مشاهدة النسخة كاملة : رسائلي التي كبرت في صناديقي الصغيرة
شهرزاد
03-08-2026, 09:37 PM
اكتشفت اليوم أن بعض الرسائل تكبر كما نكبر،
وأن الورق الذي كان جماداً بارداً ذات حكاية،
قد يتحول مع الزمن إلى روح قديمة حُبست في صندوق عتيق، فتنمو في العتمة بهدوء،
وتشيخ بنبل، وتكبر كما كبرنا.
شهرزاد
03-08-2026, 09:49 PM
أخي، أيها الحيّ الذي ما زلتَ تُرزَق…
ها أنا أعلن وجودك فوق الأرض لا تحتها.
فبعد الليلة لن أحرص على ارتداء أقنعتي عند الحديث عنك أو الكتابة إليك.
لا أعلم لماذا الآن، ربما لأنني على يقين بأنّه في زمن الحرب لا أحد يقرأ رسائل الحب،
لكنني واثقة أنك ستقرؤها.
ولا أحد يسمع صوت نبضات القلوب تحت ضجيج أصوات الطائرات،
لكنني أعلم أنك ستسمع صوت قلبي.
ها هي الأرض تهتز من حولي ومن تحتي،
وأقف قوية شامخة كشجرة معمّرة في بيت قديم.
أُحكم قبضتي على وعدك كي لا أفقده، فهو آخر الأدلة لقلبـي على أنك ستعود.
أعلم أن ذئب الغابة لم يأكلك، وأعلم أن إخوتك لم يلقوا بك في الجبّ،
ولا أخشى عليك من الضياع، بل أخشى عليك من ذئب الوجع
إذا ما عدتَ يومًا ولم تجد على وجه الأرض منّا أحدًا.
ها قد بدأت أنفاسي تتثاقل وتتناقص…
ولا أعلم لماذا، حين أكتب إليك، أشعر بتعب قلبي، فأتنفس بعمق ولا أتوقف،
كأنني أسرد حكاية عمرٍ طويل وأنا أركض على طريق لا نقطة نهاية له…
أو ربما لأنني أصبحتُ أتقن الكتابة أكثر من إتقاني الحديث،
فقد اخترتُ الصمت بعد بحث طويل عن روحٍ تُصدّق حديثي عنك.
كل الأرواح خذلتني، وكل القلوب تعاطفت لكنها كذّبتني،
حتى أصبحتُ أتمنى السفر إلى زمنٍ آخر،
زمنٍ ربما ألتقي فيه بروحٍ تصدّقني مهما اقترب حديثي من الخيال
أو التصقت قصتي بالمستحيل.
لذا... اقرأ هذه الرسالة كما تُقرأ وصيّة أُخفيت لسنوات.
كنتُ أتمنى أن أكتبها لك على ورق الرسائل، لكنك تأخرت كثيرًا،
فتغيّرت تفاصيل الزمن، وفقد الورق مكانته القديمة بعد أن أسقطت التكنولوجيا عرشه.
ففي ليلة من الليالي لعب الورق لعبة الشطرنج مع التكنولوجيا،
فاستيقظ العالم على صوتها وهي تصرخ في وجه الورق: "كش ملك".
هذه إحدى متغيرات الزمن في سنوات غيابك.
أؤمن، وتؤلمني قوة إيماني، بأن الزمن لن يعود، ولا الأصوات التي اختفت من عالمنا،
ولا الوجوه التي غابت عن دنيانا ستعود.
فالوجوه حين تغادر الأزمنة تتحول إلى أمنية مستحيلة،
والأصوات حين تختفي من الأمكنة ينقطع صداها.
لكني أؤمن أن الزمن سيعيد ذكرك مرة أخرى، فأنت حكاية لن تتكرر على الأرض،
أنت خاتمة الغرائب، وآخر الصدف، أنت المعجزة التي تحتاج إلى إيمان قوي،
وإلى أرواح تصدّق أن خالقها على كل شيء قدير.
غابوا، رحلوا واحدًا تلو الآخر، ولم يبقَ منهم حولي الكثير،
كأنهم تناوبوا على صعود القطارات المغادرة من الأرض.
