المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رثاء الحبيب الأول ..


راحيل الأيسر
01-27-2026, 11:00 PM
باسمِ الَّذِي أَوجَدَ الدُّنيَا وَأَفنَاهَا
لَو كَانَ ثَمَّ خلود مَا انقَضَى طَاهَا ..

المُضحِك الدَّهر مِن جُودٍ وَمبكيَه
الجَاعل المبتلَى جَلدًا وَأوَّاهَا

بِسمِ الذي فَطرَ الأكوانَ وانبجست
من كفِّه سحبٌ يسقي الأرض ريَّاها

أحيى قلوبا بفيض الوصل ثم رمى
بها المنيَّة ، فاستلَّت بقاياها

ياموئلي والحشا نارٌ ومجمرة ..
تغوَّل الوجدُ في رُوحي وأضناها

كأنما انفتق الطُّوفان في كبدي
فأرسلَ العينَ تفري الخد أمواهَا

قد أوقَدَت في ضلوعي كلَّ فاجعةٍ
نيرانُ فقدِك تنُّورًا وذكَّاهَا

يا والِدي والمَنَايَا كالخُيول إذَا
حَمَّ القضَاءُ فلا لومٌ لمَجرَاها ..

أرخى الفراقُ سدولًا من غياهبِه
فانبجَّ طوفانُ وجدٍ فَاضَ بالآها

ياوالدي يوم حَانَ البَينُ ، اِنفتحت
مآقيَ العين همَّالا مصبَّاها

كأنما غُلِّقت أَبوابُ سلوَتنا
فأغرق الروح في الأحزان أقصاها .

ربَّاهُ ، لا عـاصماً ، اَليومَ مـن وجـعي
من لجةٍ كادَ سيلُ الدَّمع يغشاها

أصوغُ من ألَمي ألواح قَافِيتِي
ودُسرَ صبري لعلَّ الله يرعاهَا

لولا سفينة حرفي مَا بَرا سَقَمي
تجري بحزني ولطفُ الله مرساها

قَد كِدتُّ أَهلَكُ لَولَا أنَّ لي لغةً
عرجتُ بالوَلَهِ بَوحًا لمولاهَا


رأيتُ وجهك شمسًا خلف أحرُفِيَ
فسبَّح القلبُ من رَوعٍ وحيًّاها

حتى إذا الشعر والجوديُّ قد بَلَغَا
شَطَّ الخلود ، لَعِطرٌ منك زكَّاهَا*

ألقيتُ مرساةَ حرفِي في ثرى مَلَكٍ
بدا بجنَّاتِ عدنٍ طَابَ أَرجَاهَا* .




--------------------

* ( أنثت الضمير في زكاها من باب التضمين وصوره كثيرة في كتاب الله ) ..

*( يعني أرجاؤها )
لكن بحذف الهمز
كسماها وسماؤها .. وتذكير الفعل جائز ..

علِّي على صواب .
فإن كنت على خطأ فبصروني ولكم صادق الدعوات .

فادي البحر
01-28-2026, 01:30 AM
1. البناء الهيكلي والموضوعي للقصيدة :

تبدأ القصيدة بالاستهلال بالبسملة الشّعرية، وهو أسلوب كلاسيكي يربط الفناء بالأزلية، ثم تنتقل من العام قدر الله في خلقه إلى الخاص فاجعة فقد الأب، وصولاً إلى مرفأ النّجاة، وهو الصبر ،والشّعر :

- الاستهلال القدرية : تبدأ الشّاعرة بإقرار حقيقة الموت، مستشهدةً برحيل النبي ﷺ (ما انقضى طه) لتعزي نفسها بأن الخلود لم يُكتب لأشرف الخلق، فكيف بغيره ؟!.

- الجسد المكلوم : تصف الشّاعرة حالتها النّفسية (نار، مجمرة، طوفان في الكبد) وهي استعارات تعكس احتراق الدّاخل، وغرق الخارج بالدموع.

- علاقة الأب بالابن: يظهر الأب في القصيدة كرمز للضّياء (شمساً خلف أحرفي) والرّحيل كخيلٍ لا تُرد إذا حمّ القضاء.

2. الصّورة الفنية، والرّمزية (تراسل الطّوفان، والنّار)
استخدمت الشّاعرة ببراعة ثنائية النار، والماء لبيان حجم المعاناة :

- النار : (مجمرة، تنوراً، ذكاها، أوقدت) تمثل حرقة الفراق في الضلوع.

- الماء/الطوفان : استخدمت الشّاعرة رمزية سفينة نوح بشكل مكثف (انفتق الطوفان، ألواح قافيتي، دسر صبري، الجودي، مرساها)

التّحليل : هنا يتحول الشّعر من مجرد كلمات إلى سفينة نجاة (لولا سفينة حرفي ما برا سقمي) القافية هي الألواح، والصّبر هو الدسر الذي يشد السّفينة، ولطف الله هو المرسى، هذا الرّبط بين الأدب، والنّجاة الرّوحية يعطي للقصيدة عمقاً إيمانياً.

3. اللّغة والأسلوب :

- الجزالة اللّفظية : استخدمت الشّاعرة مفردات تراثية قوية (انبجست، غياهبه، انبجّ، الوجد، دسر)، مما منح النّص هيبة تليق بمقام الرّثاء.

- التّوظيف الدّيني : القصيدة مشبعة بروح قرآنية، ليس فقط في المفردات (جنات عدن، عرجت)، بل في اقتباس المعاني كقوله "لا عاصم اليوم" مما يضفي صبغة القدسية على الحزن الشّخصي.

- العاطفة : عاطفة صادقة تتأرجح بين الانكسار أمام الموت (قد كدت أهلك) والشّموخ باللّغة (عرجت بالوله بوحاً لمولاها).

4. جماليات الختام :

القصيدة موزونة على بحر البسيط، وهو بحر يتميز بالاتساع والقدرة على حمل الأفكار العميقة، والزّفرات الطّويلة، وينتهي النّص بنوع من التّجلّي حيث ترى الشّاعرة وجه والدها "شمساً" تنير الحروف، وتختم بالاستقرار في "جنات عدن"، وهو ختام ينقل المتلقي من جو الحزن، والدّموع إلى جو الطّمأنينة، واليقين.

الخلاصة :

قصيدة الرّائعة راحيل الأيسر هي مرثية "نورانية" إن جاز التّعبير؛ فرغم السّواد، والحزن تظل لغة الإيمان، والشّعر هي القنديل الّذي يضيء عتمة الفراق، قد نجحت الشّاعرة في تحويل "الوجع الشّخصي" إلى "تجربة إنسانية" يشارك فيها القارئ من خلال صور بلاغية متينة.

!؟🌷

راحيل الأيسر
01-28-2026, 01:39 AM
القدير والمكرم
أخي وأستاذي الراقي / فادي البحر

لا أعرف كيف أشكرك ( حقيقة )
لقد أكرمتني بكرم جعلني أقف عاجزة عن شكرك
وتلعثم بياني ، وتأتأ حرفي أمام تدفق مشاعر الامتنان لشخصكم الجواد ..

فاعذر قصور لفظي ، ولثغة الامتنان أمام بلاغة العطاء ..

جزاك ربي عني كل خير ، وأكرمك ورضي عنك وأرضاك ..