تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : أمواج بلا شاطئ


الصفحات : 1 2 3 4 5 6 7 [8] 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20

عبدالله الدوسري
12-24-2007, 07:00 AM
( 57 )

* كهرمانة الوقت *

صار الصوت مطرا ،،
مطرا لؤلؤيا مبهرا ،،
أزهر التراب بداخلي أشجارا تطرح زينة النساء
من الأحمر ،، ورود تتناثر منها ،،
شممت ليمون وياسمين وعطر رمان وريحان

صار يتنفس حولي ،،
سمع نداءات فتن المسرات ،،
كان القمر هائلا في خدره ،، كان رقيقا كشمس الشتاء
ملأ كفي فأصبح شفافا ،،
وحلقت في جيدها طيور تغني بما أحبته من تمائم

والأرض رفعها لتطفو في الهواء
خالصة من الجاذبية ،،
نافذة هنا ونافذة هناك ،،
جمل الموسيقى تطل من المفاتن

الكلمات تجري أمامي ،، تتنصل وتتصل ،،
تموت وتعود من الموت ،،
تقتلها عذوبة اللون والفستان وشق النصل ،،
تكشف وتشف ،، ألسنة اللهب البارد ،،
تفاجئ أخضر الشجر بالنسائم

وكأن الصوت تحول من ماء يطفئ الظمأ ،،
إلى حريق يلتهم العالم ،،
الجنة والجحيم يمران معا ،، يدا بيد ،،
يتصارعان قلبي ،،
كن أنت تكن كل شئ

نوبة نبل واحدة ،، ندبة واحدة ،، تحولك إلى لا شئ
الأرواح تتعرف على أجسادها ،،
وأحشاء الليل تلاحقني ،، جيدا لم يكن تحنيطي
ومن الغريب أن الدم ازدهر بألواني ،،
برغم ما يقطن عميقا بداخلي ،، ملقى في عتمة قلمي

يرسل بين الحين والحين قطرة ضوء ،،
ترتعش بزيت القنديل ،،
هذا الكهف يا سيدتي ،،
حدثني عن عطاياك ،، فأتت بي كنوز الهواجس
خبأت كهرمانة الشوق تحت ثيابي ،،
وأوغلت بها في بهاء المساحات

كانت البروق تفتح لي ،،
وتوسع لجسدي مكانا تحت صنارة الصيد ،،
وكانت أصابعك تخرج من قوس الأفق،،
تلملم غزلان الأحلام التي تفر من شباك الأرض ،،

ولا زلت أذكر ،، همسك يخاصرني فوق صفحة الوعي ،،
والعشب ندى ،، والأشجار تستحم بك
وصوت قريب مما يبعثره الحلم ،،
فهل كنت شارعة في اقتنائي منذ بدء إرتحالي ،،
أم أن موتي كان اكتشافا فريدا لك ،،

سيدتي ،، منحتك كهرمانتي ،، ففيم يفيدك قتلي
هي أنت إذن ،، بهجة بحجة طينية تمتشق الوقت ،،
وتسدد غيابها لجسد الرقص ،،
وترسل نبوءتها راعدة في فتوق الرياح

هي أنت إذن ،، ينسجك العشق يدا وأداة ،،
موعدا شتويا في نصل الظهيرة ،،
وشبق الينابيع
سيدتي ،، إني لا أحتمل ما تنفثه الذاكرة على كهرمانة قلبي ،،
إني أنتظر غيابك أن يأخذني

عبدالله الدوسري
01-01-2008, 11:55 PM
( 58 )

* وشوشات رمل *


كانت تجاذبني التودد ،،
وتطارحني التهجد ،،
في سكون الموج ،، نبني كوخنا البحري ،،
وشوشات رمل ،، وشعر حزين ،،

حتى بقايا المراكب ،، كنت أجمعها

وأحظى بابتسامات الطفولة ،، أبني عشا ،،
لعصفورين مبتلين
يدنو صاحبي ،، من صخرة الوصل التي ،،
اقتلعت عند انشراح البوح

أقرأ سره ،، فيضمني كقصيدة ،،
مثلي ،، تجاذبه التودد ،،
أو تطارحه التهجد ،،
ننتهي نصفين ،،
تربطنا بمخلب روحها


كانت كالنقش القديم ،،
كالتماثيل ،،
عند باب البحر ،، لا تثب الفوارس للأمام ،،
الخوف مشدود على أقدامها ،،
والشاطئ ،، كخيوط الزمان خلف الذاكرة
قد أدركته لعنة الكهان ،، في الزمن الجديد