وجلست في مجالس العزاء بعين دامعة، وقلب مكسور،
وروح قلقة يفزعها السؤال: ترى من المغادر القادم؟
فعد قبل أن أدخل إلى القطار الأخير، وقبل أن يُضاف اسمي إلى قائمة الغياب.
عد قبل أن أنحني ولا أقوى على الوقوف، قبل أن أنكسر ويصعب جمع أجزائي،
قبل أن أغمض عيني وأدخل في عتمة لا يعيدني منها البشير،
قبل أن أخسر آخر عود ثقاب ويقتلني البرد فوق محطات انتظارك،
قبل أن تخذلني ذاكرتي وتُسقطك رغمًا عني.
عُد قبل أن أتخلى عن نفسي، وأتحول إلى فزّاعة على طريق مهجور،
أو قارب محطم فوق شاطئ تخلّى البحر عنه.
عُد...
لا تخذلني ولا تتخلَّ عني،
فأمي التي كانت تدفعني نحو محطات انتظارك وتمنحني القوة بإحساس قلبها بوجودك قد رحلت.
رحلت تاركة خلفها حلمها العظيم بعودتك.
لم تتركه على الطرقات ولا في زوايا المنازل المهجورة،
بل تركته في قلبي، ربطتني به كمشيمة تربط بين روحين.
أعلم أنك لم تخذلها ولم تتخلَّ عنها، فأمي تركت لي خلفها عنوانًا يأخذني إليك،
وشفرة لا يفك رموزها سواي.
عندها أدركت أن قميصك قد سبقني إليها...
عُد...
فأنا لست مجرد امرأة تنتظر عودتك، بل ذاكرة كاملة نذرت عمرها لغيابك.
كبرت وأنا أقيس العالم بمسافة بُعدك، وأنحت أيامي على صبر طويل.
فأنا الوسطى التي شبّت ملامحها على أرصفة انتظارك،
وكبرت وهي تعد المواسم موسمًا بعد موسم،
وسلّمت عصيها للعتمة عصًا بعد عصا،
مؤمنة أنك السند الذي لا يحتاج برهانًا، وظهري الذي لا ينحني،
وعصا اتكائي الوحيدة حين تخونني الأرض.
أنا التي أفنت عمرها تسرد حكايتك لهم جيلًا بعد جيل،
غير عابئة بسهام النظرات ولا بثقل الشكوك،
لأن من يؤمن لا يلتفت.
أنا التي كلما تداعى جسدي نحو السقوط تشبثت بذكراك فاستقام داخلي،
وكلما أوشكت على الانهيار استدعيت صورتك في الذاكرة فنهضت أكثر صلابة،
كأن الغياب كان درسًا في الصبر لا هزيمة.
أنا التي فككت اللعبة بصمت، وكشفت أوراقها بلا ضجيج، وقرأت الوجوه قبل أن تنطق،
فعرفت الأحبة من ارتعاش أصواتهم، والأعداء من فرط ودّهم،
ومضيت خفيفة كمن فهم كل شيء واختار السكوت.
أنا التي تفزع مع كل صوت، لا خوفًا بل رجاءً،
علّه يكون الأثر، البشارة، القميص الذي يعيد للروح لونها،
ويبرر كل هذا الصبر المؤجل.
أنا التي ما زالت واقفة خلف باب غيابك، لا أنتظر بل أحرس الوعد،
واقفة كما تقف الأشجار في العواصف،
لا عنادًا بل إيمانًا بأن الجذور لا تخون.
أنا التي آمنت بمعجزتك كما يؤمن الأنقياء، بلا سؤال، بلا شرط، بلا نهاية.
شهرزاد
03-23-2026, 05:40 AM
ولعلّك، في غيابك الذي اتّسع حتى صار زمناً كاملاً، تركتَ لي رسالةً تائهةً في أحد أركان هذا العالم…
رسالةً لم تضلّ طريقها عبثاً، بل اختبأت كما تختبئ الأسرار في قلب الزمن…
رسالةً لم تُخطّ بالحبر، بل خُبِّئت في مسامات الأشياء.
