رواية كاملة بقلمي بعنوان ......رجل بدون ملامح..... - منتديات أبعاد أدبية
 
آخر المشاركات
[ فَضْفَضَة ] (الكاتـب : قايـد الحربي - آخر مشاركة : زايد الشليمي - مشاركات : 70206 - )           »          جِدَارِيّات..! (الكاتـب : خالد صالح الحربي - آخر مشاركة : هدب - مشاركات : 354 - )           »          لحظــااات جنـون (الكاتـب : هدب - مشاركات : 57 - )           »          تعال واكتب حالتك/لحظتك شعراً ..! (الكاتـب : نايف السميري - آخر مشاركة : هدب - مشاركات : 8237 - )           »          حبيت أقول....... (الكاتـب : سليمان عباس - آخر مشاركة : هدب - مشاركات : 1269 - )           »          كلمة شكر لمن ترسلها (الكاتـب : إيمان محمد ديب طهماز - آخر مشاركة : هدب - مشاركات : 760 - )           »          سقيا الحنايا من كؤوس المحابر (الكاتـب : سيرين - مشاركات : 4637 - )           »          [ على ذكراك ] (الكاتـب : نورة القحطاني - مشاركات : 42 - )           »          [ صوت & صدى ] .. !! (الكاتـب : صالح العرجان - آخر مشاركة : نورة القحطاني - مشاركات : 2085 - )           »          مما راق لي ... (الكاتـب : سلسبيل - آخر مشاركة : إيمان محمد ديب طهماز - مشاركات : 128 - )


العودة   منتديات أبعاد أدبية > المنتديات الأدبية > أبعاد النثر الأدبي > أبعاد القصة والرواية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-16-2018, 11:23 AM   #1
حسن التازي
( كاتب )

الصورة الرمزية حسن التازي

 






 

 مواضيع العضو

معدل تقييم المستوى: 0

حسن التازي غير متواجد حاليا

Smile رواية كاملة بقلمي بعنوان ......رجل بدون ملامح.....


رجل بدون ملامح
هي رواية نفسية عن رجل يعاني تناقضات نفسية غريبة ـ تؤثر عللا سلوكه وتضعه في مواقف غير مقبولة
الرواية جميلة وممتعة وبها عنصر شد للقارئ .....................قراءة ممتعة



الفصل الأول
إنه لأمر غريب أن أحمل القلم وأخط عباراتي الصغيرة , فالكتابة أمر لم ألفه أو أعتده , وفي حياتي لم أكتب يوما غير ما تمليه ظروف الصدفة من سطور ضئيلة
استغربت أكتر لهذا الشعور المتضخم في داخلي والذي يدعوني لحمل القلم والكتابة ,وكأني سأكتب رواية أو قصة تصدح لها الحناجر.. وغاية ما أردت رسمه حروفا دفينة لحزني المتهالك.
الحزن من مقدسات حياتي ودوما اعتبرته نهاية كل طريق سائرة , والألم رديف الحزن يلتقيان معا ويتبادلان بسماتهما الساخرة ,حولي وحين بلغت من سني 30 قلت ساخرا الألم أيضا من مقدسات الحيات الحزينة.
بحتت عن زوجة أكمل بها نصف ديني خصوصا بعد تخرجي وتعييني وكيلا بقسم التأمينات, ولا أنسى أبدا فالزواج لم يكن يوما من مقدسات حياتي ,ولأني كنت قليل التجربة في الجنس اللطيف فقد كان علي أن أستعين بخدمات شخص أخر أكثر خبرة ,لكني كنت وحيدا ولا أملك في دنياي غير دفاتري وكؤوس البلار الثلاثة التي أحتفظ بها من ذكرى والدتي.
فكرت كثيرا ولم أجد غير الحاجة أمينة صاحبة المنزل, فهي غاية المنى و تربطني بها علاقة كبيرة نوع خاص للغاية.. كانت علاقة سخرية مريرة منها لواقع حالي ,وعلاقة تقدير مني لها لصراحتها وعبثها وقوتها بعد سن 70
وكانت أمسية لطيفة من أماسي الخريف حين فاتحتها في الأمر
ولأختزل الكلام وأرحم نفسي من عذاب المقدمات قلت في شبه مرارة وأنا أراقب سحب الخريف الواهنة عبر النافذة:
-فاض بي الأمر وأريد الزواج ولا سبيل لي إلى محادثة أنثى أبدا بسبب خجلي
قاومت ضحكة كادت تنفجر من بين شفتيها ولم يبد عليها أبدا التعجب أو الاستغراب وقالت:
-يالك من شخص عجيب وغريب وكل يوم أكتشف فيك خصلة جديدة
, وكخبيرة في جنس الملطومين بالخجل وفي فن تزويج الجنسين قالت بصوت قادم من أعماق جسدها النحيل
-طلبك عندي بني ولأنك شخص طيب فلن تكون من نصيبك إلا الطيبة بنت الطيبين
وزادني جوابها جرأة وغالبت عذابي فحولت نظري عن السحب الواهنة وأضفت مختزلا كلامي في أوصاف العروس بعبارة واحدة:
-أريدها ممتلئة ناضجة وكاملة
وقلت في قرارة نفسي لا تطيب زوجة بعد سنين الصيام إلا الزوجة الناضجة الممتلئة
ورددت في خاطري: الطيبة و الامتلاء أيضا من مقدسات حياتي والتي أسرت بها مسار معيشتي , ولزمن طويل عشقت النساء الناضجات الممتلئات ....عن بعد ,وكرهت الصغيرات النحيلات بشدة
وأضفت مخاطبا الحاجة أمينة:
-أريدها أيضا طيبة وحنونة لكن ليس بدرجة الغباء
,وكنت دائما أردد كثرة الطيبة من فنون الغباء اللعين, وطيب في طريق الدهاة كبطة في طريق الثعالب , وبالفعل فلسنوات طويلة عشت كبطة في عش الغربان, واستغربت دوما عيش وألفتي رغم اختلاف اللونين الأبيض والأسود, ثم كان الموت حائلا بيني وبين مزج اللونين , وأصبحت وحيدا في دوامة تنتهي بالسنة الأخيرة من علوم الاقتصاد , وحين تخرجت بميزة جيدجدا قلت أن طريق الغربان الملعونة قمين بإنارة طريق البطة الحائرة , وبقدر ما فرحت بالفوز بقدر ما تعلقت بأهداب الحياة وخفت من مخالب الموت وقد سحبت كل أفراد عائلتي,و جادبت نفسي لأخرج من عنق الزجاجة ولأفوز بعملي, وفي عز تجادبي نسيت نفسي ونسيت من حولي ولم ألتفت إلا لكتبي.....................
-أريدها ناضجة وطيبة
ولن يعوضني عن صبري غير زوجة ناضجة , هذا ما ظللت أردده في خاطري وأنا أراقب حواجب الحاجة المقوسة وهي تصب الشاي وللحظات خلتها سترتاب في أمري خصوصا حين وضعت إبريق الشاي جانبا ,وتوقعت الأسوأ مع نظراتها الجامدة قبل أن تطق قائلة:
-طلبك موجود وقريبا ستراها وستسعد غاية السعادة برؤيتها وفضلا عن ذلك فهي موظفة ناضجة للغاية
وقبل أن أعلق على كلامها أضافت
وأيضا ممتلئة الجسم
الفصل الثاني

الأمر أشبه بنكتة غير مضحكة أو فقاعة هلامية تتلاعب بها أنفاس الحاضرين لترمي بها في النهاية خارجا , وإذا راجعت نفسي وساءلتها عما يعجبها أو ما أعجبها يوما ربما كنت أول المتهكمين منها وأول الساخرين, وغاية ما أدركت منها دوما........التناقض والغرابة.......
كانت أمسية خريفية هادئة من يوم الجمعة حين ألتقيتها في ناصية الشارع كما حددت لي الحاجة أمينة, وكنت قد أخترت من ملابسي بذلة قمحية أنيقة , ووضعت ربطة عنق خافتة بلون الخريف الباهث , وحذاء بنيا بلون حبوب القهوة المحمصة ,وتقدمت نحوها بوجل وقد عرفتها من لون جلبابها الأنيق الفستقي تبعا لتعليمات الحاجة ,وعلى مضض نطقت بعبارة مختصرة :
-مساء الخير أنستي
ألتفتت إلى و طالعتني بعينين واسعتين يعلوهما حاجبان رفيعان وتطل منهما رموش طويلة مكفهرة بلون السواد, وأول ما لا حظت في لباسي ربطة عنقي التي أخترتها بلون الخريف , فبدا أنها غالبت شعورا قويا للضحك ,وخاطبتي قائلة وبسمة جميلة تعلو شفتيها :
-مساء النور...
وأضافت:
- لنأخذ طاكسي ونبتعد عن هذا المكان من فضلك أخشى أن يراني أخد من عائلتي
قلت مخاطبا نفسي ساعتها لابد أن سنها جاوز الثلاثين و طريقة لباسها الأنيقة وحذائها التمساحي البراق لابد توحي بأنها موظفة كما أخبرت الحاجة أمينة غير أنها وبخلاف ما قالت كانت خفيفة القوام لا أثر للإمتلاء فيها ....... ثم شملني من ناحيتها عطر فواح وناعم
لوحت بيد حائرة لأول تاكسي وفتحت الباب المحاذي للسائق , وفتحت لها الباب الخلفي في أدب مستلهم من قصص الأفلام ,لكنها سحبتي من ذراعي وجرتني جانبها في المقعد الخلفي وخاطبت السائق قائلة:
-مقهى البركات بشارع المقاومة من فضلك
ثم أقتربت مني وهمست إلي بصوت حنون
-أول شيء عليك أن تتعلمه معي أن تجلس دوما إلى جانبي في التاكسي
وكسحابة شردت في طريقها إلى إدرار المطر وفاجأتها أشعة الشمس الحارقة انشغلت عيناي بالقفز بين الطريق أمامي وحذائها التمساحي أسفل قدمي
وانتابني شعور غريب للضحك وأنا أراقب قفا السائق السمين أمامي وهو يميل مع ميل السيارة ثم بادرتني قائلة من جديد وهي تبتسم :
-مساء النور لماذا أنت ساكت بهذا الشكل ألا تجد شيئا تقوله
ومع مزاحها وبسمتها الحنونة منذ البداية ,أدركت أنها مستوصاة بي , وأن الحاجة أمينة لابد مهدت لي الطريق وأخبرتها بأشياء عني
وبادرتها بابتسامة خافتة وأنا على علم بأن قاموس لغتي أنكسر في حوض واسع وتشتت مفرداته
-تشرفت للغاية بمعرفتك
ولا أعرف لماذا حضرتني ساعتها كلمات لأغنية فرنسية كانت تقول:
مع الوقت يذهب كل شيء, وتذهب الذكريات وتتحطم ,وحضرتني أيضا صورة ابنة الجيران الشعثاء الصغيرة والتي كنت ألاعبها أمام منزل الوالدين
ورددت على مسمع منها ومن السائق
-أطال الله عمرك وعمر الحاجة أمينة
ورددت مع نفسي
ما أصعب القرار في دوامة الأسى, وما أكثر ما تحملت من أجل خيار سابح ....وإذا تعلمت السباحة فلابد أني سأرتمي طواعية في دوامة الحيرة , لا لشيء إلا لأني عشت حائرا وكبرت حائرا ,ومن صنف النساء فقد عشقت دوما الوجه الجاف والمعطر بأشعة الشمس ولفحات البرد ,والجسد الطري العبق برائحة العرق ......و أكثر ما كرهت دوما : المساحيق والعطور والدفىء والنحول
وكما سحبتي من يدي لأجلس جانبها بالتاكسي, سحبتني أيضا بعد أن غادرناه وجلسنا في الطابق العلوي في مقهى البركات , وكانت أول مرة أجلس فيها في مكان مماثل ,كان فضاءا أنيقا للغاية و يبدو جيدا أنه خصص للقاء ات الجميلة .
وخيم صمت غريب لازمني وأنا أتأمل قوامها الخفيف وأناقة ملبسها الفائقة للغاية , ولابد أنها أدركت دهشتي واحتارت في أي شيء تفعله في موقف مماثل , ووقفت تحول بصرها بيني وبين الطاولة لتنطق بعبارة بسيطة كمحاولة منها لمساعدتي :
-رغم أن الفصل خريف فالجو جميل
ولم أفعل غير التأكيد على قولها بإيماءة من رأسي فعادت لتخاطبني
-لماذا أنت ساكت بهذا الشكل
و فاجئني سؤالها وددت أن أخبرها أن جواب سؤالها أمر حيرني لسنين طويلة , وأني أحيانا لا أفهم نفسي, وأن شعورا جارفا في نفسي يجرني دوما إلى الدميمات من النساء دون الجميلات , بل ويحرك جوانحي لمتسولة تنتظر مني المعونة فيما جسدي يهتز لمعانقتها
لكني في ارتباك وخفقان قلت:
صراحة لست معتادا على هذه الجلسات وأرجو أن تعذريني
وانفرجت أساريرها عن بسمة حنونة للغاية وقالت:
لا عليك ولا تهتم لشيء لست أبدا ممن يجب أن يخاشهم الرجال
وململت كأس القهوة الذي وضعه النادل من مكانه أمامها وقدفت به قطعة واحدة من السكر وعادت إلي ببصرها وبسمتها الجميلة تعلو محياها :
إذن هل تود أن تعرف عني شيئا
ثم وهي تلاعب الملعقة بكأس القهوة في حركة أنثوية لن أنساها طيلة حياتي :
-اسمي عائشة.....سنى 29 سنة أشتغل إطارا بمندوبية السياحة , سبق لي الزواج وتطلقت قبل البناء ,أعيش رفقة والدتي و اثنين من أخوتي ثم سكتت ورفعت بصرها إلي .
ولا أعرف لم شل لساني وحضرتني من جديد الأغنية الفرنسية وصورة الفتاة التي لاعبتها في صغري فنظرت إليها وقلت عن مضض غير مستور :
-حسن ....... 31 سنة أشتغل بقسم التأمينات وأكتري منزلا لدى الحاجة أمينة....لم يسبق لي أبدا الزواج ............واستسلمت لشلل الصمت من جديد
بدت طيبة للغاية وأنيقة وكان وجهها مغطى بمواد التجميل مما تستعمله كل نساء هذا الوقت ... ومن تحت منديل رأسها بدت خصلات شعر كستنائي لامع للغاية ...كانت جميلة للغاية أكثر بكثير مما انتظرته, هذا ما لا أنكره أبدا وفوق ذلك بدت طيبة وحنونة وبقدر ما تأملت جمالها وطببتها بقدر ما أحببت الحاجة أمينة وقلت مخاطبا نفسي:
-لابد أنها كانت صادقة حين قالت أني بمرتبة ابنها
وراودني ضغط ملح لزيارة المرحاض فاعتذرت منها وانتصبت واقفا وخاطبتها قائلا:
-دقيقة وأعود من فضلك
بنفس بسمتها الحنونة ووجهها المضيء اللامع قالت:
-مرحبا خد راحتك
وغادرت مكاني ,ودون إدراك مني وجدت قدماي تقودانني إلى خارج المقهى بعيدا عن الوجه الجميل الحنون, وغادرت في شبه استسلام من معركة لم تبدأ أطوارها بعد, وكما أسلمت نفسي للحيرة أسلمت قدماي للطريق في صمت مطبق وأنا أردد:
الحيرة من مقدسات حياتي ودوما اعتبرتها نهاية كل طريق سائرة , وعائشة صنف جديد من النساء لم أعتد بعد مجالستهن على انفراد والتفاتتها وهي تحرك كأس القهوة فتحت لي بابا جديدا في قاموس النساء لم أكن على علم به
تنفست بعمق ولوحت لسيارة أجرة وقلت
لن أنسى يوما التفاتتها وهي تحرك الكأس الملعون

