المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصيدة العزة ..


راحيل الأيسر
02-19-2026, 12:51 AM
مَا كُلُّ مَنْ رَكِبَ المَنُونَ بِنَادِمِ
وَالعِزُّ يُشْرَى بِالنُّفُوسِ وَبِالدَّمِ

والحَربُ إِن كَشَرَت لَئِيمَ نُيُوبِها
بَكَتِ السَّمَاءُ عَلَى رُكَامِ الأَعظُمِ

أَبصَرتُ شَيخاً كَالجِبَالِ مَهَابَةً
يَمشِي عَلَى صَالِي مَوَاجِعِ مُكدَمِ

يَقتَاتُ مِنْ صَبرِ القُلُوبِ بَقِيَّةً
وَيَغُصُّ مِنْ شَجَنٍ بِدَمعٍ عَندَمِ

وَبِجَانِبِ الخَيمَاتِ ثَكلَى قَلْبُهَا
بَيْنَ القَذَائِفِ والشَّظَايَا مُرتَمِ

تَنعَى حبيباً أَو غُلاماً مَاجِداً
صَبَغَ التُّرَابَ بِنَحرِهِ المُتَثَلِّمِ

يا اِبنة الخنسا بعيني جمرة .
والكونُ ضَاقَ بِنَوحِكِ المُتَلَطِّمِ

وأبٌ يَسيرُ وفي الضُّلوعِ فجيعَةٌ
كالطَّودِ خَرَّ من الـمُصابِ الـمُؤلِمِ

يَمشي ويَحملُ نَعشَ فَلْذَةِ كَبْدِهِ
والصبرُ يَعصِرُ رُوحَهُ كالعَلقَمِ

كهل رَمَتْهُ الحَربُ بَينَ كُروبِها
فانصاعَ ظَهرُ شَبابِهِ لِلمَهرَمِ

أثقالُ دَهْرٍ فَوْقَ عِبءِ مُصَابِهِ
أحنَتْهُ حتّى باتَ مِثلَ المغرَمِ

أَمَّا اليَتِيمُ فَقَدْ تَلَوَّع كَبدُهُ
فَوق الرُّكَامِ بِصَمتِهِ المُتكَلِّمِ

يَرنُو لِثَوبِ أَبِيهِ يَنشُدُ رِيحَهُ
وَكَأَنَّهُ شَغِفٌ عَلِيلٌ يَحتَمِي

يَبكِي فَيَبتَلُّ القَمٍيصُ بِدَمعِهِ
لَكَأَنَّ هَميَ العَينِ مُزِّجَ بِالدَّمِ

يَشتَمُّ فِيه شُموخَهُ وَإباءَهُ
وَغُبارَ طُهرٍ فَوَق دِرعٍ مُسلِمِ



يَا لَوعَ قلبٍ يَقتَفي أثَراً مَضَى
فِي حِرقَةٍ يَبكِي بِصَمتٍ مُبهمِ

نَامَ اليَتيمُ وفِي يَديهِ رَجَاؤُهُ
ثَوبٌ يَضُوعُ بعِزَّةٍ لَم تُهزمِ

وَاكُربَتِي وَالدَّمْعُ يَجرَحُ جِفنَهُ
جَمرُ المواجعِ في الحَنايَا يَرتَمِي

لَا تَبكِ ثوباً فَالرِّجَالُ منارةٌ
تبقَى وَإِن غَابت بَيان المَنسمِ

فَأبُوكَ لم يَرحَل وَأَنَت سَليلُه
والنَّارُ تُخلِفُ جَمرَةً لم تُهرمِ

صن ذَا القَمِيصَ لِتَرْتَدِيهِ عَزِيمَةً
يوم اللقَاءِ بِصَارِمٍ وبِأَسهُمِ

فهناك طِفل ذُعْرُهَ يَغْتَالُهُ
خَرَسٌ يَجول بِثَغْرِه المُتَلَعْثِمِ

يرْخِي جفون الرُّعْبِ خَوف قَذيفَةٍ
وَيلُوذُ مِنْ ظِلِّ السَّحَابِ المُظْلِمِ

يهفو لِحضن أَبِيهِ نَشْدَةَ تائهٍ
وَالحُضنُ باتَ بَقِيَّةً مِنْ أَعْظُمِ

وَمضَعضعٍ وَالرِّيحُ تَجلِدُ ظَهرَهُ
يَشكُو أَنِينَ جِرَاحِهِ بِتَأَلِّمِ

بِيضُ الخِيَامِ غَدَت مَآتِمَ كربة
تَبْكِي عَلَى جِيلٍ بِجِيلٍ مِصدَمِ

للهِ صَبرٌ في الخِيامِ وَبَردِهَا
نَارٌ تؤجَّجُ في فُؤَادِ الصَّيلَمِ


هِيَ ذِي المَآسِي فِي سُطُورِ زَمَانِنَا
كُتِبَتْ بِأَدْمُعِنَا وَنَزْفِ المِعْصَمِ