ربما تركتَها بين صفحات كتابٍ مهجور، لا لأنك وثقتَ بالورق، بل لأنك تعلم أنني سأفتّش في الصمت قبل الكلمات،وفي المستحيل قبل الممكن ..
أو أخفيتَها تحت سجادةٍ أثقلها صمتُ الأعوام وتشبّعت بخطواتٍ لم تعد تعود، أو أسندتَها إلى منضدةٍ أكل الدهرُ أطرافها، فصارت شاهدةً على ما تآكل من الحكايات.
وربما أخفيتَها في تجويف جدارٍ عتيقٍ يئنّ كلما مرّ عليه ظلّ، أو خلف ساعةٍ جداريةٍ تجمّدت عقاربها وتوقّفت عن الإيمان بالزمن منذ رحيلك، أو دسستَها في صندوقٍ وُضع إلى جوار سريري كقطعة فنٍّ صامتة، بينما تضجّ في داخله حياةٌ مؤجّلة. أو لعلّك خبّأتَها في حشوة وسادةٍ صغيرة تبتلع البكاء بصمت، أو في ظهر مقعدٍ خشبيٍّ أنهكه الانتظار حتى صار هو الانتظار ذاته، أو في قاع مزهريةٍ هجرتها الورود حين تعلمت القسوة من الأشواك، أو في شقّ بابٍ خشبيٍّ تشبّع بالغبار حتى صار الغبار فيه طبقةً من الزمن لا تُمحى…
أو… لعلّك لم تُخفِها في مكان، بل أخفيتَها في فكرةِ البحث نفسها.
أما تشعر أنني لا أبحث عن رسالة، بل أبحث عنك حين كنتَ تُخفي الأشياء لتجدني؟
أنني أتنقّل بين هذه الأمكنة لا كمن يفتّش، بل كمن ينهار بهدوءٍ في كل زاوية، كأنّ كل احتمالٍ باب، وكل بابٍ خيبة؟
وأنّ كل هذه الأمكنة ليست إلا خرائط لوَهني، وممرّاتٍ لبحثي المرهق، وأنا أتعقّب أثرك كما يتعقّب الغريق آخر خيطٍ من الضوء؟
وأنّ بحثي لم يعد بحثاً، بل صار هيئةً أخرى للفقد… طريقةً أنيقةً لأقول إنك غير موجود؟
حتى عطرك… ما زلت ألتقطه من هواءٍ عابر، وأتبعه كأنني أسير خلفك في طريقٍ مظلمٍ مزدحمٍ بالمخاوف، لا يدلّني عليك سوى ذلك الأثر الخفيّ الذي لا يخطئه قلبي.
فعطرك لم يعد رائحة، بل صار دليلاً هشّاً أتتبّعه كما يتتبّع التائهُ وهمَ النجاة، أسير خلفه في طرقٍ معتمةٍ مكتظّة، وأنا أعلم ؟ في مكانٍ ما من قلبي أنني لن أصل…
لكنني أيضاً… لا أتوقّف.
شهرزاد
04-04-2026, 11:06 PM
متى تكدست كل هذه الأزمنة بيني وبينك حتى غدوت مسافة لا تُقاس وبُعدًا لا يُحتمل؟
،
أخطيئةٌ أن أكتبك، والعالم يكتب نهاياته من حولي؟
وهل سيرجمني التاريخ إن أنا تسلّلتُ هذا المساء من دائرة الحرب لأضع لك هذه الرسالة في صندوق البريد بخطى متردّدة، وضميرٍ يئنّ خفيًا، كأنني أرتكب نجاةً صغيرة في زمنٍ يُجرِّم النجاة، وأحتمي بحبٍّ أعلم يقينًا أن زمن الحرب لا يعترف به، بل يُقصيه… أو يؤجّله… أو يعلّقه كنداءٍ يتيمٍ في فضاءٍ بلا صدى؟
فأنا لا أعلم كيف تحوّل قلمي في يدي إلى سلاح، كأن الحروف أُمِرت أن تصطفّ في ميادين القتال.
