صالحة حكمي
12-25-2025, 10:21 AM
صرخة
السلك في يديه، الله يلعنك، ثم
ظلام متدرج!
الغرفة الخالية باردة، الهدوء يخيم، لا يقطعه سوى همس القارئ الهادئ،
فيما يتسلّل الضجيج من زوايا المنزل كصدى حياةٍ بعيدة.
كل الثمار على أغصانها إلا ثمرتي التي سقطت!
وحدي أرفع يدي فتخذلني، وأفتح عيني فتنغلقان.. أنا واعية، مدركة، وأنتم لا تدركون..!
من قبل سألت أختي: كيف يشعر الميت بكل من حوله؟ قالت: مثل المشلول الذي يرى ولا يقاوم.
قلبي يدق.. يدق، إنه أنا ذلك المشلول!
الله يلعنك!
وتغير كل شيء!
حتى اعتدالتي واضعة يدي في وسطي.. لم يعد بإمكاني أن أؤديها!
شهقتي وأنا أتصنع الإغماء فتضحك ونضحك!
نصلح هندامنا ثم نفسده، لنصلحه، فنفسده!
... ضربها بسلك وتألم جسدي، سبها وأهانني!!
بكت دمعتين ، وأسرعت إلى غرفتها، هل هذا ضجيج اللوم بالخارج، ام أن الجميع نسوا أنهم خلّفوني وراءهم.
ومثل منديل يلقيه بائس من حافلة، لن يلتفت إليه إلا عامل النظافة البائس الذي يلعن صاحبه!
أحبس أنفاسي.. أكتمها، حتى يزرقّ وجهي..
تدريب آخر على الموت، لا أريد أن يفاجئني فأرحل من دون مقاومة، هو جزء من ألم مؤجّل أحصده الآن، لعله يخفف.
صوت المؤذن يصدح في غرفتي التي تتوسطها سجادة مزركشة، زالت أكثر رسومها، وطمست معالمها بأقدام أصحابها لا يطرقون باب الغرفة.. إلا لقياس الحرارة، وتعديل الفراش، سرعان يولونني ظهورهم ويرحلون آسفين أو غير آسفين، لا أدري.
وتبتسم العاملة التي تفعل كل ذلك نيابة عنهم ابتسامتها الخالية من أي شعور.. كأنها تضحك من شحذي أسلحتي جميعًا لعدو لن يأتي اليوم!
توبخني بعربيّتها المكسرة في غيابهم، تعطيني درسًا في الأخلاق والنظافة، تقول لي: حين رعيتُ أمك، وأنت تتفرغين لابنتك وزوجك، كانت أنظف منك، كانت أقل منك في حركاتها، لستِ مثلها، ولن تقتربي من ذلك، بسمتها كانت أوسع، وأملها في الله كان أرسخ.. أمّك – تذكرينها – تلك المرأة التي تركتِها لي، لأقوم برعايتها، وتتركون لي ريالات لا تكفي لتعليم ابنتي.. ابنتي التي ربَّيتُها بالدموع والكدّ، والتي تُقبّلني في كل خطاب من بلادي البعيدة، ولا تقول لي: (يا خبيثة، الله يلعنك)!
أيتها البلهاء، لو كنتُ أقدر لبصقتُ عليك، لقلتُ لك: تخليت عن أمي، لأحفظ بيتي، وها أنا أذوق الكأس ذاتها، وجزائي من جنس ما فعلت.
يا خبيثة أكرهك!
إنني أرى إشفاقكم، وأسمع خبط يمناكم بيسراكم، وأسمع همساتك، وحوقلة غريب يطمئن على سيدة الدار.
لا أنطق.. لكنني أسمع جيدًا!
آن موعد الصلاة. الله أكبر، أقولها في داخلي فتتردد، أسمعها بقلبي، فينير قليلًا، غدًا ألقى الأحبّة محمدًا وصحبه، وليغفر لي ربي تطاولي من قبل على أمي.
عيناي المفتوحتان حفظت مظهر السقف، تعيد للمرة الألف ذكرى الساعة المشؤومة، لو منحني الله معجزة نبي، وقمت على قدمي، لضربتها على وجهها، ولثمتها في وجنتها، لبكيت على قدميها، ودفعتها بكلتا يدي بعيدًا:
يا خبثية.. أكرهك.. الله يلعنك!
وجهه المنتفخ، يداه المعروقتان، السلك الرفيع، عيناها الحمراوان، التفاتتها الغاضبة، وجهها المتغضّن، كل شيء محفور.
