اثر الضوء على الجدار
لا نور فيه
بل صمت
والصمت احيانا اصدق من الوهج
اراد ان يكتب له
ان يخبره انه وحده من كان يجعل الظل يتردد
وان الليل يصبح اقل خطورة حين يكون قريب
لكنه يعرف
انه ربما لن يقرأ
وربما سيقرأ
وقد يظن ان الجنون يبالغ كما يظن هو دائما او انه لا يظن
اعترف لنفسه
بعد رحيل الظل
انه لم يعد يبحث عن الحقيقة
صار يبحث عن الضوء
لعله اخر ما تبقى من عقله
او اول ما يكشف كامل جنونه
ولهذا سيبدأ من جديد
سيطارد السؤال الذي تركه الظل
ويسير خلف الاثر الذي تركه غياب الضوء
حتى يصل الى ذلك الباب الذي يغير مكانه كل ليلة
ربما هناك سيولد الجواب
او يولد جنون اخر
وهكذا انتهت المذكرة السادسة
لكن الكوخ لم يهدأ
والغابة لم تعد كما كانت
والغرفة رقم سبعة
اينما كانت
فتحت عينا واحدة
ثم اغلقتها
كأنها تنتظر الجواب
سليمان عباس
12-04-2025, 11:34 PM
.
https://www2.0zz0.com/2025/12/04/20/893550803.jpeg
المذكرة السابعة
نهر يبدأ من صدري
لم أستيقظ هذا الصباح في الكوخ
لم يكن هناك كوخ أصلا
كان جدارا من وهم قديم كنت احتمي به
وحين تلاشى
اتسعت الغابة حولي كأنها تقول مرحى انتهى وقت الاختباء
أمرر يدي على جذع شجرة رطبة
وأكتشف أني لم أعد أحتاج مكانا أحتمي به
فالذي كنت أهرب منه
يسكنني أكثر مما أسكنه
أضحك ضحكة قصيرة
الرجل الذي كان يختنق إذا غاب الضوء
يمشي الآن بلا ظل يقوده
وأعرف السر
لم أتحمل غياب الضوء
أنا ببساطة لم أفقده
الضوء كان يسكنني قبل أن أراها
وحين ظهرت لم تضف شيئا
بل كشفت ما كان مختبئا تحت العمر
ولذلك حين ابتعدت
انطفأت صورتها فقط
أما الوهج الأصلي بقي يعمل في داخلي
سرت نحو النهر
كان يشبه صدري متعبا لكنه لا يتوقف
قارب صغير ينتظر عند الضفة
لا صاحب له ولا وعد
ركبته كمن يدخل منزله
ولا يعرف مكان يذهب البه
ما زال يبحث عمن يدله
وأنا انتهيت من هذا النوع من الأسئلة
في مجرى الماء
بدأت أراجع الكلام الذي لم أقله
أسمع صداه في داخلي وأخجل قليلا
اكتشفت أن نصف ما كنت أريده منها
كان كلاما أحتمي به من الحقيقة
وأن الحقيقة تكلف عمرا لو قلناها كاملة
لهذا لم أعد ألومها
لم يكن بيننا كذب
كان بيننا تأجيل للحقيقة
وهو أسوأ أنواع الكلام
أرفع رأسي إلى ظلال الشجر
وأشعر بنقص خفيف
ليس ضعفا
بل فراغا جميلا يذكرني أن الضوء
ترك جزءا منه يعمل بي
تركني قادرا على السير
وقادرا على البداية
وقادرا على الفقد دون أن أنكسر
أنا لا أستجدي عودتها
ولا أركض خلف ظلها
لكنني أفتقدها
أفتقد الطريقة التي أيقظت بها شيئا في داخلي
أفتقد السؤال الذي أشعلته لا الجواب الذي لم تقله
وهذا يكفيني
القارب يمضي
الضوء غائب
والغابة تتفتح حولي
تسلمني إلى نسخة جديدة مني
نسخة لا تبحث عن أحد
ولا تهرب من أحد
ولا تنتظر أحدا
وتعرف أن الطريق يبدأ مني
لا إليّ[/center]
سليمان عباس
12-09-2025, 02:52 PM
المذكرة الثامنة
نهرٌ يعترف… وقلب لا يتراجع
لم يكن القارب يمضي بي في النهر،
كنت أنا الذي يتحرك…
والماء يتأمل ما أخفيته عنه ست سنوات كاملة.