وجدتني أكتب الحرب لا وصفًا لها، بل انخراطًا فيها.
أكتب عن شعور الخوف على وطني، وعن القوة التي سكنت قلبي رغم ارتفاع أصوات الصواريخ، وعن السكينة التي أستشعرها كلما نمت وأنا أعلم أن الله يحرس وطني، وعن الأصدقاء الذين نزعت رياح الحرب أقنعتهم، وعن عدوّ ظاهر وآخر مستتر، وعن تحوّل يومياتي إلى نشرات إخبارية وأخبار عاجلة، وعن الكثير من الأحداث التي استجدّت في حياتي.
ولا أعلم كيف، في منتصف هذا الاختلال العنيف بين الطمأنينة والهلع،
أجدني على نحوٍ يكاد يُشبه التمرّد ..
أشتاق أن أكتب إليك، رغم يقيني أن في زمن الحرب تُرفض قراءة الحب.
لكن هذه أنا… كما عهدتني، لم أتبدّل يومًا:
كلما غادرتُ مدارك، عدتُ إليك كأنك جهتي الوحيدة،
وكلما ظننتُ أن البعد طال، وجدتك المسافة الأقرب،
وكلما ابتعدتُ عنك أزمانًا وجدتني على باب حكايتك،
وكلما دفنتك في نسيانٍ متعمّد،
بعثتك ذاكرتي على هيئة مدنٍ كاملة لا تُهدم.
هذه أنا…
أراوغ العالم، وأتخفّى من ضجيجه،
وأقف أمام كلمة "الحرب" وقفة من يُجابه مصيره،
أمدّ يدي إلى حروفها،
وأحاول بكل ما تبقّى فيّ من حياة أن أنتزع منها الراء،
لعلّها ترضخ… وتتحوّل إلى "حب".
ترى، هل من العار أن أكتب عن الحب بينما تفاصيل الحرب تحيط بي؟
هل من الجحود أن أتوقف قليلًا لالتقاط أنفاسي، وأكتب عنك لأتنفّس، إيمانًا مني أن الكتابة إليك حالة تنفّس بعد اختناق؟
لا جديد لديّ لأقوله،
غير أنّني، في خضمّ هذا الركام، أجدني أشتاق إليك كما لو أنّ الاشتياق آخر ما تبقّى لي من نجاة... كما لو أنّ سفينتنا ما تزال في منتصف البحر... كما لو أنّك ما زلت تحاول إنقاذي من الغرق!
أشتاق إلى ذلك المسرح الذي أدّيتُ عليه دور البطولة أمامك، أشتاق إلى صباك وصباي، وجنونك وجنوني، وغيرتك وغيرتي، والضحكات، والحماقات، والخلافات، ولحظات الغضب، وإلى مرحلة من العمر كنتُ أذكر اسمك في دعائي كثيرًا...
قل لي…
أخطيئةٌ أن أكتبك، والعالم يكتب نهاياته من حولي؟
أخيانةٌ أن أتنفّس بك، وأنا أختنق بكل هذا الرماد؟
أسيكون التاريخ قاسيًا إلى هذا الحدّ إن كتبت لك، في قلب هذه العاصفة،رسالة ورقية ؟
صارحني..
هل تحتضر الدنيا؟
أم أن تلك السَّكَرات تنبثق من داخلي؟
شهرزاد
04-21-2026, 12:03 PM
لم يكن انفصالك عني انتقالًا عبر مدارج الفقد، ولا انحدارًا محسوبًا في تضاريس الغياب،
بل كان انخلاعًا كونيًا مفاجئًا، كأن قدرًا نائماً استيقظ دفعةً واحدة ليُبطل ما بيننا دون استئذان؛
فغادرتني غيابًا لا يشبه الرحيل، وتخلّيتَ عني خفّةً لا تحتملها ذاكرة الأعوام التي استوطنتك،
كأنني لم أكن سوى أثرٍ عابرٍ علق بكفّك مصادفة،
ثم ما لبثتَ أن نفضتَه ببرودٍ مُكتفٍ، ليتبدّد في فراغٍ لا يعترف بوجوده السابق.