دخلت حديقة الأموات ،، كي أرنو إلى المجد الذي ،،
قد أتاه عصر الأفول ،، البعث ،،
قلت : أشق الغيمة الجيرية ،، الصخر،،
الرخام ،، المرمر،،
العاج ،، المحنط فوق شاطئ السحر

عند الجفن ،، تحت الرمش ،، جميلة

لكنهم لم يفهموا سر البساطة ،،
والتمرد في طبيعتها الأنيقة ،،
تعري خصرها ،، عند السواحل البكر
ساحرة ،، رآها معظم رواد المعبد ،،
تزرع في الرمال الطلاسم ،،
لم يفهموا سر الأنوثة


لجنوني أشرعة في صحو المنام ،،
جنوني يخطفني من عقلي ،، يجرفني ،،
يحاور شجني ،، ويغامر في نفسي
يوقظ صوت الفيروز ،،
الراقد بين دمي ،، وفمي
يسمع خرير الماء ،، الدافق من نغمي ،،
كعرق النور بخارطتي ،، وطعنة في أغنية قديمة

يجمع أطفالا بثياب العيد ،،
ويطلقهم فوق الدفتر

ما بين الزمن الواقف ،، والشجن المتحرك ،،
يتعكز موالا في اليأس الأخضر ،،
يتهجى العشب ،، لتنهض بين يديه أقاليم القحط ،،
وتسبح في الماء دمعة ،، حتى تزهر ،،
فتجاذبني التودد ،، وتطارحني التهجد