الفصل الثالث
قضيت ليلتي كالذئب بين ثلوج الجبال تراودني رغبة كبيرة في فتح النافذة وإطلاق حنجرتي للعواء,وذرعت الغرفة ذهابا وإيابا وقد خنقتني غصتي وإمتلأ صدري بصراخ مكتوم فقلت معزيا نفسي:
ما أشد تأتير تيارات الأعماق وكم هو خادع علو الأمواج الظاهرة ودون إدراك مني حملت قصاصة ورق وخططت ما يلي:
الألم
رديف الحزن وسليل الأسى
والفرح ..
وليد النسيان وسليل الأوهام....
ولوقت طويل أعتقدتني تجاوزت الأمر وتحررت لإنطلاقة جديدة و ميمونة ببسمات جديدة..
لكن ليس الأمر بالصحيح أبدا
ولست في غصتي إلا كائنا يعيش ليجتر ما مضى
البسمة........
خط على الشفاه بريشة النسيان.
ولوقت طويل اعتقدته خطا أبديا لا ينمحي ......
فغمرتني أفراحي, وأشرقت عيوني بأضواء غريبة أحاطت بالمكان ,وركضت مطروبا بألحان شدت بها السماء, وغصت في أحضان والدتي وقد تملكني الصبا وأعيتني الشقاوة ..حتى إذا أمسكت يدي الصغيرة بيدها النحيلة اعتقدت أني أمسكت الدنيا بما ضمت. وما همني يوما شئ غير ضحكتها ..فإذا أهدتني إياها ,قفزت معلنا فرحتي ,وموزعا ألحاني وأضوائي ..... ..وبسماتي
الجرح............
مسافر عبر الزمن بحقيبة سوداء, يمتطي جناحا أسرع من البرق وأسرع من الأضواء والألحان , يقفز من مكان لمكان في تخطي كامل لأوهام الزمان والنسيان.
ولوقت طويل اعتقدته زائرا عابرا ممن لا يطيل المكوث,وممن يطرق ليضيء ويتوهج حتى يغمر المكان في خجل , ثم ما يلبت أن ينكمش مفسحا المجال للأضواء والألحان والفرح ...
وربما تأخرت في فهمي
لكني أدركت مجبورا خداع اعتقادي, وآمنت أنه كالسقم العليل ,يختفي لأوقات قد تقصر أو تطول , ثم ما يلبث أن يشرق في صباح غير متوقع , ومع إشراقته يمتد ضوءه ليغمر التجاويف جميعها فتقسم أنه لم يختف يوما أبدا ,وأنه كان دوما هناك يراقب الاضواء والألحان ,حتى إذا أزعجه وقعها فتح حقيبته وأمتطى جناحه ..........وعم المكان
ربما عشت لحظات تحررت فيها من قيوده, وانطلقت بسرعة متوهما البسمات.
لكنها ليست إلا لحظات خادعة رسمتها أنامل النسيان.
وعديدة هي المرات التي صليت فيها لنعمة النسيان.
هكذا حالي مع ألآمي وجروحي, وهي على كثرتها لا تحصى ولا ترسم, حتى إذا مررت صاغرا بالمكان هناك ... حيث تربيت وترعرعت وحيث كنت طفلا يتماهى بالأضواء ويشدو بالألحان ..... تبدل حالي, ويأست من سيري وركوبي, وانتابني قلق شارد أتلمسه بتسارع دقات قلبي وصعود صفرة ماقعة إلى صفحة وجهي.
وربما قررت التوقف , وربما قررت المسير, لكنه ليس إلا قرار الحيران ....ممن لا يملك مفاتيح الزمان
تم طويت الورقة وأستودعتها صدري وقد بدأت خيوط الفجر الأولى تمزق رداء الليل

الفصل الرابع

في طريقي إلى النزول التقيت أمي أمينة كما أناديها ..ورغم حروف الطيبة التي تغلف دوما محياها وبسمتها اللامبالية فقد تلونت ملامحها هذه المرة ,وبدا وجهها كوجه تمثال استوى على نار فضية هادئة, وأخذت ركن الزاوية بعيدا عني بأدراج العمارة ,ورمقتني بنظرات ملتهبة للغاية ,ولأني أعرف غرابة ما أقدمت عليه , فقد أكملت طريقي هاربا لا أبحث إلا عن منفذ العمارة ,و وتجاوزتها مسرعا وأنا أسمعها تقول:
-أقطع ذراعي هذا إن تزوج هذا الولد يوما
وكنت على وشك الخلاص من باب العمارة حين سمعت مناداتها علي باسمي ..... ولأني أكن لها معزة خاصة فقد توقفت ولم أجد بدا من الرجوع عن مضض , ووقفت بين يديها محمر الوجه كطفل أمام معلمته التي ضبطته متبولا في سرواله , أو أكثر ,وانشغلت بالنظر إلى الأرض في انتظار تقريضها لي , لكن الصمت الموحل عم للحظات رفعت فيها رأسي إليها فوجدت ملامح الطيبة قد غطت وجهها من جديد ,وبسمتها اللامبالية قد علت شفتيها الواهنتين وتفحصت قامتي بنظراتها من حذائي إلى قمة رأسي , وضربت يدا بأخرى قائلة:
-ماذا سنفعل الآن أخجلتني أمام السيدة ولا وجه لي أبدا للقائها...كان يوما أسود يوم استشرتني وطاوعتك.
لم أجد شيئا أقوله واكتفيت بتحريك حاجبي صعودا ونزولا ومطمطة شفتاي متمنيا الخلاص ,ثم جاء الفرج مع إحدى الجارات وقد لمحت الحاجة أمينة واستغليت فرصة تبادلهما التحية لأفر من أمامها .
بالطبع لاشيء يمكن أن يقال, ونفسي الغريبة لا تقودني إلا إلى طريق مقفل, و التفاتة عائشة وهي تداعب كأس القهوة قد مزقت جوانحي وقلبت مفاهيمي, وطال الوقت أم قصر لابد سأجدني يوما واقفا في طريقها دون أن أعرف ما علي فعله أو قوله , فهل أعتذر من سلوك غريب ,أم أرسل إليها أمي أمينة إن قبلت من جديد أم أرسل باقة ورد وتوسل مديد
تنفست بعمق ورددت:
كان ما كان......... وليكن ما يكون
كنت ساعتها أجتهد بقدماي في طريقي إلى عملي ببذلتي القمحية ذاتها وربطة عنقي الخريفية وحذائي المحمص, وبمشية تجمع بين خيلاء كاذب وأناقة غير مستورة كنت أردد أغنيتي القديمة:
مع الوقت
مع الوقت تذهب الذكريات وتتحطم
مع الوقت نتحول إلى جثث متجمدة
وتوقفت فجأة أمام باب عمارة محاذية لمقر عملي ..شل تفكيري من جديد ونبضت عروقي وأنا أشاهد جسدا طريا وممتلئا لشابة تمسح أرض مدخل العمارة, كان مشهدا قاسيا من المشاهد التي أحتفظ بها في ذاكرتي والتي لا أستطيع مقاومتها .وجحظت عيناي لمدة وتسارعت ضربات قلبي وتسمرت رجلاي أمام الباب, فأطلت النظر وتتبعت حركاتها وتموجاتها وهي تمسح الدرجات الأخيرة درجة درجة, وحين أدركت أني قد أثير انتباهها يممت لأكمل طريقي لاعنا الشيطان في خاطري ..غير أن قدماي رجعتا بي وتوقفت من جديد أسجل مشهدها وهي تنحني لتمسح الأرض ..فأفلتت مني تنهيدة لاهبة ...وقلت متحسرا:
-ما أطيبك من ريح ندية رطبة ... ولا شيء يعوض عن الامتلاء و الطراوة
ولا أدري كيف سبقتني يدي وأخرجت الهاتف من جيب السترة القمحية, ونادى مناد من أعماق جسدي ساعتها أن صورة الجسد الطري المنحني بالهاتف هي غاية المنى ومبتغى القاصد المجتهذ, ولا سبيل للمغادرة دونها ,فوجهت الهاتف توجيهة ملعونة صوبها ,و كانت منها التفاتة إلي ورمقتني أصوب إليها هاتفي وقد فضحتني عيناي وتدلت جفوني في تعلق مائج....... وكانت منها صرخة, ثم صرخات , ودفعت السطل برجلها وهرولت إلي بجسد قوي للغاية , وسحبتي من ربطة عنقي القمحية بلون الخريف حتى تقطعت أنفاسي وأحمر وجهي و كاد يغمى علي ,وأخذت في الصراخ موجهة خطابها للجمع الذي أخد في الاحتشاد:
-كان يصورني وأنا أمسح الأرض ولابد سيرميني في اليوتوب
ورددت وصوتي مبحوح من شدة مسكتها
لا أعرف بتاتا طريق اليوتوب والهاتف أمسكته لأعرف الساعة فقط أغيثوني من هذه الباطشة
وشدت الخناق علي من جديد قائلة:
-إذن هات ذلك الهاتف لنفتشه
ومن حسن حضي أني لم أكن قد التقطت الصورة بعد , فأخرجت هاتفي وفتحته لأحد الواقفين وطلبت منه التصفح ليخبرها إن كنت سجلتها ,ثم أظهرت الاختناق, وأخذت في السعال, فرق البعض لحالي وطالبوا منها أن تفك قبضتها عن عنقي ثم سلمني الشخص هاتفي وقد قال للواقفين
ليس في هاتفه تسجيل بتاريخ اليوم
وحمدت الله على السلامة والخلاص , وأطلقت السمينة ربطة عنقي وولت ظهرها وهي تسب وتلعن في أمثالي , ثم شيعتني بعض النسوة ممن وقفن بنظرات حقارة واشمئزاز, فيما واصلت سيري مقهورا مجبورا وقد سمعت إحداهن تقول
-أكل هذه الأناقة للتحرش بعاملة تنظيف

الفصل الخامس

الحاجة أمينة أطيب خلق الله وأحنهم , وكنت أعرف أني لن أجدها في طريقي عند العودة من عملي رغم أنها تعرف توقيت مغادرتي وعودتي, وكنت أعرف أيضا أنها وبعد وقت معين ستطرق بابي لتطل بعينيها المنهكتين وصوتها المنبعث من أعماق جسدها لتسألني سؤالا أكرهه للغاية :
-ما بك ؟
وهو ما حدت بالفعل والتمام
ورددت في خاطري
يا للسؤال الذي أكره سماعه وأكره الخوض فيه دوما .. لا أحد يعرف ما به ,وكل شخص لا يستجيب إلا لقناعاته فما لي أنا دون الناس لا أثير إلا التساؤلات بسلوكي الملعون , وما بال قناعاتي لا تقودني إلا للطريق المسدود
وكان علي أن أخرج من صمتي وأن أقلع عن تحريك حاجبي فأطرقت لحظات ورددت على مسمع منها:
-إنه لأمر غريب والأغرب منه أنك لا تعرفين ما وقع لي
ودون سؤال جديد منها خاطبتي قائلة ومطمئنة :
لا عليك بني لن تكون دوما إلا مشيئة الله ولدي اليقين أن زوجة طيبة في انتظارك وستكون من نصيبك يوما لأنك من الطيبين .
وغادرت فنطقت خلفها بعبارة أحفظها عن ظهر قلب
-أطال الله عمرك أمي أمينة
ثم أضفت في شبه خفوت
أرجو أن تسامحيني أنت وعائشة ..ليس الأمر إلا خوفا ينتاب نفسي من كل مجهول ومع خوفي فقد أصبحت أخشى مبارزة الواقع ,وربما تجدينني يوما أبارز طواحين الهواء كدنكشوت