لم تُقِم لوجعي تفسيرًا، ولم تُشيّد لي من الأسباب ما يليق بانهيارٍ بهذا الاتساع؛
تركتني أمام نهايةٍ مبتورةٍ من علّتها، كأنها حكمٌ صدر في غياب اللغة، فغدوتُ شاهدةً على خرابٍ لا يملك حتى ترف التسمية.
ولأنك لم تؤمن يومًا بأن للأرواح حقّ التدرّج في انطفائها، ولا بأن القلوب تحتاج زمنًا لتُروَّض على الفقد،
فقد دفعتني إلى الخذلان دفعةً واحدة، كمن يُلقي بجسدٍ حيّ في بحرٍ لا يعرف السباحة فيه؛
لم تمنحني فرصة التمرّن على الغرق، ولا فسحة التحليق قبل السقوط،
بل سلّمتني للفراق كأنني كنتُ مستعدّة له منذ البدء، وكأنك لم تكن يومًا كلّ ما أملك من يقين.
لم تتمسّك بي كما يتمسّك آخرُ الضوء ببقايا الفجر، ولا حرصتَ عليّ كما تُحفظ آخرُ شرارةٍ في عُزلة البرد؛
كان الفراق عندك أمرًا نافذًا بلا شرح، كأنك تُصدره من علٍ، وتتركني أسفلَه ألتقط رأسي من بين أسئلتي.
لم تقل لي لِمَ ينبغي أن أضع عنقي في مشنقة الغياب، ولا لِمَ كُتب عليّ أن أستريح تحت حدِّ الرحيل،
كأن الموت بيننا لم يكن بحاجة إلى تفسير.
ولم تُخبرني متى انكسرت معادلة الحكاية،
ومتى تبدّلت الأدوار حتى صرنا غرباء داخل نصٍ كتبناه معًا؛
كيف ازدحمت نهاياتنا بكل هذا الألم، ومتى أصبح لكلٍّ منا أرضٌ منفصلة يقف عليها كأنه لم يعرف الآخر يومًا؟
وكيف تسلّلت إلى الفصول الأخيرة وجوهٌ جديدة، كأنها سفن نجاةٍ جاءت متأخرة، لا لتنقذنا…
بل لتشهد غرقنا من مسافةٍ آمنة.
أنت لم تتدرّج في السقوط… بل سقطتَ سقوطًا كاملًا،
دفعةً واحدة، كأن كل ما كان بيننا لم يكن سوى وهمٍ طويل؛
كأن أعوامي معك، بكل ما فيها من نبضٍ ودهشةٍ وارتباك، لم تكن إلا مسبحةً قديمةً بين يديك،
عبثتَ بخيطها لحظةً، فانفرطت… لا لتتبعثر فقط، بل لتفقد حتى حقّها في أن تُجمع من جديد..
شهرزاد
04-21-2026, 12:07 PM
لم أكن أفقه، في تلك الأزمنة الثقيلة، سرَّ ذلك الثقل الذي كان يشدّني إلى فراشي بعد اليقظة،
فيُبقيني رهينةً لساعاته الممدودة، كأنّ في أعماقي قوةً خفيّة تعاند الصباح وترفض أن تمنح النهار اعترافها.
كنت أتأخّر عن الضوء، وأساوم بداياتي، وأدخل أيّامي متثاقلةً كمن لا يُستدعى إلى شيء.
ثم، وعلى حين انكشافٍ موجع، أدركت الحقيقة التي كانت تتوارى خلف ذلك الفتور:
لم يكن في هذا العالم من ينتظر قدومي،
ولا من تتعلّق حاجته بوجودي،
ولا من يختلّ إيقاع حياته إن تأخّرتُ عن النهوض.
وكان أكثر ما يسكب الرهبة في شراييني، ويخلط الخوف بالوجع حتى يستحيلان شعورًا واحدًا،
هو يقيني بأنني أعيش حياةً نُزعت منها ظلال أبي وأمي،
وبقيتُ فيها وحيدةً أمام فراغٍ هائلٍ يتمدّد خلف غيابهما، كهاويةٍ لا قرار لها.