مرّة أخيرة تعود العاملة المبتسمة، تعدل من رأسي، تتشابك ملامحها فجأة، وتضع يديها على وجنتي، تسرع الخطى راكضة إلى الممر، تأتي ابنتي ومعها أبوها ، يتحسسان أطرافي، ثم يركضان، صوت الإقامة.. ويهب الظلام فجأة.. يحيط بي من كل مكان، جيوشه تستعد لمهاجمة طرفي الأضعف، وكل أطرافي ضعيفة. وجه أمي وعباءتها السوداء.. أراها تقف مثل صورة معلقة في مواجهتي، تفتح جناحيها لتحتضن ظلي المنكسر على الحائط القريب.
تعود ابنتي راكضة، تلهث، تقول بسرعة قبل أن يقتحم الغرفة الذين وراءها: أمي أمي سامحيني، أمي سامحيني.. يتهدّج صوتها، يتحشرج، تريد أن تقول أشياء كثيرة تبددها أقدام الداخلين، أريد أن أحتضنها، سامحتك يا قلب أمك، سامحتُك، سامحيني أنا.. أنا التي لم تكن تقصد، والله لم أقصد، وينتزعها من حضني طبيب متعجّل، وأبوها الذي يأمرها بالخروج، تمسح دمعتيها وتخرج، أريد أن أصرخ، أن أقوم وأنفضهم، أن أعود إلى ابنتي ونتلاحم جسدًا واحدًا، أن أحكي لها حكاية أخيرة عن طفولتي، يمسك الطبيب يدي، فتنصاع، يضعها، فلا ترفض، ينسحب الظلام أكثر، تشويش وانغلاق شاشة، تضيق أمام عيني، أتعلق ببصيص ضوء أخير، أعرف الفزع.. أعرفه، والنفس يقلّ، ذهب ما تدربتُ عليه، ولم يبق إلا صوتها: سامحيني، والطبيب يهزّ رأسه لزوج يجري إلى نهاية الغرفة ثم يعود.
أرتفع لأراهما من الأعلى، في قدم طائر علّقتُ عيني..
عبرتُ الغرفة، إلى ابنة تدفن رأسها في قدميها، وتتكور على الأرض، تروح وتأتي، تهتزّ، أريد أن أهبط، والطائر يصعد أكثر، أرغمه على النزول فيرغمني على الصعود.
فجأة أسقط على سريري، ويتلاشى كل شيء!
السلك في يديه، الله يلعنك، ثم
ظلام متدرج!
الغرفة الخالية باردة، الهدوء يخيم، لا يقطعه سوى همس القارئ الهادئ،
فيما يتسلّل الضجيج من زوايا المنزل كصدى حياةٍ بعيدة.
كل الثمار على أغصانها إلا ثمرتي التي سقطت!
وحدي أرفع يدي فتخذلني، وأفتح عيني فتنغلقان.. أنا واعية، مدركة، وأنتم لا تدركون..!
من قبل سألت أختي: كيف يشعر الميت بكل من حوله؟ قالت: مثل المشلول الذي يرى ولا يقاوم.
قلبي يدق.. يدق، إنه أنا ذلك المشلول!
الله يلعنك!
وتغير كل شيء!
حتى اعتدالتي واضعة يدي في وسطي.. لم يعد بإمكاني أن أؤديها!
شهقتي وأنا أتصنع الإغماء فتضحك ونضحك!
نصلح هندامنا ثم نفسده، لنصلحه، فنفسده!
... ضربها بسلك وتألم جسدي، سبها وأهانني!!
بكت دمعتين ، وأسرعت إلى غرفتها، هل هذا ضجيج اللوم بالخارج، ام أن الجميع نسوا أنهم خلّفوني وراءهم.
ومثل منديل يلقيه بائس من حافلة، لن يلتفت إليه إلا عامل النظافة البائس الذي يلعن صاحبه!
أحبس أنفاسي.. أكتمها، حتى يزرقّ وجهي..
تدريب آخر على الموت، لا أريد أن يفاجئني فأرحل من دون مقاومة، هو جزء من ألم مؤجّل أحصده الآن، لعله يخفف.
صوت المؤذن يصدح في غرفتي التي تتوسطها سجادة مزركشة، زالت أكثر رسومها، وطمست معالمها بأقدام أصحابها لا يطرقون باب الغرفة.. إلا لقياس الحرارة، وتعديل الفراش، سرعان يولونني ظهورهم ويرحلون آسفين أو غير آسفين، لا أدري.
وتبتسم العاملة التي تفعل كل ذلك نيابة عنهم ابتسامتها الخالية من أي شعور.. كأنها تضحك من شحذي أسلحتي جميعًا لعدو لن يأتي اليوم!