الفصل السادس

ومضت أيام الأسبوع في شبه رتابة تتشابه ساعتاها ولحظاتها.., غيرت طريقي بصفة جدرية إلى عملي ,وأصبحت أمر من الجهة الخلفية حيت مرآب السيارات ومدخل الحمام العمومي , وتجنبت الشارع الرئيسي خوفا من فضيحتي السابقة, ربطة عنقي لا تفارقني أبدا , ومناد من أعماق نفسي يخبرني بفراغ فلسفتي وملامستها الهباء المنثور.
أصدقائي قليلون وينتابني مرارا شعور بأنهم وبمجرد أن أعطيهم بظهري ينفجرون ضاحكين, ومع خجلي الشديد في مخاطبة النساء فقد كان لساني طويلا لا يكل كلما جمعني مجلس بأحد أصدقائي بمقهى النجمة الصغير, وكنت مرارا أتباهى بحكمتي وتبصري ومعرفتي بسرائر الأمور وصغائرها, بل أقاطع من يتحدث دوما وأستشهد بما أقرأه في الروايات وأشاهده في الأفلام وأجعله واقعا عشته,
ويا للمرارة والأسف حين أكتشف أني أقرأ الخيال الممتع , وأن الواقع صفعة مغايرة, ومع ذلك أنسى بسرعة وأعود في الجلسة الموالية ملاججا ومداحظا.....
إنها فلسفتي في مصارعة الواقع بأسلحة من خيال

الفصل السابع

موسى صديق عزيزعلي وعلاقتي به تمتد لأول يوم جلست فيه بالمقهى , ومع وجهه المكشر دوما وشعره الأشعث كنت أخاله كاتبا مغمورا لمسرحيات أطفال, أو منشطا بأحد المؤسسات , وحين تحدثت إليه يوما قلت قافلا: لابد أنه بائع ملابس داخلية للنساء لأن حديثه ورؤيته عن النساء دوما كانا عن المقاييس والأحزمة , وهو ما جاور نظرتي وتعلقي , فوجدتني أنظم إلى طاولته وأنفجر ضاحكا كلما رمى بأحد تعاليقه في المجلس , وعرفت فيما بعد أنه مستخدم في أحد مكاتب الدراسات العقارية,و مطلقا زوجته , وطالما عهدت فيه الهدوء وضبط النفس إلى أن كان يوم غيرت فيه نظرتي,
كان مساءا جمعتنا فيه الجلسة بمحفوظ وهو صديق عرفته عن طريق موسى وهو نفس اليوم الذي تلقى فيه موسى خبر حكم المحكمة بطلاقه من زوجته وعلق قائلا:
-الحمد لله الآن ارتحت وعدت حرا كما ولدتني أمي
وضرب بيده قائلا:
-لإن عدت إليك يا زواج ولإن فكرت فيك يوما فافعل بي ما شئت.
ومرارا كان يتحدث عن مشاكله مع زوجته, وعدم مبالاتها به, وقضائها لأغلب أوقاتها بمنزل والديها, وكنت على يقين أنه لامس السعادة بطلاقه منها لأنها من المرات القليلة التي علت فيها البسمة وجهه.
محفوظ كان جالسا كعادته يطالع هاتفه ويصعد بأصبعه بين الفينة والأخرى من الأسفل إلى الأعلى ويتذكرنا حين يأخذ رشفته من قهوته القوية ,وكان موسى المتحدث حين قال :
-النساء في هذه الدنيا نصيب , وكل شخص ونصيبه وحضه وأنا كان نصيبي الزواج من أفعى.
وعلقت على قوله متفلسفا قائلا:
-لكل امرأة طريقة خاصة في التعامل , ولكل باب مفتاح كان يلزمك قليل من الصبر, على الأقل من أجل ابنتك الصغيرة .
ولمعت عيناه ببريق حنو وعطف مع ذكر ابنته وأجابني قائلا:
-لكل نساء العالم مفتاح إلا عزيزة الملعونة لا سامحها الله
ثم وهو ينظر جهتي:
-لن تصدق أني جربت كل الوسائل وفي كل خصام كنت أعود وأخذ المبادرة وأسامحها, وأعتذر ..نعم أعتذر وكثيرا أعتذر عن أخطاء لم أرتكبها, بل ويطول أحيانا الخصام بيننا وتطول الأيام وتمضي هي غير مبالية ,فتركن إلى فراشها مع الثامنة مساءا , فيما أمضي ليلي متقلبا ومحتارا من حسابات لا تساوي بعضها البعض.
وتنفس بعمق وحدق قليلا جهة أفق مفقود دوما , فيما ركزت ناظري على يده المرتعشة بكأس الشاي وأضاف:
-لم أكن أبدا أعرف أن في الدنيا أناس يجيدون الخصام ويتقنون ألاعيبه, لكنهم لا يعرفون أبدا طريق الاعتذار.
وأكدت على قوله قائلا في شبه خفوت:
-الاعتذار سيد السلوك وسيد الخلق الكريم.
وأضاف قائلا:
-مللت وفاض بي الأمر وجربت الصبر , دون أن أعتذر هذه المرة ودون أن أبحث أنا عنها.... وطوال 7 سنوات من زواجي بها كنت دوما البادئ في الاعتذار , وكنت أقول العمر قصير ولا حاجة في قضائه دوما في خصام لا ينتهي.... لكن يبدو جيدا أنها فهمت سلوكي خطأ , واعتبرت أن نصيبي دوما الاعتذار ونصيبها الخطأ والأنفة الكاذبة.
ورددت مع قوله خافتا من جديد:
-لشد ما أكره إنسانا من ذاك النوع.
وأكمل حديثه وقد بدا أن نفسه تحمل ما ضاقت به سنين زواجه:
-وكان أن نشب بيننا خصام بسيط..... بسيط للغاية لأني رفضت أن أقوم بنقل زوج أختها للمطار... وطال الخصام أياما من أجل شيء لا يد لي فيه, ولعنت اليوم الذي اشتريت فيه السيارة.
وبنفس حزنه أضاف:
بالطبع هي لن تعتذر بعد إهانتها لي ... وعلي أن ألف حولها وأعتذر لها من جديد, لكن صدقني كرهت نفسي, كرهتها للغاية وقررت أن لا أعتذر , وإن كان زواجي بها يساوي ويوازي توصيلة لزوج أختها الملعون للمطار فليذهب الزواج إلى الجحيم .
وبدا أنه أرتاح قليلا رغم انفعاله غير المخفي فقلت مخففا عنه:
-كلامك منطقي للغاية , ومكانك لابد من وضع حد لسلوك متعنت مماثل .
وأكمل قائلا بحزن لم أشاهده به سابقا :
وطلبت طلاقها وتطلقنا ..فقط لأني لم أوصل زوج أختها ولأني لم أعتذر هل تصدق هذا
- أنت الرابح على ما أرى وسيعوضك الله بخير منها
-أقطع يدي هذه إن فكرت في الزواج مستقبلا ويلزمني وقت طويل لأعالج نفسي مما تسببت لي فيه
-ليس من السهل تقبل أمر مماثل
-وما حز في نفسي أكثر هو سنين الاعتذار التي لم تساوي شيئا
-بل على العكس تلك حجة لك أنك بذلت أقصى جهدك وتحملك
-ما أقساها من حجة وما ذا فعلت لتكون زوجة مثلها من نصيبي
- لابد أنها ستندم وهي الخاسرة لإنسان مثلك ومع الوقت ستعرف ما جنت يداها
-لا يهمني أبدا أمرها ولا ندمها ولا يحز في خاطري إلا ابنتي
وعم صمت وهدوء قطعته أصوات محركات السيارات التي تعبر الشارع , وفي دوامة الصمت نطق محفوظ وقد رفع بصره أخيرا عن هاتفه
-إذن طلقتها وارتحت منها الآن.
-لابد لي من الراحة , ولا أطيق حتى ذكرها, وانتهى ما بيني وبينها لأبد الآبدين
وفي شبه ثقة مد محفوظ يده إلى هاتفه وخاطب موسى قائلا :
-إذن أعطني رقم هاتفها فهي مطلقة الآن.
وما أذكره ساعتها أن موسى كان على يمني ومحفوظ على يساري فقط, غير هذا فقد اهتزت المائدة بما عليها وضرب بها موسى رأس محفوظ ,وهاجت المقهى بين مهدئ لموسى وساحب لمحفوظ ومبعد له , وكنت إلى جانب صديقي موسى محاولا تهدئته ولولا أن أبعد الناس محفوظ لكنت شاهدا في جريمة قتل .
محفوظ اختفى من مقهانا وأفكاري عن النساء تزداد سوادا, وخوفي من المجهول ينمو كورم آسن ,وقلت لنفسي في شبه مرارة وأنا أودع موسى بباب منزله:
-هل صحيح أن الاعتذار يجلب المذلة
وتساءلت أيضا
إذن كيف جنت عزيزة على نفسها بأنفتها الدائمة , وإن كان موسى حزينا لسنوات إعتذاره فهل هي سعيدة بسنوات أنفتها

الفصل الثامن

لابد أنها بداية فصل الشتاء حيث أشتد البرد ,وعصفت السماء بريح قوية تنبأ بشتاء قارس, ومع معطفي الشتوي وقبعة الرأس التي أضعها في طريقي إلى عملي أصبحت أسلك طريقي الاعتيادي , وتيقنت أن لا أحد سيتعرف علي, وربما مضى وقت كافي لتكون فضيحتي قد طويت, وباب العمارة إياها أصبح مواربا بعض الشيء بسبب البرد, ولا مجال لرؤية من تمسح الأرض والأدراج, أما خاطري فلازال معلقا بصورتها ومشهدها, وزاد تعلقي حين واجهتني يومها بمحياها الطبيعي ,وعينيها الكبيرتين وشفتيها المشققتين, وإذا قدرت عمرها فربما أقول أنها في منتصف عقدها الرابع أو بداية الخامس ,وبجسدها الممتلئ ونهديها اللذين يدفعان الجلباب بعيدا عن جسدها ,لا مفر لي من القول أنها أثارت حفيظتي للغاية .
موسى حاورني مرارا عن نظرتي للنساء , وقال دوما أن المرأة كيان لا ينبغي أن ننظر إليها من خلال جسمها أو حجم نهديها ,بل هي روح عذبة تسبح في أجساد مختلفة , وقال أن الرشاقة عز المطلوب دوما , وأن تعلقي المستمر بالممتلئات لا ينبئ إلا بنظرتي الحيوانية وأني بشكلي هذا لا أختلف في شيء عن الحيوان ما دمت لا أخاطب الروح.
وبالطبع خشيت أن أجيبه بما أصبح عليه حاله, أو أذكره بزوجته التي هجرته من أجل توصيلة للمطار, وبقضائه جل الوقت بعد العمل بناصية مقهى النجمة في تتبع لأجساد العابرات,وكان جوابي دوما أن الإنسان وليد غرائزه وأن الإنسان يلتقي بالحيوان في بعض الغرائز , بل رددت جملة لا أذكر أين قرأتها لشد ما ضحك لها موسى:
- كلامك معقول يا موسى , لكن يكفيني ما عشته كإنسان , وأن لي أن أستسلم لحيوانيتي قليلا.
ومرت أيام داومت فيها على عملي بالطابق العلوي للشركة, حيت تم ترقيتي إلى منصب رئيس قسم الأرشيف والترتيب, وسعدت بترقيتي وبالثقة التي وضعتها في رئيستي بالعمل, ورددت مع نفسي أن غرائزي الحيوانية لا تمنعني البتة من أن أكون مخلصا وأمينا في عملي

