أحمد الهسي
04-26-2026, 11:41 AM
سبحان الله وبحمده..
سبحان الله العظيم..
سلامٌ راودَتهُ ابتِساماتِكُم فارتقى قاصداً واحةً من عِتَابِكُم الدافئ..
تُغريهِ رَحَابَةٌ تتأمل أعذارنا بحنان.. ومثلكم بالحُب أوفى وبالقُرب أولى..
عُدنا من المعركة.. بأنصافِ أرواحنا على أفضل تقدير.
بين فاقدٍ ومفقود.. أضَاعَت الأيام برُعُونَةِ إقدامها ثُلُثاً خَبَّأ فيه أحلامه، وجزءاً ادخر فيه ذكرياته السعيدة..
ما بقي معي سِوَى شَظَاياً مجهدة لا تكاد تكفي صوراً لمن رحلوا..
حذاء أبي بقي بجانب باب المنزل عندما غادر للمرة الأخيرة.. لم يجرؤ أحدٌ على ارتدائه أو حتى على حمله، عكازه الخشبي المُعَلَّقُ على جدار غرفته رأيت أن مقبضه استعاد الحياة، ربما كنت أحلم وربما نبتت عليه وصيته
أنا لم أعد أفهم لغة الراحلين.
هل كان الخلودُ حِملاً ثقيلاً على البِرِّ؟!
رحل في أول يومٍ من العام الماضي، بقيت أمامه شاهداً مشدوهاً أحاول فك طلاسم الانتقال بين عالمين.
أراقب بصمتٍ آخر زفراته.. حركاته.. ملامحه.. وأخيراً سكونه الأبدي.
لم أكن عَهِدتُ الموتَ قَبلَ هذا اليوم، وعندما واجهته كان التَجَلِّي أصعبُ من الوصف، والشفاء أشدَّ ألماً من الجرح!
أحقاً هكذا هو الموت؟!!!
حديثٌ مشوهٌ لا تفهم منه سوى الآهات، حروفٌ تبعثرت في كل الاتجاهات..
أبي لم يتحدث لكنني أسمع صوت وداعه لي وإشفاقه علي، كيف عساي أن أكبر بعد أن سالت الأيام من وجه أبي وعرفت ماذا يُكتَبُ في "آخر التقويم"!
ماذا لو وُلِدَ أبي من جديد؟
هل سيكون للبِرِّ معنىً مختلف؟!
ثم ماذا لو أَفلَتُّ يده قبل أن يُفلِت يدي، هل كنت سأقنَعُ بعد ذلك بانتصاري على الوداع؟
شعرت ببرد يده في لحظات الاحتضار، لامس نخاع روحي كأنما يقول لي: خذ عهدك القديم معك وعش كما تشاء، ومت قبل أن يمطر عليك العمر عجزاً ومرضاً!
مرت ساعة ونصف، والنصف هو ما أذكره!
رجلٌ يرتدي معطفاً وبيده حزمة أوراقٍ وقلماً يتربص بالأعمار، يقترب من أبي يراقبه كما فعلت، لكنه لم يكن يبحث عن وصية!
سألني بصوتٍ ناعس: هل أنت مرافقٌ معه؟
قلت له بصوتٍ يائس: هل دخل والدي في غيبوبةٍ مرةً أخرى؟!
قال بصوتٍ متنهد: لا حول ولا قوة إلا بالله.
أمسك بيدي وقادني للخارج، وضع أوراقه جانباً، أمسك بسماعة الهاتف وخلال ثانيتين سمعته يقول: نعم الغرفة 405، الحالة الثانية، نَقلٌ إلى الطرف الآخر من المشفى، نعم ولده هنا، لا أعرف، لا أعرف من الأفضل تأجيل الإبلاغ حتى نستكمل الإجراءات النظامية، نعم صحيح، شكراً لك.
شعرت به يريد التحدث إلي ليخفف عني، لكنه غادر المكان بلطف.
لا أعلم سبباً واحداً يبرر لحاقي به حتى كدت أن أربت على كتفه ليقف، غير أني قرأت لافتةً لم أكن قرأتها طيلة الشهر المنصرم (قسم الملاحظة المشددة).