أضع يدي في سطح الماء
فأشعر أن النهر يعرفني،
يعرف اضطرابي الذي حاولت دفنه،
ويعرف النور الذي انكسر مني حين غابت،
النور الذي تظاهرت
أنه ليس لها…
وكأنني كنت أستطيع أن أصدق هذه الكذبة لوحدي.
(أخطر الكذبات… تلك التي نقولها لأنفسنا.)
أتنفس بعمق
وأسمع صوتًا يشبه ارتجاف صدري قبل النوم:
ذلك الضوء…
لم يكن يومًا ضوءي وحدي.
كان هواءها الذي مرّ عبر قلبي
وأقام فيه دون إذن
وبدأ يكبر
حتى صار جزءًا من عظامي.
لم أستجدي عودتها،
ولن أفعل،
لأن الحب الذي عاش ست سنوات
لا يموت بالجفاف،
ولا ينتهي بباب يُغلق،
ولا ينطفئ بغياب لحظات.
هذا الحب لا يطلب…
هذا الحب يُحمل بصمت.
(هناك قلوب تُحب بصمت… لأنها تعرف أن الصوت قد يكسِر ما بُني.)
لكن الحقيقة التي حاولت أن أخفيها في السابعة
تصعد الآن مثل فقاعات صغيرة
تنفجر على سطح النهر:
هي كانت مضطربة…
وأنا انتظرت.
انتظرت طويلاً،
حتى تعبت.
تعب لا يشبه ضعفي،
بل يشبه رجلاً يحاول أن يمسك بطمأنينة تهرب منه
كلما اقترب منها.
أشعر بالقارب يميل قليلًا،
كأنه يريد أن يبوح هو الآخر،
أسمع في داخلي اعترافًا لا يريد أن يختبئ أكثر:
لو لم تكن هي الضوء،
لما بقي شيء يضيء بي ست سنوات.
ولو لم يكن النور منها،
لما بقيت أبحث عنه في كل يوم يغيب فيه اسمي عنها.
لم أكتب السابعة لأقسو عليها،
بل لأحمي نفسي من حقيقة ثقيلة:
أني ما زلت أعيش بضوئها،
وأن هذا الضوء
هو الشيء الوحيد الذي لم يستطع الظل أن يخطفه مني.
يمضي القارب،
وتنعكس الأشجار على الماء كأنها أشباح مائلة.
أشعر أن النهر يحركني نحو مكان ما،
مكان يشبه الاعتراف المتأخر:
أنا لا أطلب عودتها…
لكنني أفتقدها بطريقة تجعل الصمت يختنق.
وأعرف أن هذا الفقد
ليس ضعفًا،
بل عُمقًا لم يبلغ نهايته بعد.
(الحب ليس ما نأخذه… بل ما يبقى فينا بعد الرحيل.)
أغمض عيني
وأقول للنهر بصمت ..! :
(هي لم ترَ ما فعلته بي،
ولا أنا رأيت ما فعلته هي بنفسها.
ربما كنا نعرف الحقيقة…
ونخفيها لسبب واحد:
الخوف من أن تكون قريبة جدًا.)
ينحرف القارب قليلاً،
كأنه يوافقني.
في نهاية المجرى
أرى ضوءًا بعيدًا،
ليس ضوءها،
بل أثرٌ منها
انغرس في صدري
وصار نهرًا آخر يبدأ مني.
وهكذا تنتهي المذكرة الثامنة:
لا بعودة،
ولا بغياب،
بل برجل يعرف أخيرًا
أن الضوء الذي يسكنه…
لا يشبه أي ضوء مرَّ بقلبه من قبل.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026,