عبدالله الدوسري
01-06-2008, 05:34 AM
- 59 -

* وداع 2001*
ثرثرة قديمة
الحياة ماضية بكل أضوائها كأن شيئا ً لم يكن ،، كل مخلوق ينطوي على سره وينفرد به ،، لا يمكن أن أكون الوحيد ،، لو تجسدت خواطر الباطن لنشرت جرائم وبطولات ،، بالنسبة لي انتهت التجربة من جراء حركة عمياء ،، لم تبق إلا جولة وداع ،،
عند مفترق الطرق تحتدم العواطف وتنبعث الذكريات ،، ما أشد اضطرابي ،، تلزمني قدرة خارقة للسيطرة على نفسي ،، وإلا تلاشت لحظات الوداع ،،
انظر وتأمل كل شئ ،، وانتقل من مكان إلى آخر ،، ففي كل ركن سعادة منسية يجب أن تذكر ،، يا لها من ضربة مفعمة بالحنق والغيظ والكراهية ،،
اندفعت بقوة طائشة ونسيان تام للعواقب ،، تطايرت حياة لا بأس بها ،،
انظر وتذكر واسعد ثم احزن ،، لأسباب لا وقت لإحصائها انقلب الملاك شيطانا ،، شد ما يلحق الفساد بكل شئ طيب ،، واقتلع الحب من قلبي فتحجر ،، لأتناس ذلك في الوقت القصير الباقي ،، يا لها من ضربة قاضية ،، ما الأهمية ؟! ،، هذا شارع التحلية يتحرك تحت مظلة من سحب الصيف البيضاء ،، الأبخرة المتصاعدة من صدري تغبش جمال الأشياء ،، وغمزات الحنين من الماضي البعيد تطرق أبواب القلب ،، سيارتي تجرني إلى زيارة أختي ،، وجهها الهادئ يطالعني وأنا أعبر الفناء ،،
يشيع السرور من عينيها وتقول : خطوة عزيزة على غير توقع ،،
جلست أنتظر ما ستجود به يداها من شاي أو عصير ،، نظرت إلى صورة على الحائط تجمع زوجها وأخي الأكبر ،، تأملت الصورة قليلا ً ولا أدري لم شعرت بالعطش ،،
رجعت بالشاي وهي تتساءل : متى ستبدأ امتحاناتك ،، لقد سألتني أمي بالأمس ،،
قلت : كيف حالها ،،
قالت : بخير ،، ألا تكلمها ،،
قلت : ما إن نبدأ الحديث حتى تثير الموضوع القديم ،، على فكرة أين البغل ؟! ،،
نظرت إلي بعتاب ،، فقلت سريعا : ستشغلني الامتحانات قليلا عنك ،،
قالت : وكيف أطمئن عليك ؟! ،،
قلت : سأزورك غدا ً
غدا ً !! ،، ها هو الطريق من جديد ،، انظر وتأمل وانتقل من مكان لآخر ،،
هذه البقعة من الشاطئ وحيدة أيضا ،، خالية من البشر والأمواج فيها تصطفق منادية بلا مجيب ،، القلب يخفق تحت غلاف الهموم المحكم ،، ساعة خرجت من الماء بجسمها الرشيق مخضبة الإهاب بلعاب الشمس ،، هرعت إلى الشاليه لتجلس بجانبي ،، غمرني ارتياح ابتهج له قلبي ،، لحظات من السعادة الصافية لا تشوبها شائبة ،، لا تتكرر ،، تأبى أن تتكرر ،، تطوف بقلبي الآن على هيئة حنين طائر ،، له وجوده الدافئ رغم تمزق الخيوط التي ربطته يوما ً بالواقع ،،
وقول أختي ذات يوم : قلبك طيب والقلب الطيب لا يقدر بثمن ،،،
حقا ؟! ،، من إذن القائلة : لا يوجد من هو أجفى منك ،، ومن القائلة : ربنا خلقك لتعذيبي وتعاستي ،،
كان على الحب أن يصمد أمام خلافات الأمزجة ،، ولكن الخلافات قضت على الحب ،، كلانا عنيد شعاره كل شئ أو لا شئ ،، أنت مجنونة بل أنت متخلف ،، عانى الحب بيننا حتى كاد أن يلفظ أنفاسه ،، اختنق في لجة الجدل والخصام المستمرين ،، والشتائم المتبادلة ،، ولكن في هذا المكان بالذات ،، صارحتها واعترفت لي ،، ترى متى كان ذلك ؟! ،، أيام الأحلام والسلوك المثالي ،،
أسمع نغمة جميلة تهيم رغم تقصف جميع الأوتار التي عزفتها ،، يا لها من ضربة قاضية ،، ترى هل سال الدم من جبينه ؟! ،، ماذا حدث بعدها في الكلية ؟! ،، هل سمعت بما حدث ؟!،، طالب تشاجر مع الوكيل!! ،،
لم لا تكون الحياة أحلام دائمة ؟! ،، آه يا أقنعة الأكاذيب التي نتوارى خلفها ،، لا غنى عن وسيلة ناجحة لمعرفة النفس ،، أليس كذلك يا بحر ؟! ،، لا تجبني ،، فغدا ً سأثقل عليك بترهاتي ،،
أريد أن أرى وجه أخي بعد أسبوع أو شهر ،، لم أكر في الهرب قط ،، ولكن البحر سحرني منذ قديم ،، وجاءت إلى الجامعة شركة للنقل البحري في يوم المهنة ،، كان ذلك قبل فترة طويلة أما غدا ً فهو موعد سفري للعمل على إحدى سفنها ،،
في الانتظار حتى النهاية ،، لولا هيامي الأخير بالوداع لذهبت بنفسي ،، لم أسع إلى نبذ الحياة باختياري ،، انتزعت من بين يدي عنوة ،، ما قصدت هذه النهاية أبدا ،، ما زلت في الواحدة والعشرين ،، ورغم المعاناة فالحياة حلوة ،، وإذا غضبت أمي فقد حاقت بي اللعنة ،،