الفصل التاسع

رن الهاتف وكان موسى على الخط وكنت ساعتها بمكتبي بمقر عملي:
-هل أنت هنا بالعمل؟
-بالطبع وأين سأكون؟
-هل لي برؤيتك للحظة من فظلك يتعلق الأمر باستشارة.
-أين أنت الآن؟
-ببهو الاستقبال
-إذن انتظرني هناك أنا قادم
وطويت ما كان أمامي وتوجهت إلى جهة الاستقبال , حيت وجدت موسى كعادته بشعره الأشعث والمنفوش يدور برأسه في زوايا المبنى , وبجانبه سيدة توهمت أني وسبق لي رؤيتها , لكن عند اقترابي منها تأكدت أني سبق ورأيتها فعلا , ومع يقيني اهتز قلبي ,وصعد الدم الساخن إلى صفحة وجهي, كانت هي , ولا أحد غيرها
-هذا هو حسن الذي حدثتك عنه , إنه صديقي وسيفيدك لابد في مثل هذا الأمر.
ثم وهو يخاطبني ويشير إليها بيده:
-حليمة . من معارفي استشارتني في موضوع ربما أنت أدرى مني فيه فرافقتها لعلك تفتي عليها برأي صواب.
وطالعتي بعينيها الواسعتين وشفتيها المشققتين, وخلت للحظات أنها تعرفت علي , لكن لم يبد على وجهها ما يفيد ذلك, وبريح طيبة ومغلوبة تختلف بتاتا عما شاهدته فيها من بطش قالت:
-من فضلك سيد حسن ,إن كان وقتك يسمح أريد أن أستشيرك في موضوع يخصني
-على الرحب و السعة سيدتي لنجلس هنا
وجلست بنفس استكانتها, وبدا من طرف جلبابها السفلي ساق سميك للغاية مغلف بكولون ضيق , ولم أفلح أبدا في إخفاء تعلقي بالساق وصاحبته, وزاد منه مشهدها السابق المؤرخ في سجل ذاكرتي,ورن هاتف موسى من جديد, ولا أعرف ماذا كانت مكالمته لكنه بدا منشغلا واستأذننا ثم غادر على عجل مكملا مكالمته.
وجدتني في مواجهتها وعلى مقربة منها, في شبه حلم لم أتوقعه بتاتا , ولو حكى لي شخص حكاية مماثلة لما صدقت أن الأقدار قد تنسج الأحدات بنفس الشكل.
تململت قليلا فأعرتها انتباهي من جديد وعادت تقول:
-سيد حسن لقد حكى لي موسى عن طيبتك وخلقك وهذا شجعني لأطلب مساعدتك
ونطقت من أعماق فؤادي وفرحة مزقططة , تشملني مع رعب حقيقي يدك قلبي:
-على الرحب والسعة أنا رهن إشارتك
-حسنا .. المشكل أني تعرضت لحادت سير مروري, حيت صدمتني سيارة مند حوالي السنة بناصية الشارع هنا..كان حادثا بسيطا لكني تعرضت فيه لفك على مستوى القدم , وكلفني التوقف عن عملي ومصاريف إضافية ...
-هل تم تقييد المعاينة بحادثة السير ساعتها.
-نعم وقمت بتوكيل محامي في الموضوع...وأدركت أن المحكمة حكمت لي بتعويض.. وهذا ليس المشكل ,............ المشكل الذي قدمت من أجله أن المحامي لم يسلمني أي مبلغ لحد الآن, وعند سؤاله يخبرني أنه لم يتوصل بعد بالتعويض.....ومثل هذا الأمر أثار شكوكي كثيرا.. فاستفسرت موسى والذي كنت أساعد زوجته في أعمال التنظيف , وهو من أرشدني إليك لعلك تبحث لي في الموضوع وتعرف إن كانت شركة التأمين صرفت لي مبلغ التعويض أم لا.....
أجبتها مطمئنا:
هذا أمر سهل لابد لي من معرفة بعض الأمور كالشركة المؤمنة وسأتولى الأمر بكل سرور ,وأخذت هاتفها وأعطيتها هاتفي , وتعددت بعد ذلك الاتصالات بيننا حتى طلبت يوما رؤيتها وحددت مكان اللقاء مساءا بزاوية الشارع حيت توجد الشركة.
كانت مثيرة للغاية , هذا مل أنكره أبدا , مليحة لحد الجنون بجسم مليئ , وعن بعد وقبل وصولي إليها قلت مازحا :
-لن أسلم اليوم من قبضة يدها إن أفلت لساني بكلمة خارجة
كانت البادئة بالتحية, وكما حدست فسنها لابد جاوز العقد الرابع وأخبرتها بنتيجة بحتي وأن الشركة في طور صرف مبلغ تعويضها فتنفست وقالت:
-المحامي المسكين ظلمته وألبسته ما ليس فيه....
أمنت على قولها قائلا:
-لا زال في الدنيا أولاد ناس وأناس شرفاء
ثم دعوتها لكأس شاي وبعض الرغيف البلدي(المسمن) بمحل قريب ... وطال بيننا حديث ودي حتى ارتحت لها وخرجت عن خجلي , بل وجدتني أكثر جرأة في الحديث, وعرفت أنها مطلقة بدون أطفال وتكتري غرفة بسطح المنزل بنفس العمارة التي تسهر على تنظيفها أيضا ,وفهمت من وصفها أنها العمارة التي رأيتها فيها أول مرة , وأدركت أيضا أنها لا تذكرني البتة , ولا تذكر ما وقع لي معها فأرتاح قلبي , وطلبت لي ولها جبانيتي حريرة .
وفي بضع أيام وجدتني معتادا عليها, بل وأنتظر مجالستها بفارغ صبر فأحكي لها ما يضيق به صبري وأجد في تفسيراتها البسيطة ما يواكب سخريتي المريرة من حياتي ,وكان مكان لقائنا دوما هو محل الشاي والأكلات الخفيفة بالزاوية , فيجمعنا فطور الصباح, ويغادر كل منا لوجهته وإلى عمله, وإذا سنحت ظروف عملها ألتقيتها مساءا ونأخذ معا جبانيتين من الحريرة الساخنة , وأفرغ ما يضيق به صدري على مسامعها.
كنت مرتاحا للغاية في محل الشاي الشعبي وبجلستها اللامبالية بجلبابها الضيق , وقارنت جلستي معها بجلستي مع عائشة فأحترت في تفسير تعلقي بها وبجلستي معها وضيق صدري من الأمكنة الراقية , ورغم تعلمي ووظيفتي , ومكانتي كرئيس قسم ظل خاطري هاربا دوما من الأمكنة الخاصة ومن اللقاءات الرسمية , وقلت دوما ما أجمل الجلوس إلى امرأة مليحة تحت ضوء مصباح تقليدي ووسط مكان مفعم بروائح الشاي والحريرة.

الفصل العاشر

كان صباحا شتويا ماطرا للغاية وفي طاولة جانبية بالمحل جلست رفقة حليمة نتناول وجبة الفطور, وفي حديثنا الصباحي حدثتني عن نفسها وقالت::
-تعبت من العمل وأرغب في بعض الراحة ولو ليومين
-ألا تأخذين إجازة للراحة وتغيير الجو قليلا
ضحكت بصوت عالي من قولي وقالت
-الإجازة لكم أنتم المرسمون , أما أنا إذا أخذت إجازة ستضيع مني فرص العمل وسيجلب الناس غيري للتجفيف والتنظيف .
-وهل أنت مرتاحة في عملك هذا,
-صراحة لا أعرف ............ بالكاد أؤدي مصاريف الكراء وبعض مستلزماتي وأرسل بعض المال لوالدتي بالقرية ,وأحيانا أفكر بالهجرة وأحيانا أتراجع , وكنت على وشك الاتفاق مع شخص لتهجيري لكني لم أجهز المبلغ المطلوب., وقلت مع نفسي إنه ليس مقدرا لي الخروج بعد ,ربما إذا توصلت بالتعويض يتحقق القدر ...من يدري.
-نعم من يدري يوما ما تغادرين وأجلس وحدي هنا
وضحت بصوت عالي كعادتها وقالت
-أقصى ما أفكر فيه الأن أن أزور الضريح بمدينة مكناس وأقضي فيه يومي السبت والأحد لعل ذلك يرفع عني بعض العياء
لا أعرف كيف واتتني الشجاعة فقلت كصياد يرمي صنارته في الخواء:
-ربما نذهب معا ونكتري منزلا هناك
وقبل أن أكمل كلامي جمعت أغراضها بسرعة من الطاولة ورمتني بنظرة ازدراء وغضب , ثم غادرت المكان بسرعة مخلفة خلفها نظراتي الملتهبة لجسدها المفضوح وتمتمتي بالحمد لأنها لم تمسكني من ربطة عنقي.

الفصل الحادي عشر

مساءا جمعني المكان بموسى بمقهى النجمة ,وكنت في شبه حيرة وصدمة زاد منها مرض أمي أمينة وملازمتها الفراش , ومع معزتها عندي فإني لم أستطع زيارتها بسبب وجود زوجة إبنها معها بالمنزل, وبالكاد أستقيت أخبارها من الجيران.
موسى كان على علم بعلاقتي بحليمة , وكان يسخر مني دوما ويقول أنها لا تليق لصحبتي أبدا وأني لن أربح من ورائها شيئا ,,وحين حكيت له ما حدت وأنها تركتني جالسا أنفجر ضاحكا وقال :
-كنت أعرف أنها غريبة الأطوار ولست ياعزيزي أول من وقع معها في مثل هذا الموقف
-لن تكون غريبة أكثر مني
-لا تهتم أبدا ستأتيك غيرها.
-كم هي مثيرة
-غيرها مثيرات
-ليس بدرجتها
-اوف ..... هل تحبها أم ماذا إنها أكبر منك بعقد وأكثر
-لا أعرف لكني أريدها
أنفجر ضاحكا من صراحتي وقال
-ألم تكن معك بالصبح وأمامك ولشهر وأكثر
-ربما أسأت التصرف بقولي أو تسرعت
-في النهاية كنت ستقول ما قلته, تختلف فقط الجمل , لكن المراد واحد...
وأبتسم للحظة وأضاف :

حاولت قبلك ولم أفلح وحمدت الله أنها لم تفضحني مع زوجتي أما الأن فهي لم تدخل منزلي أبدا بعد طلاقي
تنهدت بعمق وأطرقت برأسي وسألته :
-هل من أخبار عن محفوظ
أنتفض واقفا في غضب ورمى بما تبقى من كأس القهوة في جوفه وغادر أيضا قائلا:
-إذا كنت ستذكرني بذلك الخسيس فالأفضل أن أغادر
ما بال الجميع يغادر ويتركني, وثقت في نفسي أكثر مما مضى ,ونسيت أحزاني السابقة ,وانغمست في إيقاع جديد لا قبل لي به , وسعدت بالجلوس تحت المصباح الأصفر بمحل الشاي ...ثم فجأة انتهت سعادتي ووأدت معها رغباتي وتخيلاتي في حليمة فإما أن أغادر من معركة لم تبدأ أطوارها أو أتوقف في المنتصف بين خاسر ورابح ...

الفصل الثاني عشر


موسى تغير كثيرا بعد طلاقه , ورغم ما يخبر به من سعادة بالطلاق ,فالواقع يبن خلاف ذلك,وزاد من وجومه وتجهمه , وقلت كثيرا عبارات مزاحه للعابرات, ومحفوظ اختفى كأنه لم يكن أبدا, وأمي أمينة توفيت وغادرت دون وداع ودون أن أزورها وبلغني خبر وفاتها مساءا حيت وجدت ابنها محمود بالباب يتلقى العزاء.
السماء كانت مكفهرة للغاية , وخيوط المطر تسارعت بشكل رهيب طرد كل الراجلين والتزموا جنبات المنازل , وخبر وفاة المرحومة شكل صدمة لي ..وقلت أنه كان من الواجب علي أن أزورها وأقبل رأسها, فطالما أحببتها وطالما جالستني كابن من أبنائها ,ولعنت في نفسي انشغالي وإهمالي .وقال محمود أبنها أنها ذكرتني بدعائها في جملة من ذكرت , ودعت لي بالسكينة , فحضنته بين ذراعي بالباب ,وسالت مني دمعة جافة , ثم تلتها دموع ,وكأن بابا موصدا في صدري فتح على مصراعيه ,و لم أشعر بنفسي إلا وقد جلست القرفصاء على عتبة المنزل , وأجهشت بالبكاء كطفل صغير , وتسارعت أنفاسي وزفراتي, وبدل أن أخفف على أهل المرحومة الخطب بالمواساة زدتهم هما على هم و تباكوا بجانبي آسفين .

جفت ينابيعي , والتزمت الصمت أمام الباب الرحيم ,ثم ودعت الواقفين ميمما جهة شقتي قبل أن أتوقف وقد شاهدت قواما مألوفا يقف قرب قرب الباب , تيقنت ,أنها هي ولا أحد غيرها, عائشة صاحبة الطلة البهية الأنيقة , أضطربت من جديد أمامها وركبني شعور الخشية الذي افتقدته أمام عزيزة, ومع تقدمها نحوي بخطوات مدروسة ومحسوبة خلتها طير بلبل يمشي على الأرض ولا أعرف إن كانت شاهدتني , لكنها اقتربت لتقدم العزاء لمحمود وبادلته عبارات المواساة , ووقفت قليلا كأنها تنتظر أحدا, وكنت ساعتها في مواجهتها أرتعد , ثم رفعت رأسها إلي وشاهدتني , نعم هذا ما تيقنت منه, وبدت عيناها مخضبتان متلألئتان بدمع خافت , وخفظت رأسها قليلا ويداها في جيوب معطفها الشتوي ,ثم إقتربت مني ونطقت بعبارة هامسة ورقيقة للغاية
-كيف حالك أخي حسن هل أنت بخير
وبنفس همسها أجبتها وعيناي تنظران إلى الأرض حيت موضع قدماي
-بخير ....بخير شكرا وأطال الله عمرك
- البركة في رأسك من جهة السيدة أمينة ,أعرف أنها تمثل لك الكثير وأنها بمرتبة والدتك, أتمنى أن يعوض الله محبتها في قلبك بالصبر
وتمتمت بعبارة هامسة
-لا أراك الله بأسا سيدتي.. أشكرك من كل قلبي
وحضرتني أمامها صورتها وهي تحرك كأس القهوة الملعون وقفزت فوقها كلمات الأغنية القديمة فأوجمت في صمت عنيد لا يقاوم وأنا خجل من سلوك سابق أقدمت عليه في حقها ,وقلت أنها ربما تجاملني فقط, ولولا الوفاة لرمتني بأقبح عبارات السب .
وواتتني شجاعة عابرة فقلت غير ناظر جهتها :
- خجل للغاية مما أقدمت عليه معك...لست إلا حقيرا جبانا .
ابتسمت بسمتها الحنونة ونظرت وقالت:
-لا عليك ........ مضى ذاك اليوم إلى غير رجعة رغم أنه سيبقى علامة استفهام في مخيلتي
-ما أقبحها من علامات استفهام, وصدقيني ليس إلا خوفا ينتابني من كل مجهول
-لا عليك

وعم صمت مرير تقطعه أصوات النواح والبكاء بالشقة وتحركت بجريرتي كلمات متسائلة صعودا ونزولا , ونادى مناد من أعماق داتي أن علي طلب موعد جديد معها ,فتشجعت وأقتربت منها , و وقلت محاذرا أن يسمعني الواقفون :
- هل أطمع في رؤيتك من جيد
أدارت عينها في المكان كأنما لتخبرني أن الوقت غير مناسب البتة وقالت بعبارة خافتة وملامح الإستغراب تعلو محياها :
-ربما
وتقدمت منها سيدة يظهر جيدا أنها والدتها وأنها كانت بانتظار خروجها من الشقة , وشيعتا الواقفين بنظرات سلام وغادرتا تحت سقف مضلتهما, فيما بقيت مرتكنا إلى جهة الحائط مستسلما لمشاعري المختلطة , وأختلط علي شعور الأسف لوفاة أمي أمينة وشعور الفرحة لحديثها إلي وقفزت بعض الأدراج مرددا:
من خضم الوفاة تنبعث أخبار الفرح...فطوبى للفرحين دوما , وكم كنت غبيا حين غادرت تاركا مثل هذا الجمال على الطاولة وحيدا , وربما هو حلم من أحلام الخيال أن أعود يوما لمجالستها