أرض الجهاد تبسمت لجراحها
فالموت فيها حلم كل مكرَّمِ

صَمَدوا فَذلَّت تَحتَهم أَهْوَالُهُم
وَعَلَوا فَمَا نَظَروا لِغَيرٍ الأَنجُمِ

هُوَ ذَا الجِهادُ مَرارَةٌ مَخلوطَةٌ
بِبَشائِرِ النَّصرِ العظيمِ الأكرَمِ

لكنَّما هذي الجِراحُ مَنابرٌ
تَعلو عليها صَيْحةُالمُستَعصِمِ

لا يَنحنِي شعبٌ عقيدتُه الفِدا
والمَوتُ في حَقٍّ حَياةُ الأكرَمِ

فَإذا انحَنَى الظَّهرُ الكَسيرُ لِنَكبةٍ
فَالرُّوحُ تَبقى في عُلوِّ الأنجُمِ

نَحنُ الوَتَادُ وَإِن نُزِعنَا عِنوَةً
فالأَصلُ جِذرٌ فِي الثَّرَى لَم يُعدَمِ

كَم غَصَّةٍ بَينَ الرُكامِ دَفَنَّها
وَصُرخَةٍ ضاعت بِصَدرٍ مُبکَمِ

يا نَشءُ، خُذ مِن جُرحِنا قَبَساً لَمن.
يَهدي الضَريرَ إِلى طَريقِ المَغنمِ

لا تَركَنوا لِلسِلمِ وَهْوَ مَذَلَّةٌ
لا تَخضَعَنْ واحيَ عزيزاً تَغنمِ

اكتُب بِأَقلامِ الرَصاصِ رَصاصَةً
تُحنِي سِياطَ الظالِمِ المُتَغَشِّمِ

إِنّا نَقَشنا في الزمان صُمودَنا
فَاقرَأ سُطورَ العِزِّ لا تَتَلَعثَمِ

هَذي الدِماءُ أمانَةٌ في عُنقِكُم
فَاحموا الحِمى بِالعَزمِ لا بِتَرَحُّمِ

زُفّوا البَشائِرَ لِلشآمِ وَقُدسِنا
وَلِكُلِّ شبرٍ في الثَرى مُتَأَلَّمِ

قولوا لِكُلِّ العالمينَ بِأَنَّنا
شعبٌ يموتُ ولا يَدينُ لِمُجرِمِ

سنعود صاعقةً تُدَمدِمُ في المَدى
فَالفَجرُ آتٍ مِن لَهيبِ الأَسهُمِ



( الكامل )

فادي البحر
02-19-2026, 05:50 AM
قصيدة من عيون الشّعر !

أجمل ما في القصيدة أنها لم تقف عند حد البكاء، والعويل، بل انتقلت بذكاء إلى مرحلة التّوجيه :

​لا تبكِ ثوباً فالرّجال منارةٌ.. تبقى وإن غابت بيان المنسم

​هنا يتحول الانكسار إلى فخر، ويتحول اليتم إلى سلالة جمر لا تهرم، وهو ما يعطي الأمل للقارئ ولصاحب القضية.

​ختام القصيدة بالوعيد ( سنعود صاعقة تدمر في المدى ) يمنح النّص نهاية تصاعدية حيث يبدأ بالألم، وينتهي بالثّورة، مما يجعل القارئ يخرج من القصيدة بروح معنوية عالية رغم قسوة الصّور الّتي سبقتها.

​باختصار هي قصيدة ناطقة تختصر مأساة أمة صيغت بدم المأساة، ومداد العزّة، وتستحق أن تكون من عيون الشّعر المعاصر الّذي يوثق نكبات الشّعوب، وانتصارات أرواحها.

🌷

عبدالإله المالك
02-19-2026, 05:42 PM
حقا كمل الجمال من البحور الكامل

نفس شعري عميق وأبيات شعرية تعزفها الأرواح والقلوب
هذه خريدة وباسقة شعرية
حييت يا راحيل الأيسر

راحيل الأيسر
02-20-2026, 03:04 PM
قصيدة من عيون الشّعر !

أجمل ما في القصيدة أنها لم تقف عند حد البكاء، والعويل، بل انتقلت بذكاء إلى مرحلة التّوجيه :

​لا تبكِ ثوباً فالرّجال منارةٌ.. تبقى وإن غابت بيان المنسم

​هنا يتحول الانكسار إلى فخر، ويتحول اليتم إلى سلالة جمر لا تهرم، وهو ما يعطي الأمل للقارئ ولصاحب القضية.

​ختام القصيدة بالوعيد ( سنعود صاعقة تدمر في المدى ) يمنح النّص نهاية تصاعدية حيث يبدأ بالألم، وينتهي بالثّورة، مما يجعل القارئ يخرج من القصيدة بروح معنوية عالية رغم قسوة الصّور الّتي سبقتها.

​باختصار هي قصيدة ناطقة تختصر مأساة أمة صيغت بدم المأساة، ومداد العزّة، وتستحق أن تكون من عيون الشّعر المعاصر الّذي يوثق نكبات الشّعوب، وانتصارات أرواحها.

🌷

أشكرك أيها المكرم أستاذي وأخي / فادي البحر

الذي كالبحر جوده
يفتأ يكرمنا ويجود علينا بسخاء علمه وشعره ونقده


كلي امتنان ..

راحيل الأيسر
02-20-2026, 03:09 PM
حقا كمل الجمال من البحور الكامل

نفس شعري عميق وأبيات شعرية تعزفها الأرواح والقلوب
هذه خريدة وباسقة شعرية
حييت يا راحيل الأيسر

وحياك ربي وبياك والخير أعطاك والشر كفاك
ومن كل نقيصة زكاك ..

سعيدة برأي كريم من شاعر مشهود له ..

فقط أحتاج تعديلا تكرما منك وتفضلا ..
يا ربة الخبا بعيني جمرة
إلى
يا اِبنة الخنسا بعيني جمرة

تفاديا للوقص غير المحبذ في تفعيلة بحر الكامل
مع الحفاظ على حركة الكسر في همزة الوصل التي سننطقها كأنها القطع للضرورية الشعرية ..


وبوركت