لهذا… لا أنهض مسرعة،
لا لأن الصباح لا يستحق،
بل لأنني لم أعد أملك، على امتداد هذه الأرض،
محطّةً ألوذ بها،
ولا صدرًا أسلّم إليه تعبي،
ولا يقينًا يشبه الأمان..
شهرزاد
04-21-2026, 12:11 PM
أتدري؟
للمرة الأولى أشعر برهبة الدخول إلى الصفحة الأولى من الحكاية.
ثمة صوت حركة ما في الداخل، أَيكون أنت؟
ولماذا تعود في هذه الساعة المتأخرة من العمر؟
كثيراً ما عدتُ وحيدة إلى هذه الصفحة؛ حين كان الزمن يقسو عليّ كنت أعود إليها،
وحين كان الخذلان يصادفني في موقف ما كنت أعود إليها،
وحين كنت أرغب في البكاء بعيداً عن كل شيء كنت أعود إليها.
كانت بالنسبة إليّ كالبيت القديم الذي يشعرني وجودي فيه بالأمان.
فكم عدتُ إلى هذه الصفحة وحدي،
لا كعائدةٍ فحسب، بل كمن يلوذ بمحرابٍ سرّي،
كلما قسا الزمن، وكلما انكسرتُ في منعطفٍ لم يُنصفني،
وكلما ثقل البكاء في صدري حتى كاد يفضح هشاشتي…
كنتُ أنسحب إليها. كانت لي بيتاً أول لا يُغلق أبوابه، وملاذاً لا يسألني عن سبب الخراب، ولا يساومني على وجعي.
جدرانها كانت أحنّ عليّ من العالم،
تحفظ ارتباكي، وتستر ارتجافي، وتُعيدني إليّ كلما أوشكتُ أن أضيع.
هناك فقط، كنتُ أُقيم بلا ادّعاء، بلا أقنعة، بلا حاجةٍ لأن أبدو بخير وأنا لست كذلك.
نعم… كنتُ أعود وحدي، أفتّش عنك بين فجوات المعنى، بين الكلمات التي تعجز عن حملك فتنهار قبل أن تبلغك.
بينما كنتَ أنت تمضي، مُكتظّاً بوفرة النساء؛
عشيقات، صديقات، ظلالُ حبٍّ تتناسخ حولك بلا نهاية…
ولا اسم يليق بكل ذلك إلا أنه امتلاءٌ عابر لا يترك في الروح أثراً. كنتَ غارقاً في كثرتك، أما أنا…
فكنتُ غارقةً في فراغٍ واحدٍ يتّسع لك وحدك.
قل لي… هل جرّبتَ يوماً أن تستعيذ من الحنين؟
أنا فعلت… مراراً، كأنني أستعيذ من قدرٍ لا يُرد.
لأن الحنين، في مرحلةٍ ما من العمر، لا يعود مجرد شعورٍ عابر،
بل يتحوّل إلى همسٍ مُضلِّل، أكثر التيهاً من وسوسة الشيطان،
وأشدّ فتكاً بروحٍ حاولت النجاة… ولم تُفلح!
شهرزاد
04-22-2026, 06:58 PM
أتخيّل… وأتساءل،
بوجعٍ سيفهمه أبناء جيلي، ومن هم أكبر مني قليلاً أو أصغر بقليل.
لو أن مسلسل «إلى أبي وأمي مع التحية»
لم يكن عملاً درامياً عالقاً في الذاكرة،
ولا حكايةَ حنينٍ نلجأ إليها كلما ضاقت بنا الحياة،
بل حياةً حقيقية تُعاش،
لكان أحمد، وليلى، وهدى، وناصر…
يجلسون الآن يتامى في تلك الصالة الصغيرة،
الصالة التي نحفظ تفاصيلها كأنها غرفة من غرف طفولتنا… أو منازلنا،
يبكون أمّهم (عايشة)…
لا بصوتٍ مسموع،
بل بانهيارٍ داخلي صامت،
كأن البكاء نفسه انكسر وعجز عن أداء واجبه الأخير.