الفصل الثالث عشر
حل فصل الربيع وغادرت السحب المكفهرة إلى رجعة أخرى , وصفت السماء لحين مؤجل,و واظبت كعادتي على عملي وعلاقتي بموسى, فيما اختفت أخبار حليمة ومحفوظ وعائشة وما عدت أعرف عنهم شيئا وفكرت يوما في البحث عن مندوبية السياحة لتقصي أخبار عائشة ومحاولة إصلاح ما فات, لكن شعور الخشية ضل حبيس نفسي ومنعني من ذلك.
و واظبت على زيارة محل الفطور الذي ارتدته لوقت مع حليمة , وظلت ذكرى أمي أمينة تراودني بين الفينة والأخرى فتأسفت على فراقها وافتقدت هديها ونصحها.
حليمة وجدتها أمامي في صباح مفاجئ , دون أي سابق إنذار أو موعد
لم يتغير فيها شيء أبدا , وضلت وفية لملاحتها وإثارتها , وكما كانت مغادرتها مفاجئة كانت عودتها أكثر مفاجئة , وجلست أمامي كأن شيئا لم يكن أبدا , وكنت البادئ بالكلام :
-كيف حالك
-بخير هذه الساعة
-هل من سبب لغيابك لهذه المدة
التزمت الصمت ,ولم تنبس ببنت شفة , فأدركت أن سؤالي غير مرغوب فيه , فقلت :
-هل أطلب لك الفطور كالعادة
-حسنا
وتناولت أمامي فطورها لا تقطعه إلا أصوات الهمهمة بالمحل ,تم شكرتني وهمت بالمغادرة , فأمسكت يدها لأول مرة وقلت:
-هل أراك مساءا بعد العمل .
سحبت يدها من يدي وقالت:
-لا أعرف ............ لدي بعض الأشغال ربما لن يسعني الوقت
فعدت إلى مسك يدها وقلت برجاء :
-أحتاج رؤيتك
-علي أن أحضر سباكا لإصلاح صنبور الماء بغرفتي وربما لن يسعني الوقت
فقلت بلهفة:
- هذا أمر مقدور عليه ,ربما لا تعرفين أني أهوى السباكة ولدي كل العتاد بمنزلي لهذا الغرض وأن أردت فأنا أصلحه.
بدا عليها بعض التردد وقالت :
-نعم......... لكني لا أستطيع .
-فقلت بلهفة أكثر
-بل تستطيعين الأمر بسيط للغاية
ثم أضفت :
-هل نلتقي هنا مساءا كالعادة
-لا تكلف نفسك أرجوك
-سأنتظرك هنا بعدتي
ومر اليوم علي تقيلا للغاية , وحسبت ساعاته ساعة ساعة حتى وجدتني الساعة 6 واقفا أنتظرها بناصية الشارع وقد لبست لباسا رياضيا ,ووضعت بعض العدة في حقيبة ظهري ,
ثم لاحت بقامتها المليئة وجلبابها الضيق, فأثارت مهجتي من جديد وأسلمت معها نفسي لأي طارئ وأظهرت بعض الدهشة للباسي وقالت:
-هل تنوي بالفعل إصلاح الصنبور
-نعم اسبقيني وسأتبعك
وقلت لنفسي معزيا وأنا أتبعها :
-لا أمل لي في هذه الدنيا بعد نظرات عائشة غير إصلاح الصنابير
ثم توقفت على مقربة من العمارة وقالت :
-من الأفضل أن نحضر سباكا وتكون معي, أخشى أن يرانا أحد من الجيران هنا ويسيء إلي وإليك.
وبلغة صارمة خاطبتها قائلا:
-أصعدي فورا ودعي باب غرفتك بسطح العمارة مواربا وسأصعد دون أن ينتبه أحد
-لا أستطيع.. أخشى كثيرا..
وقاطعتها قائلا وأنفاسي تتسابق
-قلت لك اصعدي وسأتبعك.
وانسحبت تجر ملاحتها , فانتظرت قليلا وصعدت خلفها إلى سطح العمارة ,ودلفت إلى أول باب وجدته مواربا ,فوجدتها أمامي تبدو عليها بعض علامات الخوف , فحاولت طمأنتها وأخبرتها أن لا أحد رآني ثم وضعت عدتي فقالت بأنفاس متقطعة:
-ها هو الصنبور
ولا أعرف كيف واتتني الشجاعة وأعمتني غريزتي فاقتربت منها ,وأمسكت يدها ,......................... وقلت:
-لا حاجة لي بالصنبور أنت مرادي وأنت تعرفين هذا
-لا لا أرجوك
-أنا من أترجاك
وأخذتها بين يدي , فانفجرت ضاحكة ولم أسمع منها إلا بضع كلمات تطلب مني فيها الانتظار, ..................
وقالت :
-لا أعرف كيف طاوعتك
-ولا أنا أعرف كيف تشجعت وصعدت إليك
ثم طاوعتني لشهور موالية ,وجمعتنا علاقة خاصة في غرفتها بسطح العمارة , واعتدت الصعود إليها دون عدة أبدا, بل أصبحت مداوما على زيارتها بعد نهاية عملي , خصوصا أنها تشتغل دوما النصف الأول من اليوم , وسعدت للغاية بعلاقتي بها وبدفئها رغم فارق السن ,وقلت أن للحياة وجه أخر دافئ تخفيه الصنابير المعطلة , وأن فصل الربيع لهذه السنة قد هل علي بيمنه , وسلمت حليمة بعض النقود, وطلبت منها أن تصلح الغرفة وتبيضها وتجعلها لائقة بلقائنا , فلم تبد أي أعترض ووعدت بالإنجاز.

الفصل الرابع عشر

-ألم تطل علاقتك بحليمة أكثر من اللازم ................. أنت الآن في شهرك السابع معها وأظن أنه عليك وضع حد لعلاقتك بها والبحث عن زوجة .
هذا ما قاله موسى وإلى جانبه محفوظ وقد عاد لمجالستنا بعد أن قبل موسى اعتذاره وتوسله .
وأجبته متنهدا:
-لم يكن لحياتي أبدا معنى إلا بعد أن نعمت بحضنها فلماذا أقطع علاقتي بها
-لأنها أكبر منك بعقدين يا رجل هل تعي ما تفعل....ثم هل من نهاية لعلاقتك هذه....هل تفكر كالناس أم أن غرائزك أعمت قلبك .
-لا أعي أي شيء وغاية ما أنتظره دوما حضنها وجلستها البسيطة
-ما أكثر النساء من شاكلتها لكن هل ستستمر في هذه العلاقة غير المتكافئة
ثم أضاف ومحفوظ يركز ناضريه علينا معا:
-هل تراك تحبها أم ماذا
وتعجبت من سؤاله للغاية وقلت :
- وما ذا في الأمر .. ألا تستحق أن تحب أليست بشرا..
-ليس هذا القصد أنت رئيس قسم الآن وفي مقتبل العمر وهي أكبر منك بعقدين هل تعرف ماتفعل؟
-لا يهمني أن أعرف
-ألم تر عائشة يوما
-لا حاجة أبدا لرؤيتها
-على الأقل من أجل ذكرى الأم أمينة
توقفت قليلا وشردت بدهني كأن شيئا لامسني في أعماقي, ولم يكن غير حبي الكبير لأمي أمينة لكني عدت أقول:
-أمي أمينة توفيت ولا شيء يرضيها أكثر من صدقة و دعاء صالح لها بالرحمة
- يا مجنون إنها ..أمية وأكبر منك سنا ولا تليق بك أبدا أبدا
-كلنا سواسية
-أوف كم أكره خطابات من هذا الشكل
-لكنها الحقيقة
ثم وهو ينظر جهة محفوظ بامتعاض:
-المشكلة أنك لا تعرف الحقيقة
-يكفيني ما أعرفه الآن.. ولا حاجة لي بالمزيد ....والقليل من الحقائق يجعلني متنعما برحلة فوق السحاب
-مجنون ...
تم عدت لسؤاله وقد واجهتهما معا بكل جسدي ,
- وماذا فعلت.... أنت مع عزيزة أيها العاقل مالك الحقائق
وخفض محفوظ ناظريه أرضا ...وامتقع لون وجهه ,فيما أجاب موسى:
- لا شيء أنا غرقت وجاءني الخلاص, أما أنت فتغرق باستمرار .......يا رجل يجب أن تتوقف وتعيد الحسابات أم هل تراك أدمنت حليمة.
وأعجبتني كلمة الإدمان التي أستعملها وقد أحسست بالفعل أني أدمنت جسد حليمة فقلت:
-إن كان ما أحسه نحوها هو الإدمان فأنا غارق فيه لأذني
-وبعد
-لا يهم بعد أو قبل
ثم تكلم محفوظ وكان كعادته يلامس صفحة هاتفه وقال
-أرى أنك يجب أن تلتفت لنفسك وتتزوج ...........العمر يجري والزواج لا يتبعه إلا الأطفال
-أنت أخر من ينصحني
-يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر
وانفجرت ضاحكا ودمعت عيناي من شدة الضحك وأنا أراقب صلتعه اللامعة للغاية وعيناه الصغيرتان وقلت :
-لست إلا بركة موحلة بل غارقة في ا لوحل
وبدا أني استفززته بكلامي فنظر إلي نظرة كلها شرر وقال :
-إن كنت أنا بركة وحل فبماذا تسمي نفسك يا عاشق المسنات ؟
ولم يحرك كلامه في أي ساكن وأستمريت في ضحكي
ونطق بعده موسى قائلا:
-أرى أنه من اللازم علينا أن نزوجك قبل أن تغوص في مستنقعك هذا
-هل ستزوجني لأبدأ رحلة اعتذار تنتهي بالطلاق .
نظر إلي نظرات جامدة وسكت قليلا فقال محفوظ:
-الزواج نصيب وضربة حظ وكم من تعيس أسعده زواجه
-وكم من سعيد أتعسه زواجه
-أنت تبني أفكارك على أحداث منفردة
-لكنها الحقيقة
-ليست إلا حقيقة زائلة
ثم أنتفض موسى من صمته وقال موجها خطابه لي :
-هل ستكف عن عبتك هذا ..إذن خد العبرة مني وتزوج ولا تعتذر
-لم تسعد عزيزة بأنفتها وهاهي في منزل والديها فكيف أسعد أنا باعتذاري
-أووف هذه فلسلفة فارغة للغاية
وفلت لسان محفوظ فقال:
-لكن عزيزة هي الرابحة مهما كان
فنظر إليه موسى نظرات تقطر غضبا وقال:
-إما أن تحدتنا حديث الرجال أو تغرب عن وجهنا
وأضاف:
-في الزواج ليس هناك رابح وخاسر
وقلت مازحا ك
-عز القول وصميمه ما قلت.. هذا ما أنا عليه مع حليمة لا رابح ولا خاسر
وبدا أنهم يحاورون حائطا صلدا ... لا أمل في تغيير أفكاره فاستكانوا قليلا ... واستسلموا لكؤوس قهوتهم بمقهى النجمة العتيدة فيما استسلمت لمخيلتي

