تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : رسائلي التي كبرت في صناديقي الصغيرة


شهرزاد
03-08-2026, 09:37 PM
اكتشفت اليوم أن بعض الرسائل تكبر كما نكبر،
وأن الورق الذي كان جماداً بارداً ذات حكاية،
قد يتحول مع الزمن إلى روح قديمة حُبست في صندوق عتيق، فتنمو في العتمة بهدوء،
وتشيخ بنبل، وتكبر كما كبرنا.

شهرزاد
03-08-2026, 09:49 PM
أخي، أيها الحيّ الذي ما زلتَ تُرزَق…
ها أنا أعلن وجودك فوق الأرض لا تحتها.
فبعد الليلة لن أحرص على ارتداء أقنعتي عند الحديث عنك أو الكتابة إليك.
لا أعلم لماذا الآن، ربما لأنني على يقين بأنّه في زمن الحرب لا أحد يقرأ رسائل الحب،
لكنني واثقة أنك ستقرؤها.
ولا أحد يسمع صوت نبضات القلوب تحت ضجيج أصوات الطائرات،
لكنني أعلم أنك ستسمع صوت قلبي.

ها هي الأرض تهتز من حولي ومن تحتي،
وأقف قوية شامخة كشجرة معمّرة في بيت قديم.
أُحكم قبضتي على وعدك كي لا أفقده، فهو آخر الأدلة لقلبـي على أنك ستعود.
أعلم أن ذئب الغابة لم يأكلك، وأعلم أن إخوتك لم يلقوا بك في الجبّ،
ولا أخشى عليك من الضياع، بل أخشى عليك من ذئب الوجع
إذا ما عدتَ يومًا ولم تجد على وجه الأرض منّا أحدًا.

ها قد بدأت أنفاسي تتثاقل وتتناقص…
ولا أعلم لماذا، حين أكتب إليك، أشعر بتعب قلبي، فأتنفس بعمق ولا أتوقف،
كأنني أسرد حكاية عمرٍ طويل وأنا أركض على طريق لا نقطة نهاية له…
أو ربما لأنني أصبحتُ أتقن الكتابة أكثر من إتقاني الحديث،
فقد اخترتُ الصمت بعد بحث طويل عن روحٍ تُصدّق حديثي عنك.
كل الأرواح خذلتني، وكل القلوب تعاطفت لكنها كذّبتني،
حتى أصبحتُ أتمنى السفر إلى زمنٍ آخر،
زمنٍ ربما ألتقي فيه بروحٍ تصدّقني مهما اقترب حديثي من الخيال
أو التصقت قصتي بالمستحيل.

لذا... اقرأ هذه الرسالة كما تُقرأ وصيّة أُخفيت لسنوات.
كنتُ أتمنى أن أكتبها لك على ورق الرسائل، لكنك تأخرت كثيرًا،
فتغيّرت تفاصيل الزمن، وفقد الورق مكانته القديمة بعد أن أسقطت التكنولوجيا عرشه.
ففي ليلة من الليالي لعب الورق لعبة الشطرنج مع التكنولوجيا،
فاستيقظ العالم على صوتها وهي تصرخ في وجه الورق: "كش ملك".
هذه إحدى متغيرات الزمن في سنوات غيابك.

أؤمن، وتؤلمني قوة إيماني، بأن الزمن لن يعود، ولا الأصوات التي اختفت من عالمنا،
ولا الوجوه التي غابت عن دنيانا ستعود.
فالوجوه حين تغادر الأزمنة تتحول إلى أمنية مستحيلة،
والأصوات حين تختفي من الأمكنة ينقطع صداها.

لكني أؤمن أن الزمن سيعيد ذكرك مرة أخرى، فأنت حكاية لن تتكرر على الأرض،
أنت خاتمة الغرائب، وآخر الصدف، أنت المعجزة التي تحتاج إلى إيمان قوي،
وإلى أرواح تصدّق أن خالقها على كل شيء قدير.

غابوا، رحلوا واحدًا تلو الآخر، ولم يبقَ منهم حولي الكثير،
كأنهم تناوبوا على صعود القطارات المغادرة من الأرض.
وجلست في مجالس العزاء بعين دامعة، وقلب مكسور،
وروح قلقة يفزعها السؤال: ترى من المغادر القادم؟

فعد قبل أن أدخل إلى القطار الأخير، وقبل أن يُضاف اسمي إلى قائمة الغياب.
عد قبل أن أنحني ولا أقوى على الوقوف، قبل أن أنكسر ويصعب جمع أجزائي،
قبل أن أغمض عيني وأدخل في عتمة لا يعيدني منها البشير،
قبل أن أخسر آخر عود ثقاب ويقتلني البرد فوق محطات انتظارك،
قبل أن تخذلني ذاكرتي وتُسقطك رغمًا عني.
عُد قبل أن أتخلى عن نفسي، وأتحول إلى فزّاعة على طريق مهجور،
أو قارب محطم فوق شاطئ تخلّى البحر عنه.

عُد...
لا تخذلني ولا تتخلَّ عني،
فأمي التي كانت تدفعني نحو محطات انتظارك وتمنحني القوة بإحساس قلبها بوجودك قد رحلت.
رحلت تاركة خلفها حلمها العظيم بعودتك.
لم تتركه على الطرقات ولا في زوايا المنازل المهجورة،
بل تركته في قلبي، ربطتني به كمشيمة تربط بين روحين.
أعلم أنك لم تخذلها ولم تتخلَّ عنها، فأمي تركت لي خلفها عنوانًا يأخذني إليك،
وشفرة لا يفك رموزها سواي.
عندها أدركت أن قميصك قد سبقني إليها...