ولو أن «خالتي قماشة» لم تكن حكاية تلفزيونية،
ولا ضحكةً مؤجَّلة في ذاكرة الزمن،
بل بيتاً قائماً في أحد أحياء الكويت، بيتاً حقيقياً انطفأ مصباحه فجأة،
لجلس الإخوة الأربعة متجاورين على حافة الغياب،
يتبادلون نظراتٍ لا تقول شيئاً… ويتكئون على صمتٍ أثقل من الفقد،
بينما تنسدل دموع محظوظة ونسمة وحنان
بصوتٍ خافت يشبه انكسار البيوت حين تفقد أمّها،
دموعٌ ليست على امرأةٍ رحلت،
بل على زمنٍ كاملٍ انكسر…
زمنٍ كانت تقف في وجهه كأمٍّ لا تُهزم،
ثم هُزمت فجأة،
ورحلت.
وفي الخارج،
لافتة صغيرة تُعلَّق على بابٍ يعرفه الجميع،
كُتب عليها:
«عزاء قماشة… أم حنظل».
إنها تلك العبارة التي نعلن بها أن أحدنا قد تحوّل إلى حالة وفاة وغياب.
ولو أن مسلسل «على الدنيا السلام» كان يوماً عابراً في سجلّ الواقع،
لرأينا مبروكة الآن
جالسة على ذلك السرير ذي الغطاء الأبيض،
لا تبكي… بل تتآكل من الداخل، وتحدّق في الفراغ،
في نقطة بعيدة لا يراها سواها، كأنها بدأت فجأة تتقمص الجنون،
فالواقع مفجع جداً؛
فمن الموجع أن تستوعب كيف يمكن لوجهٍ كان يملأ الدنيا ضجيجاً وحضوراً
أن يتحوّل فجأة إلى ذكرى،
وكيف يمكن لامرأةٍ كانت تمشي في الحياة بثقل الأمومة وطمأنينتها
أن تختفي هكذا… دون أن تترك خلفها سوى فراغٍ لا يُملأ،
وكيف يمكن لمحظوظة… أن تُغادر، وكأنها لم تكن ذات يومٍ الضجيج كلّه.
ماذا لو كانت ( بزة، وسبيكة، وأم ردح، وغنيمة مرت سليمان بوالريش) ،
وكل الشخصيات التي عاشت قريبة منا
كأنها تملك قدرة التسلل من شاشة التلفاز لتعيش معنا في منازلنا كأمٍّ حقيقية…
ماذا لو كانت كل هذه الشخصيات حقيقية؟
وكل تلك الأعمال واقعية،
لأصبح العزاء هذا المساء في أكثر من بيت،
ولكان هناك رفات بعدد الشخصيات التي مثلتها…
ولشعر كل واحدٍ منا، على نحوٍ لا يُفسَّر، أنه فقد أمّاً
لم تلده…
لكنها ربّت شيئاً عميقاً فيه، ثم رحلت،
وأخذت معها ذلك الجزء الذي لن يعود.
فحياة الفهد لم تكن أمّاً لشخصياتها فقط،
بل كانت، على نحوٍ غامض وعميق،
أمّاً لنا جميعاً.
والكثير، الكثير من تلك الأعمال التي لم تكن يوماً مجرد مسلسلات،
بل حيواتٌ موازية عشناها حتى صدّقناها،
وبيوتاً نعود إليها كلما ضاقت بنا الأيام،
وأمهاتٌ تقاسمن معنا الخبز والخوف والضحكة،
ثم رحلن دفعة واحدة،
كأن الذاكرة نفسها أُعلن عليها الحداد.
ثم ماذا بعد؟
أيُّ نصٍّ يمكنه أن يتّسع لهذا الفقد؟
نحن لا نبكي مسلسلات،
نحن نبكي تلك الطمأنينة التي كانت تتسلّل إلينا دون أن ننتبه،
نبكي امرأةً
لم تكن تخصّنا،
لكنها كانت تعرف كيف تجعلنا نشعر أننا أبناؤها.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026,