متى أتناسى كل شئ وأخلص للوداع ؟! ،، انظر وتأمل وانتقل من مكان لآخر ،، المواعيد ،، يشعر من يخرج مع فتاته أنه يتحفز لامتلاك الدنيا ،، ويشعر بأن السعادة قد تكون أي شئ إلا أن تكون كالأحلام ،، يا للسذاجة ،، وأقول لها :هل نذهب ؟! ،، فتقول: إذا أردت أنت ،،
الرقة والعذوبة الملائكية ،، متى وكيف ظهر الجنون ؟! ،، ولكن كيف هيمن علي شعور بخيبة الأمل ؟! ،،
قلت : قد أنسى نفسي وقت الغضب ،، لكنني لا أغضب إلا لسبب ،،
قالت : وبلا سبب ،، إنه سوء الفهم ،،
انظر وتأمل وانتقل من مكان لآخر ،، جدة حلم للسفر ولكنها ليست في الأصل مصيف ،، ليكن الغداء سمكا ،، املأ بطنك وحركه بشئ من الأشياء ،، وها هي الصور تطوف بي ،، هذا المكان جلسنا فيه سويا ،، وتعلمت حينها قراءة رسمك ،، أتذكرين ؟! ،، اهدأ يا اضطرابي فاليأس إحدى الراحتين ،، ألم يكن الأفضل أن أرحل مع الذين رحلوا ؟! ،،
بيد الأقدار لا بيدك ،، أي متاعب تهون إلى جانب جحيم الكراهية ،، نتبادل الكراهية دون خفاء ،، طعام هذا المطعم ردئ فكيف تناولته بشهية ؟! ،، حقا ً لليأس سعادة لا يستهان بها ،،
وترامت أغنية أنا والعذاب وهواك فارتجف قلبي ،، كيف العذاب وأين الهوى ،، كيف تتلاشى السعادة بعد أن كانت أقوى من الوجود نفسه ؟! ،، تتطاير من القلوب لتعلق بأجواء الأماكن بعد اندثار مصدرها ،، ثم تقع كالطيور على مياه البحر فتزخرفها بوشى أجنحتها ثواني من الزمن ،،
أنا والعذاب وهواك وصباح اليوم تلك الضربة القاضية ،، إذا تعكر قلبك فهيهات أن يصفو ،، يا ذا القلب الأسود لم يجد اعتذار أو مجاملة أو تودد ،، اختلط الانتقام بتكاليف الاحترام ،، ونضب معين الرحمة ،، من أجلك يا أماه ،، وحامت الأحلام حول الهروب من جديد ،، ولكن جفت رغبات القلب وأطبقت عليه الوحشة ،، أما أنت يا أخي فليس ثمة ما أريده سوى رؤية نظرتك ،، والغريب أنك محور حياتي كلها ،، وهذه السيارة أثيرة لديك ولم تؤثرها علي ،، يداك تلفان عنقي بلا إخطار ،، إنه جنون متوارث ربما ،، لا عزاء عندك ولا عزاء لك ،، إذا لم يكن ذلك كذلك فأي خير ترجو في هذا الوجود ؟! ،،
آه ،، انظر وتأمل وانتقل من مكان لآخر ،، بحق الحياة الضائعة ،، عش الساعة وانس الماضي تماما ،، املأ عينيك فما تغادره لن تراه مرة أخرى ،، كل لحظة هي اللحظة الأخيرة ،، من دنيا لم تشبع منها ولم تزهد فيها وانتزعت من بين يديك في هوجة غضب ،، أي شارع من هذه الشوارع لم يشهدنا معا ،، أقسى عقوبة أن تودع الأشياء الصامتة ،، وفي عنفوان الرجولة والرشاد ستعرف ،،
وهذا هو البحر ،، والغرق في حوار غنائي بين قلبين حالمين باليقظة ،، هل يكفي يوم واحد للطواف بمعالم دهر ؟! ،، لم لا نسجل الاعترافات العذبة والأحاديث الأخوية في أبانها لعلها تنفعنا وقت الجفاف ؟! ،،
الذكريات كثيرة مثل أوراق الشجر والحياة قصيرة مثل السعادة ،، السعادة التي تغيّب الوعي حين حضورها وتراوغ بعد زوالها ،، ومن لك بمن يجمعكما معا ؟! ،، لا سبيل إلى ذلك اليوم ،، ولو تيسر لانتهى كل شئ قبل الأوان ،، وما جدوى ادعاء صفاء لا وجود له ؟! ،، اليأس وراء انزلاقك فيه ،، دون اكتراث للأيام ،، ليس هو كذلك ولكنه نزوة انتقام ،، ليتك وقفت عنده ولم تعبره للضربة القاضية ،،
المساء يهبط والبحث سيشتد ولا شك ،، فلتنظر حتى يكل الظلام ،، الجميع هنا ،، ربما تكون المنفرد الوحيد بنفسه ،، معذرة يا أصدقاء ،، استقبلت الصباح بنية صافية ،، ولكنه الغضب يلوح بنا فوق المحاذير ،، ضرعت إلى الساعة أن تتأخر دقيقة واحدة ،، ولما تلاشت التواترات العنيفة لم يبق إلا اليأس بوجهه الثلجي الأبكم ،، وجلت جولة الوداع يتبعك الموت حينا ً ويتقدمك حينا ً آخر ،، بلوت وثرثرة وأرجيلة ،،
انظر وتأمل ،، واختزل العمر في ساعات فتعرف الحياة أكثر من أي وقت مضى ،، ما أسعد الناس حولك ولو وقفوا على سرك لسعدوا أكثر ،، لم يعد في الوقت بقية ،، عما قريب سيقتربون منك ،، أنت ؟! ،، أجل ،، من هنا ،، كنت في انتظاركم ،،