توبخني بعربيّتها المكسرة في غيابهم، تعطيني درسًا في الأخلاق والنظافة، تقول لي: حين رعيتُ أمك، وأنت تتفرغين لابنتك وزوجك، كانت أنظف منك، كانت أقل منك في حركاتها، لستِ مثلها، ولن تقتربي من ذلك، بسمتها كانت أوسع، وأملها في الله كان أرسخ.. أمّك – تذكرينها – تلك المرأة التي تركتِها لي، لأقوم برعايتها، وتتركون لي ريالات لا تكفي لتعليم ابنتي.. ابنتي التي ربَّيتُها بالدموع والكدّ، والتي تُقبّلني في كل خطاب من بلادي البعيدة، ولا تقول لي: (يا خبيثة، الله يلعنك)!
أيتها البلهاء، لو كنتُ أقدر لبصقتُ عليك، لقلتُ لك: تخليت عن أمي، لأحفظ بيتي، وها أنا أذوق الكأس ذاتها، وجزائي من جنس ما فعلت.
يا خبيثة أكرهك!
إنني أرى إشفاقكم، وأسمع خبط يمناكم بيسراكم، وأسمع همساتك، وحوقلة غريب يطمئن على سيدة الدار.
لا أنطق.. لكنني أسمع جيدًا!
آن موعد الصلاة. الله أكبر، أقولها في داخلي فتتردد، أسمعها بقلبي، فينير قليلًا، غدًا ألقى الأحبّة محمدًا وصحبه، وليغفر لي ربي تطاولي من قبل على أمي.
عيناي المفتوحتان حفظت مظهر السقف، تعيد للمرة الألف ذكرى الساعة المشؤومة، لو منحني الله معجزة نبي، وقمت على قدمي، لضربتها على وجهها، ولثمتها في وجنتها، لبكيت على قدميها، ودفعتها بكلتا يدي بعيدًا:
يا خبثية.. أكرهك.. الله يلعنك!
وجهه المنتفخ، يداه المعروقتان، السلك الرفيع، عيناها الحمراوان، التفاتتها الغاضبة، وجهها المتغضّن، كل شيء محفور.
مرّة أخيرة تعود العاملة المبتسمة، تعدل من رأسي، تتشابك ملامحها فجأة، وتضع يديها على وجنتي، تسرع الخطى راكضة إلى الممر، تأتي ابنتي ومعها أبوها ، يتحسسان أطرافي، ثم يركضان، صوت الإقامة.. ويهب الظلام فجأة.. يحيط بي من كل مكان، جيوشه تستعد لمهاجمة طرفي الأضعف، وكل أطرافي ضعيفة. وجه أمي وعباءتها السوداء.. أراها تقف مثل صورة معلقة في مواجهتي، تفتح جناحيها لتحتضن ظلي المنكسر على الحائط القريب.
تعود ابنتي راكضة، تلهث، تقول بسرعة قبل أن يقتحم الغرفة الذين وراءها: أمي أمي سامحيني، أمي سامحيني.. يتهدّج صوتها، يتحشرج، تريد أن تقول أشياء كثيرة تبددها أقدام الداخلين، أريد أن أحتضنها، سامحتك يا قلب أمك، سامحتُك، سامحيني أنا.. أنا التي لم تكن تقصد، والله لم أقصد، وينتزعها من حضني طبيب متعجّل، وأبوها الذي يأمرها بالخروج، تمسح دمعتيها وتخرج، أريد أن أصرخ، أن أقوم وأنفضهم، أن أعود إلى ابنتي ونتلاحم جسدًا واحدًا، أن أحكي لها حكاية أخيرة عن طفولتي، يمسك الطبيب يدي، فتنصاع، يضعها، فلا ترفض، ينسحب الظلام أكثر، تشويش وانغلاق شاشة، تضيق أمام عيني، أتعلق ببصيص ضوء أخير، أعرف الفزع.. أعرفه، والنفس يقلّ، ذهب ما تدربتُ عليه، ولم يبق إلا صوتها: سامحيني، والطبيب يهزّ رأسه لزوج يجري إلى نهاية الغرفة ثم يعود.
أرتفع لأراهما من الأعلى، في قدم طائر علّقتُ عيني..
عبرتُ الغرفة، إلى ابنة تدفن رأسها في قدميها، وتتكور على الأرض، تروح وتأتي، تهتزّ، أريد أن أهبط، والطائر يصعد أكثر، أرغمه على النزول فيرغمني على الصعود.
فجأة أسقط على سريري، ويتلاشى كل شيء!