المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رتمٌ عجب ..


راحيل الأيسر
02-20-2026, 03:00 PM
كل الأمهات كانت لهن حناجر ندية
لهن ترانيم كحمائم الأيك
، كهديل اليمام
.
كانت قلوبهن دنان تُعتِّق قصص الشوق
، و كانت أصواتهن دندنات
وخيط حسهن المرهف أوتار قيثار ..
كلما جلد رعد الشوق غيم الحكايات
سالت من مدامعهن ديم هتون
تبلل تربة الروح ..
فتنمو الحكايات بعدد ذرات التراب المبتل في أرواحهن من سكب تلك المزون ..

من سجع هديلهن رضع الشعراء تفعيلة البحور منذ المهد ..
إذ كن يرششن أرواحهم نأمة وتهويدة ، فتنبعث من قرائحهم خبب ووتد ، رتم عجب ..
وإذ تبكي حمائم الأيك
يطير الشاعر لأزمنة بعيدة
يوم كانت أمه تهزه باليمين
وتمسح بالشمال دمعها
إذ يفيض بها حنين اغتُرِف من قلب ينبض بالوفاء للديار
والأهل ، والخلان ..
وإذ تشَرَّب هذا الذي في المهد ما سحَّ من دمعها؛ هاهو اليوم ينوح مذ شب شعره عن الطوق
وعلا حرفه قنة الذوق
يرجّع صداها المحفوظ لحنا
بخببٍ وتدٍ ورتمٍ عجب ..

فادي البحر
02-20-2026, 06:01 PM
هذا نصٌّ باذخ الجمال بقطر عاطفةً عذبة ،ولغةً رصينة، وكأنّ كاتبته تنسج من خيوط الذّاكرة برداً يقي الرّوح من صقيع الغربة.
إن ما جاءت به الشّاعرة ليس مجرد وصف للأمهات، بل هو تأصيلٌ فلسفي لمنبع الشّعر الأول. هو يرى أن "التفعيلة" و"البحور" لم تولد في بطون الكتب، بل وُلدت في "هزهزة المهد" وفي تلك "الدندنات" التي كانت الأمهات يسكبنها في آذان الصّغار فتمتزج بدمائهم، وقد جاءت جماليات النّص في الأم كمنبع للايقاع، وهي لفتة ذكيةجداً في قولها "من سجع هديلهن رضع الشّعراء تفعيلة البحور". فإيقاع "الخبب والوتد" ما هو إلا صدى لنبض قلب الأم أو حركة يديها، وهي تهز المهد، أيضاً ثنائية اليمين، والشّمال، وتصوير الأم وهي تهز بيمينها وتمسح دمع حنينها بشمالها هو مشهد سينمائي بليغ يختصر تضحية الأم الّتي تمنح الطّمأنينة بيد، وتكتم لواعج الحنين في اليد الأخرى.

رعاكِ الله يا راحيل 🌷

راحيل الأيسر
02-21-2026, 02:16 AM
تعقيباتك وتحليلك من أجمل ما تلقيته على نصوصي
فليبهج الله قلبك ، ويرفع قدرك أخي المكرم وأستاذي الناقد / فادي البحر ..


عن النص

هي قراءات وتأملات ترسبت في الوعي
عن أن البدو في كل المجتمعات هم أكثر الناس التصاقا بالرتم والشعر
، عن التهويدات وكيف أن أمهات البدو كن يبكين الأهل في تهويداتهن
ثم كيف ينشأ أحدهم يفرغ سكر القصب ويصنع منه نايا ينفخ فيه حنينه تارة وولعه بابنة عمه أو حبيبته حينا آخر .. أو بلحن يوافق ثغاء أغنامه حين يهش عليهم ، فلعله يلتقط ثغاء أغنامه بغير ما نلتقطه نحن ، كما التقط الشعراء تهويدات أمهاتهم بغير ما التقطه غيرهم ..

كل كاتب داخله بدوي
من هو البدوي ؟
هو كائن مسكون بالحنين أبدا وبالحب النقي العذري دائما
لا يرى قصب السكر إلا نايا ونغما وشيئا قابلا أن يمرر على وتر الروح ويناغم به شجن الغروب
يسمع في الثغاء مالم يسمعه غيره ..
يتفتق لسانه بأراجيز محفوظة في صدره من دمع أمه تبكي أهل لها ارتحلت عنهم ..




شكرا لك .
بوركت وطبت ..