عبدالله الدوسري
01-08-2008, 01:10 AM
أخشى أن يختفي البحر من النافذة ،،
وأن ينفرد المتسكعون بأسراره ،،
أخشى أن يكتشفوا الأرض ،،
وأن يقتسموا الماء بدوني

وأخشى أن يحسبني العابر رملا ،،
أو يتركني في الصحراء فلا أخضر ،،
ولا أتذكر رائحة العشب

أخشى أن تتسع ثقوب شباكي ،،
فأعود بقصص المساكين ،،
وبقايا سفن غارقة

عبدالله الدوسري
01-28-2008, 04:56 AM
( 61 )

* تأتين في عيني *

لماذا لا ينتهي العالم عند نقطة ،،
ويتلاشى كل ميناء مهجور ،،
ونلقي بأنفسنا من شرفة مغلقة ،،
ونكنس الذاكرة من أنات يائسة ،،
أرعشت الجدران يوما ،،
هذا أوان الآهات ،، يتأبط عصيانه ،،
ويفلت سربا من الأشواق ،،
تداعب المصابيح ،، لتسقط الغيمات في حجرها

فتأتين قلت ،، وكالصمت خلف السؤال ،،
وتأتين صوت الرعود ،،
وضوء البروق ،، وقذف المطر
تأتين كالعشب على الصدر ،،
وفي النار عبر اللهيب ،،
وفي الحلم حلما ،، فراشا لعوبا ،،
يداعب ثغر الزهور
وتأتين ثوبا بلون السراب ،،
أتى ،، وكم تهادى كأشرعة السفن
من العين تجوب المدن ،،
وبين المحار تبحث عن دانة من عقيق ،،
عروسة بحر تشد الخيال بعينيها

زوابع نظرة وريح حنون ،،
وموجة تصافح شاطئ أمين
غزلت من الصبر ثوبا ،،
غرست من الحلم دوحا ،،
وبين فيافي التشرد بعض الظلال
أعيدي إلي الضوء ضوءا ،،
وطوفي مع الفجر صوب النهار
إلى كم تغيبين ،،
سيبقى السؤال الذي في الملامح ،،
نصلا يعربد فوق الجراح ،،
ونوما يخاصم بحر العيون

عبدالله الدوسري
02-10-2008, 04:28 AM
أوقفت السيارة في جانب من الطريق المقفر وغادرتها إلى ظلمة شاملة ،،
ظلمة غريبة كثيفة بلا ضوء إنساني واحد ،،
ولا أذكر أني رأيت منظرا مثل هذا من قبل ،، فقد اختفت الأرض والفراغ ووقفت مفقودا تماما في السواد ،، ورفعت رأسي قبل أن تألف عيناي الظلام ،، فرأيت في القبة الهائلة قطعان من آلاف النجوم في عناقيد وأشكال ورسوم ،،
وهب هواء جاف لطيف منعش موحد بين أجزاء الكون ،، وبعدد الرمال التي أخفاها الظلام انكتمت همسات أجيال وأجيال من الآلام والآمال والأسئلة الضائعة ،، وقال شئ أنه لا مكان ما إلى الأبد ،،
وقد يتغير كل شئ إذا نطق الصمت ،،
وها أنا أضرع إلى الصمت أن ينطق ،،
وإلى حبة الرمل أن تنطق قواها الكامنة وأن تحررني من قضبان ألمي المرهق ،، وما يمنعني من الصراخ إلا انعدام ما يرجع الصدى


ونظرت نحو الأفق ،،

أطلت وأمعنت النظر ،، ثمة تغير جذب البصر ،، رق الظلام ،، وانبثت فيه شفافية صافية ،، وتكون خط في بطء شديد ومضى ينضح بلون وضئ عجيب ،، كسرّ أو عبير ،، ثم توكّد فانبعثت دفقات من البهجة والضياء والنعاس ،،
وفجأة رقص القلب بفرحة ثملة ،، واجتاح مخاوفه وأحزانه ،، وشد البصر إلى أفراح الضياء يكاد ينتزع من محاجره ،، وارتفع رأسي بقوة تبشر بأنه لن ينثني ،، وشملتني سعادة غامرة جنونية آسرة ،،
طرب رقصت له الكائنات في أربعة أركان ،،
وكل جارحة رنمت ،، وكل حاسة سكرت ،، اندفنت الشكوك والمخاوف والمتاعب ،، وأظلني يقين عجيب ذو ثقل يقطر منه السلام والطمأنينة ،،
وملأتني ثقة لا عهد لي بها وعدتني بتحقيق أي شئ ،،
أريد ،، وأريد ،، ولكني ارتفعت فوق أي رغبة ،،
وترامت الدنيا تحت قدمي حفنة من تراب ،، لا شئ ،، لا أسأل صحة ولا سلاما ولا أمانا ولا جاها ولا عمرا ،،
فلتأت النهاية في هذه اللحظة فهي أمنية الأماني ،،

