ندى يزوغ
02-18-2026, 12:18 AM
وهم النصف الآخر ..!
بقلم ندى يزوغ
ماذا يحدث للإنسان حين يجد نفسه وجهاً لوجه أمام فراغ الآخر؟
هل تختلف وطأة الغياب باختلاف الجنس، أم أن الألم — في جوهره — لغة واحدة تتكلمها القلوب جميعاً وإن اختلفت ملامحها؟ ولماذا يبدو في الواقع أن بعض الرجال يتيهون أكثر حين تنسحب المرأة من حياتهم، بينما تنجح كثير من النساء في إعادة ترتيب فوضاهن الداخلية بعد الفقد؟ أهو فرق في الطبيعة، أم في التربية العاطفية، أم في شبكة الدعم التي تحيط بكل طرف؟
هنا تتشكل الإشكالية:
أيهما يعيش الوحدة بأثقل كلفة نفسية — الرجل أم المرأة؟
أم أن السؤال نفسه مضلل، لأن معيار الصعوبة لا تحدده الهوية البيولوجية بقدر ما تصنعه البنية النفسية وقدرة الإنسان على أن يكون سنداً لنفسه حين يغيب السند؟
من هذه العتبة يبدأ التأمل… حيث لا نبحث عمن هو الأقوى، بل عمن تعلّم كيف لا ينهار حين ينسحب الضوء.
ليس السؤال من يعيش أصعب دون الآخر، بل: من الذي تعلّم أن يسكن نفسه فلا تضيق به حين يرحل الناس؟
في الظاهر يبدو الأمر معادلةً بسيطة: رجل هنا، وامرأة هناك، وميزان نضع عليه مقدار الصبر عند الغياب. لكن الحياة لا تُقاس بالموازين المعدنية، بل بتلك الشقوق الخفية في الروح، حيث يتسرّب الإحساس بالوحدة مثل ماءٍ بارد في جدار قديم.
رأيتُ — كما يرى الواقع كل يوم — رجالاً يمشون في الشوارع بثيابٍ مرتبة ووجوهٍ ثابتة، لكن داخلهم صمتٌ كثيف، كغرفة أُغلقت نوافذها منذ زمن. أحدهم، موظف في الخمسين، أخبر صديقاً له بعد طلاقه: «لم أكن أعرف مع من سأتكلم حين أعود إلى البيت.» لم يكن ينقصه البيت ولا المال، بل كان ينقصه ذلك الصوت الذي يخفف صدى الجدران. الرجل هنا لم يهزمه الغياب بقدر ما هزمته هشاشة لم يُدرَّب على مواجهتها.
وفي الجهة الأخرى، رأيت نساءً يعشن وحدهن، لا لأن الوحدة خيار رومانسي، بل لأنها حدثت ببساطة. امرأة فقدت زوجها، فملأت فراغها بتربية أبنائها، وأخرى لم تتزوج قط لكنها نسجت حولها شبكة حياة: صديقات، عمل، كتب، طقوس صغيرة تشبه حبات الخرز تحفظ تماسك العقد. لم تكن محصنة من الحنين، لكنها لم تكن مكسورة أيضاً. كانت مثل شجرة زيتون: قد تُعصر، لكنها لا تتوقف عن الإثمار.
ومع ذلك، سيكون ظلماً أن نقول إن المرأة أقوى دائماً، أو إن الرجل أضعف دائماً. فالنفس البشرية لا تُفصّل حسب الجنس، بل حسب البنية الداخلية التي تربّت في الظل.
هناك رجالٌ يعيشون وحدهم كما تعيش المدن الساحلية بعد انصراف المصطافين: هدوء، اتساع، ونَفَس طويل. وهنا نساءٌ قد يبدين محاطات بالناس، لكن قلوبهن مثل مقاعد محطة مهجورة عند منتصف الليل. المسألة إذن ليست من يغيب عنه الآخر، بل من بنى حياته كلها على وجوده.
الواقع الإنساني الحديث كشف مفارقة لافتة: كلما اتسعت خيارات الحياة، ازداد شعور بعض الناس بالفراغ. في مجتمعات كثيرة، صار الرجل أقل تدريباً على التعبير العاطفي، فبدا صلباً من الخارج وهشّاً من الداخل، مثل تمثالٍ من جبس مطليّ بالبرونز. وفي المقابل، دفعت التحولات الاجتماعية كثيراً من النساء إلى تعلّم الاعتماد على الذات، لا بطولةً، بل ضرورة.
لكن الحقيقة الأعمق تظل أبسط وأقسى:
الإنسان الذي يجعل من الآخر وطنه الوحيد، سيصير لاجئاً عند أول غياب.
أما الذي يبني في داخله غرفة مضاءة، يضع فيها معنى لحياته يتجاوز شخصاً بعينه، فإنه يحزن نعم، ويشتاق نعم، لكنه لا ينهار. يشبه في ذلك بئراً عميقة: قد ينخفض ماؤها في مواسم القحط، لكنها لا تجف بسهولة.
لهذا، حين نسأل: أيهما أصعب؟
فإن السؤال ينزلق من بين أيدينا مثل رملٍ ناعم.
الأصعب… ليس أن يعيش رجل دون امرأة،
ولا أن تعيش امرأة دون رجل،
بل أن يعيش إنسانٌ وقد علّق قلبه كله على مسمارٍ واحد في جدار العالم.