الفصل الخامس عشر

مضت شهور سعدت فيها للغاية بعلاقتي بحليمة . واعتقدت فيها أني توصلت إلى حلول لبعض المعادلات الصعبة التي طالما أرقتني , ونعمت فيها براحة نفسية مديدة, وأكثر ما كان يعجبني في حليمة ثقافتها البسيطة وقلة اهتمامها بما يجري خارجا وكانت دوما تردد:
-لن يصيبنا إلا المكتوب لنا
ولتعلقي الشديد بها فقد حرصت على تلبية بعض احتياجاتها , ومساعدتها في مصاريف كراء الغرفة والتي أصبحت أستغلها معها .
أما فارق السن بيننا فلم يشكل أي فرق بالنسبة لي, بل على العكس ,آثر في ذلك رغبة زائدة في جسدها الناضج وجعلني أنعم بتجاوب كبير منها بل قلت مع نفسي مرارا وأنا أستعيد بعض لحظاتي معها:
-ما أقسى ما عانيته قبلها وما أشد سعادتي بأيامي في حضنها
ومع بداية الأسبوع الأول من شهر يونيو, ومع اشتداد الحرارة فكرت في تجهيز الغرفة بمكيف ,وقلت ساخرا ما أسعدني بهما معا , حليمة والمكيف.
ثم كان أن تلقيت استدعاءا من مديرة الفرع ,وخلته في البداية اجتماعا دوريا من الاجتماعات التي تعقد بصفة دورية على مستوى الشركة , لكن بوصولي أدركت أن الأمر مختلف ولم يكن أحد غيري بالمكتب , ونظرت إلي نظرات باسمة من خلف نظاراتها الخفيفة فذكرتني بعائشة خصوصا بشعرها الكستنائي الجميل والخفيف وقالت:
-كيف حالك سيد حسن.. وما أخبراك فوق ألا نسمع صوتك حتى نستدعيك
وركبني خوفي و وجلي الشديد, وهو شعور ينتابني أمام كل إمرة جميلة مثقفة ,ثم صعد إلى شعور بالمرارة والخزي وأنا أتأمل اضطرابي أمامها , و أقارنه بشدتي وثقتي الزائدة مع حليمة وقلت في قرارتي:
-لست إلا ذئبا متضورا يقتات على لحم تلك المسكينة .
-هل أنت معي
لم أنجح أبدا في إخفاء ارتباكي أمامها وقلت:
-نعم سيدتي أنا رهن إشارتك
ثم عدت للغوص في بحر حيرتي
- يبدو أنك لم تتغير أبدا عن أول يوم حضرت فيه للاشتغال معنا, وها أنت تشغل منصب رئيس قسم ومع ذلك تخرج الكلام بالملمتر.
تململت في مكاني وقلت :
-أسف سيدتي ليس إلا ..
وكنت على وشك أن أقول خوفا من المجهول لكني سحبت لساني ... ما من مجهول أبدا هنا وهذه ليست إلا المديرة, وما بال أطرافي ترتعش كأنها ستزج بي في السجن , ثم حضرتني كلمات الأغنية القديمة وصورة ابنة الجيران الشعتاء.
-لا عليك, مع صمتك واعتكافك بقسم الأرشيف أعلاه, لابد لي من الاعتراف بكفاءتك وإخلاصك وانتظام القسم الذي تشرف عليه.
-هذه شهادة أعتز بها سيدتي.
-هل تأخذ معي كأس قهوة دافئة.
-على الرحب والسعة
وشربت القهوة , وأنصتت لما قالته المديرة , وخرجت من مكتبها مصدوما , تنتابني أوجاعي , وقلت ساخرا :ها قد عاد القدر لمشاكستي من جديد ,ولن أنعم بعلاقتي بحليمة كما أعتدت بعد أن أشعرتني المديرة بتعييني في مهمة بمدينة طنجة لمدة ثلاثة أشهر من فصل الصيف .
موسى فرح للأمر و هلل له وقال:
- هذه فرصة لتقلع عن إدمان يركبك
ومحفوظ سخر مني وقال :
ما عليك إلا أن تطوف الشوارع وتبحث عن مسنة أخرى تناسبك
ونفسي حدثتني من جديد بحيرة قادمة , وأيام غريبة قد أعود فيها إلا حزني القديم ويأسي المتهالك, وذرعت غرفتي ذهابا وإيابا من شدة غيضي, وانتابتني رغبتي الجامحة في فتح النافذة وإطلاق حنجرتي للعواء ثم قلت:
- لا طاقة لي في قضاء أسبوع على الأقل بدونها فكيف السبيل إلى ثلاثة أشهر وهل سأقضي المدة في ذهاب وإياب بين مدينة أسفي ومدينة طنجة ....لعلها رحلة مضنية وما من حل إلا مرافقتها لي ,وأكدت العزم وعقدت الأمر...وأقفلت النافدة دون صراخ وقلت:
- إما أن ترافقني أو أعتذر عن المهمة وهذا ما قضت به الأقدار
ومساءا حين جمعتني الجلسة بحليمة استغليت فرصة طربها ودندنتها على إيقاع جهاز الموسيقى فيما كانت تعد لنا وجبة عشاء خفيفة وقلت:
-سأسافر للعمل بمدينة طنجة وقد قررت أن ترافقيني ...وليس الأمر إلا قدرا محتوما
والتفتت جهتي فواجهني محياها وبدا منها بعض الانزعاج, ووضعت جانبا ما كانت تعده وقالت:
-إما أنك مجنون أو أنك تريد أن تجنني
-ليس إلا قدرا محتوما
-لن أغادر غرفتي أبدا
-ستكون فرصة لتزوري مدينة طنجة
-الأمر يتعلق بعملك وعليك أن تكون أكثر حزما,
-بعيدا عنك ستنهار أعصابي
- مهما كان لن أغادر ولن أتخلى عن عملي وناسي .
-سأعوضك عن ما لحق بك من خسارة في عملك
-سأخسر أشياء لا تقبل التعويض إذا رافقتك
-هل لي بمعرفتها
-يكفيك ما عرفته عني
-هل أطالب بأشياء ليست من حقي
-لا أحد يعرف حقه اليوم
-إذن هل نغادر معا
-أبدا
وفي اليوم المولي كان علي أن أشحذ كل قوتي , وطلبت مقابلة المديرة , ,اختصرت الكلام دون أي مقدمات وقلت واقفا:
-سيدتي أرجو أن تعذريني ..لن أستطيع الانتقال لمدينة طنجة من أجل المهمة المذكورة
-وبدا عليها الانزعاج وأخفت غضبا بدأت معالمه تطفو على وجهها وقالت:
-سيد حسن هل من عذر منطقي نقدمه للمركز , فأوراق تكليفك تم إنجازها , وقرار مثل هذا لا يخدم مسيرتك المهنية .....هل تعي هذا ثم إن الأمر ليس إنتقالا , ما هي إلا مهمة لأشهر الصيف..
وغادرت مكتبها واقفة وقالت وهي تلوح بيديها معا :
-هذه ثقة نضعها فيك ...المفروض أن تكون في مستوى الثقة
-ليس إلا قدرا محتوما سيدتي وأرجو أن تعذريني
وعم صمت أعرف مذاقه جيدا , ونظرت جهتي لفترة طويلة وقالت:
-لابد أنك شخص غريب
ثم غادرت المكتب لا ألوي على شيء يتقاسمني شعور بفرحة أبدية , وشعور بخزي ملعون ,وحملت هاتفي وأخبرت موسى بما أقدمت عليه فلم يزد رده عن كلمة واحدة
-مجنون
وقلت لنفسي مطروبا في قسمي بالأعلى:
-ما أشد ما تعج به النفس البشرية من خلجات ,وإنه لغريب أن تطفو إلى الأعلى قرارات ملعونة في أوقات غير مناسبة, وتختفي تلك القرارات في الأوقات المناسبة

الفصل السادس عشر


مضت أيامي مسرعة وتشابهت , وأصبحت أقضي غالبية مساءاتي في غرفة حليمة ,ومنا إلى مقهى النجمة العتيدة , موسى توقف عن نصحي ومجادلتي وزاد من حالته أنه أكتشف إصابته بارتفاع في مستوى السكر والضغط , وأثر ذلك على نفسيته خصوصا أن طليقته منعته من زيارة ابنته, ومع السكر والضغط أصبحت أنا ومحفوظ لا نرد عليه إلا بالإيجاب, ويوما ساءت حالته للغاية ,وتبعته للمستشفى بعد أن أخبرني محفوظ بالأمر , وأخبرنا الطبيب أنه أصبح بحاجة إلى حقن الأنسولين وعليه الانتظام في أخدها ,وثم الاحتفاظ به في المستشفى لمدة يومين ,وسألته وشعور كبير بالعطف ينتابني اتجاهه:
-هل أخبر عزيزة بالأمر ربما عليها أن تحضر لزيارتك رفقة ابنتكما ؟
ونظر إلي نظراته الغريبة اتجاه الأفق المفقود وقال:
-ما كنت لأرغب في رؤيتها وأنا في كامل قواي فكيف الآن وأنا طريح الفراش.
-الأمر يختلف والصحة والمرض من أمور الله
-كل شيء لله
-إذن هل أخبرها؟
-أبدا
-أتراه أمرا معقولا ؟
-نعم العقل ما أقوله
-الأعمار بيد الله
-أفضل الموت على رؤيتها لي هكذا ولا حاجة لي بشفقتها .
-ألا ترغب في رؤية ابنتك؟
وسالت دمعة من عينه ,وشقت طريقها على جانب خده فأشفقت عليه ولعنت في نفسي كل نساء العالم وقلت:
-هل أخبرها وندع الأقدار تفعل ما تشاء؟
-أبدا أبدا لن أسمح لها برؤيتي وأنا في حالتي
-أعطني فقط رقم الهاتف ولا عليك وثق أني سأحضر ابنتك لرؤيتك
وبابتسامة ساخرة فتح هاتفه وأعطاني الرقم ,ثم خرجت إلى البهو وركبت الرقم ناويا أن أستعطف عزيزة لتسمح بالبنت برؤية أبيها , لكن الهاتف كان مقفلا وغير مشغل , ورغم محاولاتي العديدة لم أفلح في ربط الاتصال , فعدت إليه ووجدته مبتسما ودمعته تتلألأ على خده وبادرني قائلا وملامح يأس قاتل تغطي صفحة وجهه :
-هل عرفت إذن ... حتى الهاتف قطعته وحرمتني من كل اتصال بابنتي لا سامحها الله .
-يا لها من أقدار غريبة للغاية
وقضيت معه طيلة يوم السبت , إلى غاية أن سمح الطبيب بمغادرته مساءا فحملته وأخذنا سيارة أجرة وحملته إلى منزله ,وقد بدا في حالة أحسن من الأمس , تم ودعته ولا وجهة لي بعده غير حليمة .
في طريق صعودي أدراجها التقيت محفوظ نازلا , وأحاط بي ا لعجب وتساءلت عن سب وجوده هنا , وأكملت صعودي وأنا في غاية العجب دون أن أسائل نفسي أكثر مما يلزم, لكن بدخولي الغرفة شممت رائحة السجائر ,وحليمة لم يبد عليها أي انفعال حين سألتها:
-أكان معك شخص أخر هنا؟
انفجرت ضاحكة ضحكتها الفاجرة المثيرة وقالت:
-شخص مثل من ومن سيكون؟
-محفوظ مثلا
-لا أعرف شخصا بهذا الاسم
-لكني صادفته في درج العمارة نازلا
-إنها أدراج عمارة ولا أحد يعرف الصاعد فيها أو النازل
ثم وأنا أشير إلى مطفأة السجائر بيدي :
-أليست هذه أعقاب سجائره هنا, أم تراك تعلمت التدخين اليوم
-وبدا عليها قليل من الارتباك وقالت وهي تلفني بذراعيها :
- لما ذا تشغل بالك بأمور بعيدة عنك؟
-هل تعتبرين الأمر بعيدا عني ؟
- إن كنت تريدني فأنا معك الآن وحدك.
-وصعدت إلى وجهي سخونة قاتلة ودفعت ذراعيها وقلت
-نعم لكن ليس بهذا الشكل أنت لي وحدي
وانفجرت من جديد ضاحكة و تراجعت للخلف والتزمت أقصى الغرفة وقالت :
- لماذا لا تلعن الشيطان في هذه الليلة ؟
-لا شيطان غير الإنسان
- أنت تبحث في أشياء لا تهمك
ثم وهي تجلس على طرف السرير
هل سألتك يوما مع من كنت أو من تحادث
-إذن هذا اعتراف منك
-لا سلطان لك علي لأعترف أو لا أعترف
-هل هذا معقول
-بل هو نعم المعقول
-بل هو سلطان الحب
-ليست إلا رغبة زائفة وستنقضي حين يبلى جسدي
-بل هي رغبة حقيقية
-أنت لم تجرب الزيف لتعرف الحقيقة
-يكفيني ما عرفت معك
-وها هي معرفتك تتدخل في شئوني
-أليس لنا شأن واحد
-لكل شأن يخصه
- وهل لمحفوظ أيضا نفس الرغبة الزائفة
-ذلك أمر يخصه
-لكني أحبك
من جديد تنفجر ضاحكة وتقول وهي تتمدد على السرير
-لماذا لا ترحم نفسك وتأتي هنا .
-جواب منك يرحمني
-لا جواب عندي لمن لا سلطان له علي
-إذن نتزوج
-ونظرت إلي وقد صعقها ردي وقالت :
-لابد أنك مجنون
-جننت يوم عرفتك
-ربما علينا أن نوقف كل شيء قبل أن تسوء الأمور
-ستكون نهايتي
- أنت شخص غريب وأحيانا تخيفني
-لن أتخلى عنك مهما كان
-لا شيء بيننا يدعوك لكل هذا التعلق
-بل أنت كل حياتي
-لابد أنك تمزح
وأخذت يديها بين شفتي وقبلتهما وقلت وأنا أمسح بهما وجهي:
-أرجوك لا تتخلي عني
-ومحفوظ
في حسرة لاهبة قلت
-لا شأن لي به
ونظرت إلي نظرات جامدة دون أن تحرك وجهها فقلت:
-ولا بغيره أبدا