ولا أدري كم لبثت ألهث وأتقلب في النشوة ،، أتعلق بجنون الأفق ،، وتنفست بعمق كأنما أسترد شيئا من قوته عقب شوط طويل من الركض المذهل ،،
وشعرت بدبيب آت من بعيد ،، من أعماق نفسي ،، دبيب أفاقني ،، ينذر بالهبوط إلى الأرض ،، عبثا ً حاولت دفعه أو تجنبه أو تأخيره ،، ولكنه راسخ كالقدر ،، خفيف كالحية ،، ساخر كالموت ،،
تنهدت من الأعماق واستقبلت موجات من كل شئ ،،
وأفقت والضياء قد اكتمل سحره وهو يضحك

رجعت إلى السيارة ،، قدتها بلا حماس ،، ونظرت إلى الطريق وقلت كأنما أخاطب شخصا ً أمامي : ما معنى ذلك ؟! ،،
هذه هي النشوة ،، اليقين بلا جدل أو منطق ،،
أنفاس المجهول وهمسات السر
وتساءلت وأنا أزيد من سرعة السيارة ،، ألا تستحق أن أنبذ كل شئ من أجلها؟!
وتساءلت متى يرن الهاتف ،،
العودة دون تغير ،، لا كراهية ولا حب ،، واختفاء التفسير دليل على اختفاء المعنى نفسه ،، ودليل انتصار نهائي على دنياها ،، وانتصار الغربة الزاحفة !! ،،

وانقطعت مغامرة الليل ،، وهبتني مسرات لا تتكرر ،،
والبحر يجري بلا توقف وأنا أسأل بلهفة متى تعود رحمة الفجر في الطريق
واعتكفت في البيت طول الليل ،، أقرأ وأتأمل ،،
حتى يجئ الفجر فأمضي إلى الشرفة وأنظر إلى الأفق ثم أتساءل ،،
أين الرحمة أين ؟! ،،
وهاهي ترانيم فارس والهند والعرب المليئة بالأسرار ،،
ولكن أين السعادة أين ؟!،،
ولم َ أشعر بالكآبة وأنا بين هذه الجدران الرحيمة ؟! ،،
وما هذا الشعور المقلق الذي يهمس لي بأنك ضيف غريب موشك على الرحيل ،، وإلى أين ؟! ،،

قال صديق ذات مرة ونحن نثرثر :
القلب مضخة تعمل بواسطة الشرايين والأوردة ،، ومن الخرافة أن نتصوره وسيلة إلى الحقيقة ،، وأنت لا تملك وسيلة ناجحة للبحث عن نشوتك أو ما تسميه بالحقيقة المطلقة ،، فتلوذ بالقلب كصخرة نجاة ،، ولكنه يا عزيزي مجرد صخره ،، وسوف تتقهقر بك إلى ما وراء التاريخ وبذلك يضيع عمرك هدرا ،، ولن تبلغ أي حقيقة جديرة بهذا الاسم إلا بالعقل ،،
عدت إلى ذاكرتي وأنا أقول له : إني أسمعك ،،
فلم تشهد معي الفجر في الطريق ،،
لم تشعر بالنشوة التي تحقق اليقين بلا حاجة إلى دليل ،،
لم تطرح الدنيا تحت قدميك حفنة من تراب

وخرس الفجر ،، على الشاطئ أو في الشرفة أو في الطريق أو في البيت ،،
خرس الفجر ،، وليس من شاهد على أنه تكلم ذات مرة إلا ذاكرة محطمة ،،
وإدامة النظر والتطلع إلى أعلى واحتراق القلب لا تجدي شيئا ،،
والجوانح تنطوي على لوعة مشتعلة صراخها يصك الكون بلا أمل ،،
وسخريات الشعر ،، والشَعر الأسود المثير ،، والعينان اللتان تسيلان جاذبية ناعسة ،، والأطياف الباكية ،، ما هي إلا أشباح تهيم في رأس أجوف ،،
وضحكاتها في الهاتف تنعي أي أمل ،، وأما صخبها في اللقاء فنذر راهب يبشر بالعدم !! ،،