لقد كنت واهماً بعودته معي إلى المنزل، لم أكن شجاعاً بما يكفي لتصديق حديث الأطباء عن حالة والدي وعن الفوضى التي تحدث في كبده، ما الذي تتحدثون عنه؟ أنا لا أفهم صعوبة الأمر!
استبدلوا كبده وسيعود معي للمنزل!
يا هندسة والدك على مشارف السبعين!
من فرط كرمه لم يرفض مرضاً زاره حتى أحسن استقباله!
فَمَ؟!
هذا عملكم الذي تؤجرون عليه!
ثم إن أبي لا يعرف السبعين
خذوا كبدي وأعيدوه لي.
أنا لست طبيباً ولا أحسن ما تحسنه!
ليت الأمر بتبادل المعاطف يا بني، الجسد هنا قرر اكتفاءه.
عد إلى البيت وحدك وادعُ له بالعمر المديد، ولكن تذكر في النهاية سيموت أحدكم ويبكي الآخر عليه.
(لقد تجندت بالجهل حتى لا أصدق أن أبي يموت يوماً!)
عندما كنت أسمعهم يخبرون الطبيب بوفاة أحد المرضى كنت أقول في نفسي حالةٌ استثنائية.. إهمال الأطباء.. أو ربما وصلهم المريض بعد موته، أي شيءٍ يبعد أشباح الحقيقة عني.
وها أنا ذا أمسك بالقلم مرتجفاً كمن أجبر على شهادةِ زورٍ، وأقرأ ما كُتِب في الأوراق جاهداً أشيح نظري عن اسم والدي إذا قرأت حرفه الأول.
لا أريد أن أذرف حبراً على ورقةٍ، يختصر فيها القدرُ تاريخَ رجلٍ عظيم.. في خانة اسم المتوفى.
"لم أعد أتذوق نعيم السعادة من بعد جحيم الفراق، أعيش الآن في رغد اللاشيء.. كل الظلال رمادية، وألوان الحياة حيادية حتى مفترقٍ آخر.. ليتي أعود إليَّ فحسب."
سبحان الله العظيم..
سلامٌ راودَتهُ ابتِساماتِكُم فارتقى قاصداً واحةً من عِتَابِكُم الدافئ..
تُغريهِ رَحَابَةٌ تتأمل أعذارنا بحنان.. ومثلكم بالحُب أوفى وبالقُرب أولى..
عُدنا من المعركة.. بأنصافِ أرواحنا على أفضل تقدير.
بين فاقدٍ ومفقود.. أضَاعَت الأيام برُعُونَةِ إقدامها ثُلُثاً خَبَّأ فيه أحلامه، وجزءاً ادخر فيه ذكرياته السعيدة..
ما بقي معي سِوَى شَظَاياً مجهدة لا تكاد تكفي صوراً لمن رحلوا..
حذاء أبي بقي بجانب باب المنزل عندما غادر للمرة الأخيرة.. لم يجرؤ أحدٌ على ارتدائه أو حتى على حمله، عكازه الخشبي المُعَلَّقُ على جدار غرفته رأيت أن مقبضه استعاد الحياة، ربما كنت أحلم وربما نبتت عليه وصيته
أنا لم أعد أفهم لغة الراحلين.
هل كان الخلودُ حِملاً ثقيلاً على البِرِّ؟!
رحل في أول يومٍ من العام الماضي، بقيت أمامه شاهداً مشدوهاً أحاول فك طلاسم الانتقال بين عالمين.
أراقب بصمتٍ آخر زفراته.. حركاته.. ملامحه.. وأخيراً سكونه الأبدي.
لم أكن عَهِدتُ الموتَ قَبلَ هذا اليوم، وعندما واجهته كان التَجَلِّي أصعبُ من الوصف، والشفاء أشدَّ ألماً من الجرح!
أحقاً هكذا هو الموت؟!!!
حديثٌ مشوهٌ لا تفهم منه سوى الآهات، حروفٌ تبعثرت في كل الاتجاهات..