الفصل السابع عشر

لا أعرف إن كان إحساسا صادقا, أم أن الأمر مجرد خيالات وتهيؤات , وقلت لنفسي أني إذا وصلت لمرحلة التهيؤات بهذا الشكل فقد لامست طريق الجنون بحق.
الهمسات كثرت حولي في مقر عملي , وأصبحت أسمع جملا وتعليقات لا عهد لي بها ,وتكررت الجمل غير المرة مرات من قبيل : ويلك من المشتاق إذا ذاق , وامسحيني يا منشفة .
وكلمات مثل هذه كانت تثير غضبي للغاية , ومع هدوئي المنسوب وعدم مبالاتي بما يدور حولي فقد فقدت زمام أمري , ولم أعد أستطيع التحمل أكثر .
ويوما وبمجرد تجاوزي بهو الاستقبال حيت كان بعض المستخدمين مصطفين أمام آلة التنقيط اليومي , تجاوزت الجميع بحكم أني رئيس قسم وقلت موجها خطابي لمن سمع منهم أو لم يسمع :
-صباح الخير يا كرام
وسحبت ورقة التنقيط اليومي ويممت إلى المصعد, غير أني أذناي التقطت صوتا هامسا قائلا:
-صباح المنشفة والسطل
واستدرت وموجة من جنون الغضب تركبني , ودون إدراك مني تعريت من هدوئي المعهود , وبدأت في كيل الشتائم والسب للجميع دون تمييز , ودفعت أقرب مستخدم بيدي على صدره وكان عبد الستار أبو لوزة حتى تهاوى و تراجع , وسقط بين يدي نجاة شركر الواقفة خلفه,
وقلت :
-لا شأن لكم بي , وليهتم كل شخص بشئونه
وأضفت وأنا أمسح المكان بناظري يمينا وشمالا
-أنتم جماعة من الحمقى والمنبوذين
وراقبت عبارات الدهشة على محياهم جميعا , وبدوا كما لو أن صاعقة ضربتهم وشتتتهم, ثم وليتهم ظهري وانصرفت.
ولم يمضي على الموضوع أكثر من دقائق حتى وجدت نفسي أمام المديرة من جديد , واختفت هذه المرة عبارات الترحيب التي استقبلتني بها , وبدت أكثر حزما وأشد غضبا, ولم تدعني حتى للجلوس , فنظرت إليها نظرات فائرة وسحبت الكرسي وجلست أمام نظراتها المستغربة , وبدا أنها احتارت في أي شيء تفعله بموقف مماثل , فضغطت الزر يمينها وطلبت حضور عبد الستار أبو لوزة رئيس قسم المستخدمين والعاملين , و في ظل صمتها المحير لدقائق , وضعت رجلي فوق الأخرى في غير مبالاة وقلت:
-إذا سيدتي هل طلبت رؤيتي
وبدا عليها بعض التشتت وقالت من خلف نظاراتها :
-دقيقة من فضلك لعل السيد عبد الستار يشاركنا الكلام بحكم وظيفته
وقلت وأنا أتنفس بعمق
-فليكن.. وها أنا بالانتظار و ليجازي الله عبد الستار وغير عبد الستار
-أقلت شيئا
فأجبت وأنا ألعب بمفاتيحي وأضرب بها على كعب حذائي
-تختلف الأقوال والحقيقة واحدة
-هل أنت على ما يرام
-لا أحد يبلغ المرام ومن بلغه فهو من الصفوة
وبنفس دهشتها وحيرتها قالت
-هل وقع شيء لا علم لي به
فأجبتها مع ضربات متتالية بمفاتيحي على كعب حذائي :
-المنشفة و السطل
وفغرت فمها في دهشة بالغة, واتسعت عيناها ,وأعادت الضغط على الزر بارتباك مفضوح مستعجلة حضور السيد عبد الستار , وكان أن دخل يعرج ويجر قدمه اليسرى وقد نزع بذلته الفوقية , فطلبت منه المديرة الجلوس وقالت موجهة خطابها لي :
-هل أعرف بالضبط ما حدت سيد حسن
-أرجو أن تسألي السيد عبد الستار
-أنا أسألك أنت
-إذا لا علم لي بما حدث
-ألم تدفعه حتى سقط على ظهره
-بل سقط بين يدي نجاة شركر, ولم يلامس ظهره الأرض, ولا حاجة لأن يعرج كأن قطارا صدمه
- إذن أنت تعترف و نجاة شاهدة معه .
-فلتشهد بما رأت وسمعت , كلنا سنشهد أمام الله وما هي إلا أقدار محتومة.
وضلت نظرات السيد عبد الستار مركزة على قدمي التي رفعتها فوق الأخرى فأضفت:
-البادئ أظلم
-هذه إدارة سيد حسن و ليست غابة
-وليست أيضا مكان للسخرية من العاملين
-إذن هل سخر منك أحذ العاملين
-مرارا حتى فاض بي الأمر, وأخرها المنشفة و السطل
ولم يبد على عبد الستار أي رد فعل على كلامي فيما قالت المديرة :
-لم أفهم ماذا تقصد بالمنشفة و السطل
وأشرت إلى عبد الستار بيدي وقلت :
-هو يعرف ............ وفي النهاية الأمر كله قدر مكتوب
وبدا عليها الامتعاض وتوجهت إلى عبد الستار وسألته:
-سيد عبد الستار ما قصة المنشفة و السطل؟
-وأجاب والدهشة تغلف وجهه
-والله سيدتي لا علم لي هذه أول مرة أسمع فيها هذه القصة
فقاطعته قائلا:
-لا تكن كاذبا وأنت رجل أشيب , لقد كنت حاضرا
وزادت دهشته أكثر وقال:
-كان الله في عونك يا ولدي
- وأجبته في حنق
-طريق الله مفتوح لعباده جميعا , ولا حاجة لي لدعائك
و قالت المديرة كمن وصلت لطريق مسدود مخاطبة عبد الستار:

-لننهي الحديث هنا تجنبا لأي خلافات

وأضافت :
-أعتقد أن علينا أن نعطي للأمور طابعها الرسمي , والسيد حسن مدعو لقسم الموظفين للإفادة بما وقع بطريقة رسمية لأن أمورا مثل هذه لا مجال لكتمانها عن الإدارة .
ونطق السيد عبد الستار قائلا:
-سيدتي أنا سامحته ولا أريد منه شيئا , وعفا الله عما فات
وردت عليه قائلة :
-ليس الأمر بيدك ولا بيدي أنا , وسأكلف نائبك عبد الحميد سمارة ليقوم بالأمر عوضا عنك ما دمت طرفا في الموضوع .
-فلتكن مشيئتك سيدتي
وخاطبتي قائلة:
-هل سمعتني جيدا سيد حسن
وأجبتها حانقا :
-لا مشيئة إلا مشيئة الرحمن .
و ثارت ثائرة نفسي وقد أدركت أن الأمر بهذا الشكل إدانة لي وقد يسئ إلى مركزي وعملي أو يتم تنقيلي فقلت :
-الأصل أن تبحثي عن العدل والإنصاف سيدتي
وقال عبد الستار موجها كلامه لي :
-عني أنا سامحتك ولا أريد أن أتسبب لك في أي مشكل بعملك وقوت يومك.
-لا حاجة لي بمسامحتك ولا بدعائك أبدا
-فلتكن مشيئتك يا رب
وغادرت عملي بعد نهاية دوامي ولا سبيل لي أبدا غير غرفة حليمة ,وحملت في طريقي ما وجدت من فاكهة ومشروب وقطع كفتة ساخنة على الفحم ,وعند وصولي رميت لها بما حملت ,وضممتها إلي قائلا:
-أنت عزائي الوحيد في دنياي, وها هي الأقدار تعاندني من جديد, ودونك لن أكون إلا ضالا شريدا


الفصل الثامن عشر

في ساعة متأخرة للغاية غادرت غرفة حليمة وموجة حيرة تنتابني, ليست أول مرة أعاني فيها من حيرتي , ولن تكون الأخيرة ,وطوال مشوار حياتي الممتد بعمر 3 عقود ما عانيت أكثر من شيء بقدر ما عانيت من الحيرة , الحيرة الدائمة, والخوف من المجهول الأبدي , وجهان ليد واحدة تصفعني المرة تلو المرة,
قطعت شارع المقاومة حيت أسكن دون وعي مني , وأطلقت رجلي للطريق , ومع جو الصيف الخفيف وبدلتي الخفيفة ركبتني نشوة عابرة للمشي , فاستجبت لها وقطعت ما شاءت لي الأقدار من مسافة حتى كلت قدماي , وخفت على نفسي من لصوص الليل , فأشرت لأول سيارة أجرة وعدت أدراجي إلى منزلي ,و انتابتني من جديد رغبة قاتلة في الصراخ من أعلى نافدتي , وتشتت أفكاري كصفحة طمس مدادها بالماء وقلت عن يقين مقطوع:
لا محالة أني دخلت دوامة التيه الأبدي , وإن لم أجد حلا سأضيع كل شئ لأبد الأبدين ...........,الحيرة لا تكاد تنفك عني , ومع تعقد الأمور في عملي بدأت نفسيتي تتعب , وحقائقي تذوب , ويوما ما سأجد نفسي بدون عمل ولن تنفعني أفكاري السوداء ,
وكنت أدرك أن لا مفر لي من الإقلاع عن غرفة حليمة وطرق باب الزواج وهو ما قاله موسى مرارا وأخر مرة قال:
-إن لم تسرع بالزواج وقطع علاقتك بحليمة ستهد في لحظة ما بنيته في سنين
وكنت أعرف أن كلامه منطقي , وأن الطريق الذي أسير فيه لابد سيوصلني إلى نفق مسدود موحل, وكم من مرة قررت التوقف عن زيارة غرفة حليمة وقطع علاقتي بها, لكن الصراحة المرة هي أني عجزت ولم أستطع مقاومة أغرائها أبدا , وبالرغم من تصميمي المبيت , فإني كنت أجد نفسي منقادا مغمض العينين إلى غرفتها بعد نهاية عملي .

***************************
عبد الستار ابو لوزة رئيس قسم الموظفين بالشركة , كهل قارب سن التقاعد,و لم تجمعني به يوما غير تحية المساء والصباح وطلبات الإجازة أو بعض الرخص أو اجتماعات نهاية الشهر , وغير هذا فربما طوال مدة خدمتي فإني لم أكلمه وجها لوجه غير ست أو سبع مرات , وصباح اليوم الموالي لا أعرف كيف وجدته أمامي بالطابق العلوي وبادرني قائلا :
- صباح الخير سيد حسن كيف الحال
وأجبت باقتضاب ومضض:
-بخير كم ا أبدو ..........سيد عبد الستار
- الحمد لله ....هذا عز المراد
ودفع الكرسي وجلس قبالتي وأضاف:
-ألا زلت غاضبا مني
وأجبت وأنا أمرر يدي على صفحة وجهي :
-لست غاضبا لكنك لم تشهد بالحق, وأنت سمعتهم سخروا مني
-والله يا ولدي ما سمعت شيئا , ولا نجاة سمعت ولا غيرها سمع.
إذن يبدو أني جننت
-حاشا لله ما هذا القصد
-ما من تفسير غير هذا
-لا حاجة لك لترهق نفسك بكثرة التفكير في الأمر
-لا أقبل السخرية أبدا
-الأمر مر ومضى وأنت شخص موهوب في عملك والكل يحترمك ويقدرك
-لا تجاملني سيد عبد الستار, أعرف ما يجول في خاطر المستخدمين
- كل شخص حر في تفكيره سيد حسن والأمر بسيط للغاية ,عليك أن تبحت عن فتاة صالحة وتتزوج وتنسى كل شيء .
-إذن أنت سمعت وتنكر, وإلا ما حاجتك في نصحي بالزواج
-الزواج حصن كل إنسان.
-لابد أنك تعرف ما أقصد وتمازحني
-يا ولدي إ أنت في سن مناسبة ولابد أن تجرب الزواج وستجد فيه حلا لمشاكلك
وتفحصت عينيه الباسمتين ووجهه المضيء وقلت :

-أشكر نصيحتك سيد عبد الستار

وأضفت في همس :
- أفكر في الأمر باستمرار لكني ......
ثم شل لساني
وقال :
-لديك مركز عمل مناسب وأجرة مناسبة إذا ما حجتك
للحظة بدا لي صادق النية , طيب العزم والتصميم , ولا أعرف لماذا تذكرت كؤوس البلار الثلاثة التي ورثتها عن والدتي , وبدأت أعد من الواحد إلى الثلاثة على أطراف أصابعي كأسا كأسا و قلت:
-لا شيء ....لا شيء أبدا غير الخوف, نعم إنه خوف يركبني من المجهول , ومن كل ريح قادمة, وإذا قدر لي أن أركب البحر ككل الناس فإن أول شيء سأفعله وأنا أصادف الريح أن أنزل شراع زورقي ......دون أي مقاومة ولا تجديف
وأضفت في حسرة ظاهرة وعيون السيد مركزة على شفتي :
ولو صحوت يوما ووجدت زوجتي إلى جانبي لهان الأمر وقضي, لكن أن أبدا المشوار من أوله أو أطرق باب إنسانة للزواج , هذا ما يخيفني ويرعبني
ورن هاتف عبد الستار وألقى نظرة على شاشته وقال:
-مرة أخرى أنا أعتذر لما وقع هذه يدي ممدودة لك
وصافحت الرجل وغادر وقد زادني كلامه تصميما على البحث عن زوجة والخروج عن طريق قد ركبني وركبته .


الفصل التاسع عشر



مقهى النجمة العتيدة أحب مكان إلى قلبي , وغاية مناي حين تشتد حيرتي وهناك يجمعني المجلس بموسى أو محفوظ الخائن الذي لا ينفك عن مؤانستنا رغم سوابقه
موسى قرر أن يزوجني وقال :
إن كنت صديقك فستقبل نصحي وإرشادي والزوجة جاهزة
-ما من إنسانة تقبل بي موسى
-لكل حبة مشتري ورزقك سيأتيك كيفما كنت
أنت لا تعرف عني أشياء كثيرة
-ربما لكل مشكل حل
- ............أنا أصحو في الليل وأصرخ وأعوي كالذئب, وأحيانا تنتابني موجات قهر تعمى معها بصيرتي, وأفكر في أشياء غربية
وضحك محفوظ حتى أستلقى على ظهر الكرسي وأخد رشفة من كأس قهوته وقال:
-هذا ما ينقصك ...العواء
فقلت موجها خطابي لموسى ومتجاهلا محفوظ :
-هذه أيضا مشكلة أخرى فأنا محط سخرية أينما رحلت
وربت على يدي وقال:
-لا أحد سيسخر منك إن قطعت علاقتك بحليمة , وكان يوما أسود يوم رافقتها إلى مقر عملك
-لتكن مشيئة القدر
-جميل جدا ماذا تقول إذا أخبرتك أن زوجتك جاهزة ولن تكلفك مليما واحدا
وراقبته بدهشة فأضاف :
-اسمع وأعطني أذنك, إنها ابنة أخي الأكبر من والدي الذي توفي قبل زواجي , عمرها 31 سنة تعيش في البادية , وتزورنا من الحين للأخر وتملك رفقة أختها ووالدتهما على قيد الحياة أراضي وعقارات منها المنزل الذي أسكن فيه والذي ورثثه عنه معهن .
ونظرت إليه نظرات جامدة فأضاف:
-عن الجمال أو الأخلاق لا تسأل أبدا وأترك الأمر علي
-ليس هذا القصد
-ستتوكل على الله
-أنا من أشد المتوكلين
-إذن متى تزورني في المنزل لتراها ولا شيء يجبرك لاتخاذ أي قرار, بل خد الوقت الكافي للتفكير
وهتف محفوظ قائلا:
-إن لم يرغب بالزواج بها أنا أتزوجها
فنظر إليه موسى نظرات باردة وقال:
-نحن لا نزوج بناتنا إلا للرجال
وخاطبني قائلا :
-ستكون بشارة السعد عليك وسيرزقك الله منها أطفالا
محفوظ غضب وقال أنه لا يقبل ان يمس في رجولته وموسى لم يبالي أبدا وقال لي :
لا أعرف سر تمسكه بالجلوس معنا وقد أصبحت لا أستسيغه أبدا
-أما أنا فقلت
-لا طاقة لي أبدا لطرده وقد ضبطته مع حليمة, فكيف أملك الطاقة الكافية لزواج جديد .............................رحماك يا رب ولتكن مشيئة العارفين.