وخاطبت المقاعد والجدران والنجوم والظلام ،، وخاصمت الخلاء ،، وغازلت شيئا ً لم يوجد بعد ،، حتى أراحني أمل قاتم فوعدني بالخراب الشامل ،،
وقد هان كل شئ ،، وتهتكت القوانين التي تحكم الكائنات ،،
وقد قلت لصديق العمر : أي خطأ كانت تلك الهدنة التي أرجعتني ؟! ،،
وقلت للهاتف الذي يرن : سمعا ً وطاعة ،،
سأرحل عن المأوى المكتظ بالعواطف المتطفلة المعوقة ،، ولم يبق من تسليات إلا أن أرقص أمام البحر أو أقفز من فوق أعلى جسر أو أقتحم الهيلتون عاريا ،، فيقينا أن روما لم يحرقها نيرون ولكن ضرمتها الأشواق اليائسة ،،
كذلك تزلزل الأرض وتتفجر البراكين

وقالت : أين كنت طيلة الليل ؟! ،،
قلت : أهلا ً عزيزتي ،،
قالت : أين كنت ،، أين أنت الآن ؟! ،،
قلت : آن الأوان لأن أفعل ما لم أفعله في حياتي وهو ألا أفعل شيئا ،،
قالت : حدثني بلغة القلب ،،
فقلت : القلب ،، إنه مضخة !! ،،

الحق أن ما يكتنفني من طنين يمنعني من حسن الاستماع إلا إلى الصمت ،،
وأنا بحال من التوتر يسهل معها الجهر بأي سر ،، فمتى ينتهي الحديث ،،
ومن اليسير أن أخمن ،، ولكن لا أهمية لذلك ألبته ،، ولعله حق ،، إني أخاطب الجماد والحيوان وأناقش الكائنات المنقرضة ،، وأرى أحيانا ً وأنا أنطلق بسيارتي الأرض المتماسكة وهي تتفتت ثم تتحول إلى شبكة مترامية من الذرات حتى أضطر إلى التوقف ،، وأحيانا ً وأنا أرنو إلى شجرة أو البحر تتحقق للمنظور شخصية حية ،، وتتخذ هيئة ملامح خفية لا يعوزها الشعور أو الإدراك ،، ويخيل إلي البحر أنه يرامقني في حذر ،، وأنه يضع وجوده بإزاء وجودي أنا على مستوى الند للند ومفاخرا ً في ذات الوقت بعراقته في الوجود وخلوده النسبي في الزمن ،، علام يدل ذلك ؟! ،،
إلى أين ؟! ،، المكان رغم لا نهائيته سجن ،، فلم يبق إلا التشرد ،،
قالت : لم أخبرك إلا عاقلا ،،
فمسحتُ على رأسي ،، ثم كوّرت قبضتي ،، ورميت بما فيها قائلا : هاك عقلي


وقال صديقي : ما أريده هو أن أفهم ،، فلأية غاية ؟! ،،

فقلت بمرارة : لأنطح الصخر ،،
فقال : إنك تجري في الحقيقة وراء لا شئ ،،
نشوة الفجر شئ أم لا شئ ؟! ،،
وهل تكمن حقيقة كل شئ في اللا شئ ؟! ،،
متى ينتهي العذاب ؟! ،،
أما هي فقد أسدلت على وجهي ستارا ً أصفر من اللا مبالاة ،، وتحول شخصها في نظري إلى مجموعة من الذرات فأمحت ذاتها ،، ومن صراعي الباطني أدركت أن حبها عالقا ً بفؤادي كالمشنقة ،، ذلك الصراع الذي يحمل أعصابي ما لا تحتمل من ضغط وتمزق ،، وتاقت نفسي إلى لحظة الانتصار المأمولة ،، لحظة التحرر الكامل

تنهدت في إعياء وفتحت عيني في الظلام ،، ماذا يعني هذا الحلم إلا أنني لم أبرأ بعد من نداء الحياة ؟! ،،وكيف أفكر فيك طيلة يقظتي ثم تعبث بمنامي الأهواء ؟! ،،
فها أنا أسهر ذات ليلة في مزرعة عمي مرددا ً شعر المجنون ،، ولم يكن معي في الظلام شئ ،، والنجوم تومض في القبة ،، وساءلتها عن أشواقي ،، ومتى يتحقق الحلم المنشود ،، وصرخت حتى اضطربت لصراخي خلايا الأشجار ،، وعاتبت كل شئ ولا شئ ،، ورنوت إلى القمر الذي يتألق بين النجوم ،،
وهمس : انظر !! ،،
فقلت : أريد أن أرى ،،