فإذا سقط المسمار…
سقط معه البيت.
بقلم ندى يزوغ
ماذا يحدث للإنسان حين يجد نفسه وجهاً لوجه أمام فراغ الآخر؟
هل تختلف وطأة الغياب باختلاف الجنس، أم أن الألم — في جوهره — لغة واحدة تتكلمها القلوب جميعاً وإن اختلفت ملامحها؟ ولماذا يبدو في الواقع أن بعض الرجال يتيهون أكثر حين تنسحب المرأة من حياتهم، بينما تنجح كثير من النساء في إعادة ترتيب فوضاهن الداخلية بعد الفقد؟ أهو فرق في الطبيعة، أم في التربية العاطفية، أم في شبكة الدعم التي تحيط بكل طرف؟
هنا تتشكل الإشكالية:
أيهما يعيش الوحدة بأثقل كلفة نفسية — الرجل أم المرأة؟
أم أن السؤال نفسه مضلل، لأن معيار الصعوبة لا تحدده الهوية البيولوجية بقدر ما تصنعه البنية النفسية وقدرة الإنسان على أن يكون سنداً لنفسه حين يغيب السند؟
من هذه العتبة يبدأ التأمل… حيث لا نبحث عمن هو الأقوى، بل عمن تعلّم كيف لا ينهار حين ينسحب الضوء.
ليس السؤال من يعيش أصعب دون الآخر، بل: من الذي تعلّم أن يسكن نفسه فلا تضيق به حين يرحل الناس؟
في الظاهر يبدو الأمر معادلةً بسيطة: رجل هنا، وامرأة هناك، وميزان نضع عليه مقدار الصبر عند الغياب. لكن الحياة لا تُقاس بالموازين المعدنية، بل بتلك الشقوق الخفية في الروح، حيث يتسرّب الإحساس بالوحدة مثل ماءٍ بارد في جدار قديم.
رأيتُ — كما يرى الواقع كل يوم — رجالاً يمشون في الشوارع بثيابٍ مرتبة ووجوهٍ ثابتة، لكن داخلهم صمتٌ كثيف، كغرفة أُغلقت نوافذها منذ زمن. أحدهم، موظف في الخمسين، أخبر صديقاً له بعد طلاقه: «لم أكن أعرف مع من سأتكلم حين أعود إلى البيت.» لم يكن ينقصه البيت ولا المال، بل كان ينقصه ذلك الصوت الذي يخفف صدى الجدران. الرجل هنا لم يهزمه الغياب بقدر ما هزمته هشاشة لم يُدرَّب على مواجهتها.
وفي الجهة الأخرى، رأيت نساءً يعشن وحدهن، لا لأن الوحدة خيار رومانسي، بل لأنها حدثت ببساطة. امرأة فقدت زوجها، فملأت فراغها بتربية أبنائها، وأخرى لم تتزوج قط لكنها نسجت حولها شبكة حياة: صديقات، عمل، كتب، طقوس صغيرة تشبه حبات الخرز تحفظ تماسك العقد. لم تكن محصنة من الحنين، لكنها لم تكن مكسورة أيضاً. كانت مثل شجرة زيتون: قد تُعصر، لكنها لا تتوقف عن الإثمار.
ومع ذلك، سيكون ظلماً أن نقول إن المرأة أقوى دائماً، أو إن الرجل أضعف دائماً. فالنفس البشرية لا تُفصّل حسب الجنس، بل حسب البنية الداخلية التي تربّت في الظل.
هناك رجالٌ يعيشون وحدهم كما تعيش المدن الساحلية بعد انصراف المصطافين: هدوء، اتساع، ونَفَس طويل. وهنا نساءٌ قد يبدين محاطات بالناس، لكن قلوبهن مثل مقاعد محطة مهجورة عند منتصف الليل. المسألة إذن ليست من يغيب عنه الآخر، بل من بنى حياته كلها على وجوده.
الواقع الإنساني الحديث كشف مفارقة لافتة: كلما اتسعت خيارات الحياة، ازداد شعور بعض الناس بالفراغ. في مجتمعات كثيرة، صار الرجل أقل تدريباً على التعبير العاطفي، فبدا صلباً من الخارج وهشّاً من الداخل، مثل تمثالٍ من جبس مطليّ بالبرونز. وفي المقابل، دفعت التحولات الاجتماعية كثيراً من النساء إلى تعلّم الاعتماد على الذات، لا بطولةً، بل ضرورة.
لكن الحقيقة الأعمق تظل أبسط وأقسى:
الإنسان الذي يجعل من الآخر وطنه الوحيد، سيصير لاجئاً عند أول غياب.
أما الذي يبني في داخله غرفة مضاءة، يضع فيها معنى لحياته يتجاوز شخصاً بعينه، فإنه يحزن نعم، ويشتاق نعم، لكنه لا ينهار. يشبه في ذلك بئراً عميقة: قد ينخفض ماؤها في مواسم القحط، لكنها لا تجف بسهولة.
لهذا، حين نسأل: أيهما أصعب؟
فإن السؤال ينزلق من بين أيدينا مثل رملٍ ناعم.
الأصعب… ليس أن يعيش رجل دون امرأة،
ولا أن تعيش امرأة دون رجل،
بل أن يعيش إنسانٌ وقد علّق قلبه كله على مسمارٍ واحد في جدار العالم.
فإذا سقط المسمار…
سقط معه البيت.