عِنْدما كانَ جنيناً في ظُلُماتهِ الثلاث
لو كانَ لهُ إدْراكٌ ويعقل لظنّ أنّ تلك الحياة ولا حَياةَ أُخْرى
ولو حدّثتهُ أنّهُ سيُفارق ذاتَ يومٍ هذهِ الحياة
وسينتقلُ إلى حياةٍ أُخْرى
فيها مالاعينٌ رأتْ
ولا أذنٌ سمِعِتْ
ولا خَطر على قلبِ بشر
فلنْ يُصدِّقُ ربّما إذا لمْ يكُنِ الداعِي قوياً في قلبه
ولكنهُ صدّق بذلك أو أنْكرَهُ سيُغادرُ تلكَ الحياة التي أعْتادها وإلِفَها إلى حياةٍ أُخرى
وحين رأى الحياةَ الأُخرى جِنانٌ وأنْهارٌ
وسمآءٌ وأرضٌ
وطُيورٌ ووحُوشٌ
وبَشَر قِيلَ لهُ إنَّك لمْ تصِل بَعْدُ
وأنّ هُنَاك حياةٌ أُخرى وسترحلُ ذاتَ يومٍ إليها
فِيها مالاعَينٌ رأتْ
ولا أذُنٌ سمِعَتْ
ولا خَطَرَ على قلبِ بشَر
قالَ : مُحَالٌ لاأسْمَعُ ولا أرى !
لاأُؤمنُ بِما يؤمِنُ بهِ بعْضُ الورى
إنّما هي حياتُنا الدُّنيا نمُوتُ ونَحْيا!
ونسِيَ ماكانَ حِينَ ضرَبَ لهُ مَنْ أوجَدهُ المَثلَ بِخَلْقِهِ الأولُ
وللهِ الْمَثلُ الأَعْلَى !
وحِينَ يُغادِرُ مرَةً أُخْرَى
كمَا كَانَ حِينَ غَادَرَ فِي الأولَى
رأى موعُودَ ربِّهِ حَقاً وعَدْلا
هُوَ الْمَوتُ لنَا وحياةٌ لهُ مرَةً أُخْرَى
وفِي سَيْرِ الإنسان إلى ربهِ
يعْبُرُ الْمرَاحِل تَتّْلُوها الْمَراحِلُ
حتّى يصِلُ إلى ذاكَ الْمُنْتَهى
وفِي كلِّ مَرْحَلةٍ تُحْجَبُ عنْهُ الْمَرْحلةُ الأخْرى
فَعَجِبْتُ مِنْ مُلْحِدٍ كيفَ ألْحَدَ وقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الْقُرُونَ الأولى