فنظرت فرأيت فراغا ً لا شئ فيه ،،
ولكن ليس هذا ما أتوق لرؤيته ،،
وتذكرت ليلة الإحساس الباهر الذي سبق الرؤيا ساعة الفجر بالطريق ،، ولم أشك في أن النشوة آتية بموسيقاها وأن النسيان سيبزغ وجهه ،، وانجابت الظلمة عن منظر آخذ في الوضوح رويدا ً وتوكيدا ،، وخفق قلبي كما لم يخفق من قبل ،، تمخض المنظر عن باقة ،، هيئة باقة ورد ،، غير أن وجوها ً آدمية حلت محل الورود ،، وما لبثت أن تبينت فيها وجوه أعرفها جيدا ،، ذهلت من الدهشة وحملقت فيهم بإنكار،، وباخ حماسي مرة واحده ،، وتجرعت غصص الخيبة ،، ليس هذا ما أتوق لرؤيته ،، ولكن المنظر تشبث بكينونته ،، وازداد مع الوقت دقة ووضوحا ،، وإذا بهم يجتمعون في جسم واحد ،، له عدة رؤوس يمشي نحوي ،،
وفزعت فعدوت والكائن المركب يتبعني ،،
وكلما زدت من سرعتي زاد من سرعته وإصراره ،،
وقفزت من فوق السور الأخضر الذي يحد المزرعة ،،
فوثب الآخر من فوقه كجراده ،،
وركضت بحذاء الآبار والآخر في أثري كثور عنيد ،،
وعدوت ،، وعدوت ،، حتى سرى الإنهاك في عضلاتي وانبهرت أنفاسي وخارت قواي ودار رأسي فهويت على الأرض ،،

انطرحت على وجهي فوق عشب ندي وقدما الآخر تقتربان مني في إصرار وكأنهما تزدادان قوه ،،
عبث الشيطان بالحلم ،، وبدلا ً من النشوة حلت اللعنة ،،
واستحالت المزرعة ملعبا ً للمهرجين ،، وتخليت عن فكرة المقاومة واستسلمت للأرض المعشوشبة ،، ورفعت رأسي قليلا ً لأنظر فيما حولي ،، فسمعت الكائن يردد اسمي ،، فلم أتمالك نفسي وغبت عن الوعي ،،
وتردد بيت شعر في تلاشي الوعي بوضوح عجيب لا أدري متى قرأته وأي شاعر غناه يقول ،، إن تكن تريدني حقا ً فلم أحببتني ،،

إننا نعيش في اسطورة ،،
وان الحقيقة خليقة بأن تصعق البعض منا ،،
وأن أحلامنا غير حقيقية وهي تقوم على الريح ،،
لذلك فإن الصراع الحقيقي في هذه الحياة هو ما يقوم بين الحقائق والأساطير ،،

عبدالله الدوسري
02-12-2008, 11:32 PM
* أعيديني ،، وإلا دعيني *


لأقول : أنت قبضة النبض في يميني ،،
سأشرق عليك بنوافذي ،،
وأفتح عينيك علي ،، أرتـّبك
أجعل كل جزء مني ،، يقف على حقيقة كل ذرة منك ،،
سأبتكر كلاما يليق بك ،، فأخلق متكأ يليق بي
واخرج من جفنيك إلى فوضى صدري،،
لأستريح على فمك


أعيديني إليك وإلا دعيني ،،
تماما إلى جوار جثتي ،،
وارتدي القمر ،، كي تلحقي برحلتك ،،
ترتيبا لروح غادرت تميمتك
فيم السهر يهمس بالتحديق ؟! ،،
ينتزع عمري من دمائك ،،
ينظر إلى نحيب الطريق ،،
وتراب الزمن ،،
معجون بذكرى محبتي

عبدالله الدوسري
02-18-2008, 11:36 PM
هكذا أمضي إلى الدفء ،،
هواء مأهول ،، ومدى يتأرجح بالولوج ،،

فحين وجّهت وجهي إليه ،،
توجهتْ لي ،،
وقالت : تهيأ !!،،
تهيأت ،، فاحتملني الموج ،،
زبدا رابيا ،،