عُد...
فأنا لست مجرد امرأة تنتظر عودتك، بل ذاكرة كاملة نذرت عمرها لغيابك.
كبرت وأنا أقيس العالم بمسافة بُعدك، وأنحت أيامي على صبر طويل.
فأنا الوسطى التي شبّت ملامحها على أرصفة انتظارك،
وكبرت وهي تعد المواسم موسمًا بعد موسم،
وسلّمت عصيها للعتمة عصًا بعد عصا،
مؤمنة أنك السند الذي لا يحتاج برهانًا، وظهري الذي لا ينحني،
وعصا اتكائي الوحيدة حين تخونني الأرض.

أنا التي أفنت عمرها تسرد حكايتك لهم جيلًا بعد جيل،
غير عابئة بسهام النظرات ولا بثقل الشكوك،
لأن من يؤمن لا يلتفت.
أنا التي كلما تداعى جسدي نحو السقوط تشبثت بذكراك فاستقام داخلي،
وكلما أوشكت على الانهيار استدعيت صورتك في الذاكرة فنهضت أكثر صلابة،
كأن الغياب كان درسًا في الصبر لا هزيمة.
أنا التي فككت اللعبة بصمت، وكشفت أوراقها بلا ضجيج، وقرأت الوجوه قبل أن تنطق،
فعرفت الأحبة من ارتعاش أصواتهم، والأعداء من فرط ودّهم،
ومضيت خفيفة كمن فهم كل شيء واختار السكوت.
أنا التي تفزع مع كل صوت، لا خوفًا بل رجاءً،
علّه يكون الأثر، البشارة، القميص الذي يعيد للروح لونها،
ويبرر كل هذا الصبر المؤجل.

أنا التي ما زالت واقفة خلف باب غيابك، لا أنتظر بل أحرس الوعد،
واقفة كما تقف الأشجار في العواصف،
لا عنادًا بل إيمانًا بأن الجذور لا تخون.

أنا التي آمنت بمعجزتك كما يؤمن الأنقياء، بلا سؤال، بلا شرط، بلا نهاية.

شهرزاد
03-23-2026, 05:40 AM
ولعلّك، في غيابك الذي اتّسع حتى صار زمناً كاملاً، تركتَ لي رسالةً تائهةً في أحد أركان هذا العالم…
رسالةً لم تضلّ طريقها عبثاً، بل اختبأت كما تختبئ الأسرار في قلب الزمن…
رسالةً لم تُخطّ بالحبر، بل خُبِّئت في مسامات الأشياء.
ربما تركتَها بين صفحات كتابٍ مهجور، لا لأنك وثقتَ بالورق، بل لأنك تعلم أنني سأفتّش في الصمت قبل الكلمات،وفي المستحيل قبل الممكن ..
أو أخفيتَها تحت سجادةٍ أثقلها صمتُ الأعوام وتشبّعت بخطواتٍ لم تعد تعود، أو أسندتَها إلى منضدةٍ أكل الدهرُ أطرافها، فصارت شاهدةً على ما تآكل من الحكايات.
وربما أخفيتَها في تجويف جدارٍ عتيقٍ يئنّ كلما مرّ عليه ظلّ، أو خلف ساعةٍ جداريةٍ تجمّدت عقاربها وتوقّفت عن الإيمان بالزمن منذ رحيلك، أو دسستَها في صندوقٍ وُضع إلى جوار سريري كقطعة فنٍّ صامتة، بينما تضجّ في داخله حياةٌ مؤجّلة. أو لعلّك خبّأتَها في حشوة وسادةٍ صغيرة تبتلع البكاء بصمت، أو في ظهر مقعدٍ خشبيٍّ أنهكه الانتظار حتى صار هو الانتظار ذاته، أو في قاع مزهريةٍ هجرتها الورود حين تعلمت القسوة من الأشواك، أو في شقّ بابٍ خشبيٍّ تشبّع بالغبار حتى صار الغبار فيه طبقةً من الزمن لا تُمحى…
أو… لعلّك لم تُخفِها في مكان، بل أخفيتَها في فكرةِ البحث نفسها.

أما تشعر أنني لا أبحث عن رسالة، بل أبحث عنك حين كنتَ تُخفي الأشياء لتجدني؟
أنني أتنقّل بين هذه الأمكنة لا كمن يفتّش، بل كمن ينهار بهدوءٍ في كل زاوية، كأنّ كل احتمالٍ باب، وكل بابٍ خيبة؟

وأنّ كل هذه الأمكنة ليست إلا خرائط لوَهني، وممرّاتٍ لبحثي المرهق، وأنا أتعقّب أثرك كما يتعقّب الغريق آخر خيطٍ من الضوء؟

وأنّ بحثي لم يعد بحثاً، بل صار هيئةً أخرى للفقد… طريقةً أنيقةً لأقول إنك غير موجود؟

حتى عطرك… ما زلت ألتقطه من هواءٍ عابر، وأتبعه كأنني أسير خلفك في طريقٍ مظلمٍ مزدحمٍ بالمخاوف، لا يدلّني عليك سوى ذلك الأثر الخفيّ الذي لا يخطئه قلبي.
فعطرك لم يعد رائحة، بل صار دليلاً هشّاً أتتبّعه كما يتتبّع التائهُ وهمَ النجاة، أسير خلفه في طرقٍ معتمةٍ مكتظّة، وأنا أعلم ؟ في مكانٍ ما من قلبي أنني لن أصل…
لكنني أيضاً… لا أتوقّف.