أبي لم يتحدث لكنني أسمع صوت وداعه لي وإشفاقه علي، كيف عساي أن أكبر بعد أن سالت الأيام من وجه أبي وعرفت ماذا يُكتَبُ في "آخر التقويم"!
ماذا لو وُلِدَ أبي من جديد؟
هل سيكون للبِرِّ معنىً مختلف؟!
ثم ماذا لو أَفلَتُّ يده قبل أن يُفلِت يدي، هل كنت سأقنَعُ بعد ذلك بانتصاري على الوداع؟
شعرت ببرد يده في لحظات الاحتضار، لامس نخاع روحي كأنما يقول لي: خذ عهدك القديم معك وعش كما تشاء، ومت قبل أن يمطر عليك العمر عجزاً ومرضاً!
مرت ساعة ونصف، والنصف هو ما أذكره!
رجلٌ يرتدي معطفاً وبيده حزمة أوراقٍ وقلماً يتربص بالأعمار، يقترب من أبي يراقبه كما فعلت، لكنه لم يكن يبحث عن وصية!
سألني بصوتٍ ناعس: هل أنت مرافقٌ معه؟
قلت له بصوتٍ يائس: هل دخل والدي في غيبوبةٍ مرةً أخرى؟!
قال بصوتٍ متنهد: لا حول ولا قوة إلا بالله.
أمسك بيدي وقادني للخارج، وضع أوراقه جانباً، أمسك بسماعة الهاتف وخلال ثانيتين سمعته يقول: نعم الغرفة 405، الحالة الثانية، نَقلٌ إلى الطرف الآخر من المشفى، نعم ولده هنا، لا أعرف، لا أعرف من الأفضل تأجيل الإبلاغ حتى نستكمل الإجراءات النظامية، نعم صحيح، شكراً لك.
شعرت به يريد التحدث إلي ليخفف عني، لكنه غادر المكان بلطف.
لا أعلم سبباً واحداً يبرر لحاقي به حتى كدت أن أربت على كتفه ليقف، غير أني قرأت لافتةً لم أكن قرأتها طيلة الشهر المنصرم (قسم الملاحظة المشددة).
لقد كنت واهماً بعودته معي إلى المنزل، لم أكن شجاعاً بما يكفي لتصديق حديث الأطباء عن حالة والدي وعن الفوضى التي تحدث في كبده، ما الذي تتحدثون عنه؟ أنا لا أفهم صعوبة الأمر!
استبدلوا كبده وسيعود معي للمنزل!
يا هندسة والدك على مشارف السبعين!
من فرط كرمه لم يرفض مرضاً زاره حتى أحسن استقباله!
فَمَ؟!
هذا عملكم الذي تؤجرون عليه!
ثم إن أبي لا يعرف السبعين
خذوا كبدي وأعيدوه لي.
أنا لست طبيباً ولا أحسن ما تحسنه!
ليت الأمر بتبادل المعاطف يا بني، الجسد هنا قرر اكتفاءه.
عد إلى البيت وحدك وادعُ له بالعمر المديد، ولكن تذكر في النهاية سيموت أحدكم ويبكي الآخر عليه.
(لقد تجندت بالجهل حتى لا أصدق أن أبي يموت يوماً!)
عندما كنت أسمعهم يخبرون الطبيب بوفاة أحد المرضى كنت أقول في نفسي حالةٌ استثنائية.. إهمال الأطباء.. أو ربما وصلهم المريض بعد موته، أي شيءٍ يبعد أشباح الحقيقة عني.
وها أنا ذا أمسك بالقلم مرتجفاً كمن أجبر على شهادةِ زورٍ، وأقرأ ما كُتِب في الأوراق جاهداً أشيح نظري عن اسم والدي إذا قرأت حرفه الأول.
لا أريد أن أذرف حبراً على ورقةٍ، يختصر فيها القدرُ تاريخَ رجلٍ عظيم.. في خانة اسم المتوفى.
"لم أعد أتذوق نعيم السعادة من بعد جحيم الفراق، أعيش الآن في رغد اللاشيء.. كل الظلال رمادية، وألوان الحياة حيادية حتى مفترقٍ آخر.. ليتي أعود إليَّ فحسب."