******************
أمضيت أسبوعا كاملا أقلب الأمر على ضفته , وسألني موسى عن قراري ونحن جالسان في المقهى المألوف , وإلى جانبنا محفوظ ,وقد رأيت إبنة أخيه مريم بمنزله رفقة أختها ووالدتها وأعجبت بها للغاية فقلت :
-لا زالت أفكر
-ربما يطول تفكيرك أكثر من اللازم فتضيع منك
وقلت وأنا أنظر جهة محفوظ :
-إن كانت مقدرة لي فلن يأخذها غيري
- أحيانا تأتي الأفراح دفعة واحدة
-أو تأتي النوائب دفعة واحدة
-بعد زواجك لابد لك من التخلي عن تشاؤمك وفي النهاية لن تكون إلا مشيئة الله
- مفارقة تشاؤمي أمر بعيد
-إذن ما قرارك وقد رأيت الصبية
-لا زلت أفكر
-لا بد أني أرمي الدلو في بئر فارغة
-لكل دلو رزقها
وقال محفوظ
- زوجوها لي ........ يا قوم وكفاكم نقاشا
فنظرت إليه نظرات شرسة وقلت
-أنت تعبث في كل شيء ويكفي أني سامحتك وقد غدرتني مع حليمة
-كانت نزوة وأقلعت عنها أما أنت فغارق إلى أذنيك
-أنت جبان
-لكني لا أعوي كالذئب
ونهضت من مقعدي وقصدته , فحال موسى بيني وبينه وقال لي :
-أنا مشغول .... مشغول.... ولا وقت لي لخصامكما هل ستجيبني وقد رأيت الفتاة نعم أم لا

الفصل العشرون
جالست مريم مرتين بحضور موسى ووالدتها وأختها, ولا أنكر أبدا .. فمن خلف جلبابها الأزرق تسرب إلى ضلوعي شعور كبير بالعطف والحنو , وتذكرت قول حليمة : الشفقة بداية الحب فقلت:
عسى يتعلق قلبي بها وأنهي مشوار حليمة الأبدي ,وغير جمالها فهي لم تطلب أي شيء ولم تشترط أي شرط بل غاية ما كانت تقوله :
-موسى بمرتبة والدي وسأفعل ما يأمرني به .
وموسى كان يقول لي باستمرار
-نحن نشتري رجلا ولا نريد منك شيئا
ومع ذلك رفضت الأمر وقلت له:
-لا يعقل هذا ولابد لي من إعطائها صداقها وما جرت عليه العادة
-ما قدرت عليه فضل وبركة
-سأعطيها مبلغ 10 ألف درهم فيها صداق وكسوة وذبيحة .
- خير وبركة
سعدت بالأمر غاية السرور, وغادرت من منزل موسى إلى منزلي منتشيا مطروبا , ويومها لم أزر حليمة أبدا ,وأتفقنا على الأسبوع الأخير في الشهر كموعد للزفاف بقرية الفتاة ,و قد قال موسى:
سأتكلف بكل شيء في العرس , ولن تدفع مليما ,هذه عادتنا نحن في القرية ,أهل العروسة من يقيمون حفل الزفاف, ويتكلفون به ,وتبقى أمور أخرى لابد منها في تقاليد العائلة لكنها بسيطة ,وبالطبع لم أعر اهتماما لكلامه ونشوة السعادة تشملني وقلت:
-مهما كان الأمر أنا رهن إشارتكم وبدوري أنا أشتري أسرة وأحبابا

********************
موسى لا يستطيع القيادة بسبب اضطراب بصري أخد ينتابه بين الفينة والأخرى , وأنا لا أملك رخصة السياقة بعد , أما محفوظ فكان سعيدا بنقلنا إلى قرية العائلة لمسافة زادت عن 250 كلم وأقسم أن يتكلف من جيبه بمصاريف الطريق والبنزين كهدية منه وفرحة بزواجي وقال:

-رغم أنك لا تستحق فها أنا أساهم معك في مشروع الزواج لعلك تميل عن طريف أدمنته

و قلت معلقا :
-وها أنت يا محفوظ تنفعنا لأول مرة وتبلي البلاء الحسن فمتى نسير أيضا في طريق زواجك
********************
هلت الزغاريد وأضاء المكان ليلا , وعم المكان جو عرس كبير لا قبل لي به , وأدركت أني فعلا صاهرت عائلة كبيرة لكثرة الحاضرين وعدد الخيام الكبيرة التي نصبت والتي زاد عددها عن الأربعة , وبدت مريم والوالدة رحمة في غاية السرور والرضى وقلت ساخرا:
-لا أصدق أبدا أن القدر تناساني للحظة , وها أنا أنعم بدفىء كبير في عرس قصي
وأستمر السمر والطرب إلى غاية الفجر ,............... ثم دق قلبي بشدة غير معهودة , وصعد الماء إلى صفحة وجهي وأنا أسمع موسى يهمس في أذني :
-مبروك يا عريس وستدخل بزوجتك بعد دقائق فهم يجهزون لك الغرفة.
ونظرت إليه ولوني ممتقع وشفاتي ترتعدان وسألته:
-ما ذا تقصد
وأبتسم وربت على كتفي قائلا:
-لا تخشى شيئا ,الأمر بسيط وهذه عادة العائلة وهي عادة موروثة عن أجدادنا هنا بالقرية
وأحسست بالرعشة تركبني من أسفل قدمي فقلت:
-أهو أمر ضروري
-بل هو سر هذه الليلة وجوهرها ....
وأضاف:
-هيا يا عريس وأرم لنا سروال العروس وأظهر بكارة عروسك للحاضرين فهذا مصدر فخر واعتزاز العائلة .
وراقبت مريم جانبي وقد بدت مطمئنة لشرفها و مستسلمة لقدرها وزادت دقات قلبي للغاية فقلت:
-فلتكن مشيئة الأقدار , وها أنا أطرق باب الزواج باختبار أمام أكثر من ألف متفرج بالخارج.
و أرتفع صدى الزغاريد , والأغاني والدفوف , وارتفع منسوب الدم في عروقي , وضاقت بي الدنيا ومريم تسحبني إلى الغرفة سحبا سحبا , وحضرتني ساعتها صورة ابنة الجيران الشعثاء التي لاعبتها في صغري, وكلمات الأغنية القديمة ,مع الوقت تذهب الذكريات وتتحطم, ومع وصولي باب الغرفة بالكاد انتبهت لمحفوظ وهو يجرني جرا من كم بدلتي, ووضع شيئا صغيرا في جيب السترة وهو يذكرني به قائلا :
-لا تنساه أبدا ستحتاجه بالداخل يا عريس
ثم أنفجر ضاحكا وأغلقت الأم رحمة علينا الباب ,وارتفع صوت الدفوف عاليا حتى كاد يلامس صفحة السحاب ,وبدت مريم متلألئة للغاية تداري ارتباكها بسعادتها وفرحتها .
طوبى للفرحين دوما , وغاية ما أدركت من السعادة طرفها السفلي , وها هو القدر يعود لمعاكستي من جديد في أسف مفضوح , وها هي مريم تنظر إلي نظرات تجمع بين الحيرة والريبة وأنا أحاول وأحاول أن أستنهض همتي دون أي جدوى.
وطال الوقت , ,وطال معه عجزي واستكانتي ...................وموتي .........لا حياة أبدا تنبعث من نصفي الأسفل, وبدأت ضربات الدفوف تغادر سقف السماء بالتدريج وأنا حبيس الغرفة أحاول باستمرار بعث الحياة في جسدي دون جدوى ....واحتبست الدموع في عيني وأنا أتذكر عدد المنتظرين بالخارج لبكارة مريم وشرفها ............................ولرجولتي الميتة .... وتذكرت في حسرة بيتا شعريا لا أعرف صاحبه يقول :

لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي



ثم قالت مريم
- لا تقلق سمعت أن هذا يحدث كثيرا بسب الرهبة . علينا تدبر الأمر بسكين صغير أو آلة حادة

وذب في نفسي ذعر شديد وأنا أسمع السكين , وذهبت أفكاري أبعد مما تصورت , وخشيت على جسدي الميت فلملمت ملابسي وربطت حزامي بسرعة
أما مريم فأخذت في البحث بعينها في زوايا الغرفة, ولا أعرف كيف أدخلت يدي بجيب السترة فاصطدمت بما سلمه لي محفوظ ,وفتحته فوجدته موسى حادة صغيرة مما يستعمل في الحلاقة , فقلت وأنا ألمم سروالي وأربط حزام موتي وأتراجع للخلف :
-هل تبحتين عن مثل هذا ؟
-وتلقفت مني الموسى الصغير وأحدثت به جرجا بساقها ولطخت به السروال التقليدي , ثم رمت به إلى المنتظرين خارج الغرفة وتنفست الصعداء وقالت موجهة كلامها لي
-لا عليك فليرتح بالك الأن
وعادت ضربات الدفوف لتلامس سقف السماء فيما سبحت أنا بدوامة حيرة لا عهد لي بها .

الفصل الواحد والعشرون

الأمر غريب , وأغرب مما تصورت وأغرب من الخيال فطالما نصحني موسى بالزواج ,وطالما أسر لي عبد الستار بنعيم الحياة مع زوجة حنونة وظل وديع, وطالما سمعت من هنا ومن هناك عن نعيم صامت لمن يستحق , الكل صمموا وموسى حسم الأمر ,والمعنى كان واضحا ,والفرحة كانت ميمونة مرتقبة . لكن لا هذا ولا ذاك و القعر لا يزداد إلا عمقا, والمتاهة لا تزداد إلا تعقيدا ,
سحقا لكل نفس ساعية للانعتاق, وفي عز زحمتي وتفاؤلي بعلاقتي بحليمة , قلت أن النوائب لا تختفي إلا تظهر من جديد وبقوة أكبر وبطش مزيد.
عانيت طوال حياتي من حيرة قاتلة ودوران حول فلك مسطول , وها أنا ذا أفتقد الحل والرأي السديد, وأتخبط كطير جريح , ونصيحة زملائي لا تقودني إلا للطريق المسدود , نعم تزوجت, لكن بعد زواجي وجدتني كمن قفز من بحر حيرة إلى محيط أكبر وأعمق , وأفكاري ازدادت سوادا وجنونا.
كنت ساعتها أقف قبالة البحر , على الرصيف الخشبي هناك , وبيني وبين رمل الشاطئ أمتار قليلة , وضوء فضي قوي ينبعث من شمس الزوال وينعكس على صفحة البحر, فيتوهج المكان بنور نهاري جميل , ويحلو الوقوف لقلوب صافية غير قلبي بالطبع , وبين دافع يدفعني إلى التقدم وأخر يدفعني للرجوع, صارعت نفسي وصارعت حيرتها , فكرت في أشياء غريبة , أغرب من الخيال لكن لم تواتني القوة ولا الصبر على القرار .
وتأملت ضوء الشمس الفضي الساطع في عز الزوال وحركة الناس العجيبة ونشاطهم, فقررت المسير , لا لشيء إلا لأني لم أعرف ما علي فعله ,ولا ما علي قوله, ولا ما علي التفكير فيه ,أما القرار فتلك قصة لم تولد لتنتهي بعد, واحترت أكثر بين الوقوف أو المسير , ولو كانت أمي أمينة على قيد الحياة لسارعت إلى دفئها وطيبتها ولاستشرتها في أمري دون وجل للغاية , أما الآن فلا أحد أستشيره في مطب غريب ألم بي , فإما أن أستشير موسى فيرق لحالي , لكنه سيعود ليقول أنه جنى على بنت أخيه بتزويجها لرجل مقنع ,أو أستشير عبد الستار فينسل لسانه يوما وأجد نفسي مفضوحا في الشركة بما صار , أو ألتزم الصمت وأضم سري إلى جوانحي إلى أن أنفجر .
وضعت بدلتي العلوية على ظهري ولملمت أكمام قميصي, و نزعت حذائي وأمسكته بأصبعين من يدي , وأطلقت رجلاي للرمال على الشاطئ وفي غمرة مشيي تأملت خلق الله بين لاعب ولاهي وتساءلت :
هل أنا وحدي من يسبح في دوامة الحيرة والتساؤل؟
ثم رددت :
من بطن الجنون لا يولد إلا فكر متحجر

الفصل التاني والعشرون

-سمعنا أنك تزوجت إذا مبروك يا عريس وخير ما فعلت.
نظرت إلى صاحبة الصوت وكانت نجاة شركر وأجبتها بصوت خافت وأنا أتقدم إلى مكتبي:
-بارك الله فيك نجاة
-عبد الستار رجل طيب وأحسنت بالعمل بنصيحته
ونظرت إليها من جديد مستغربا من معرفتها بحديث دار بيني وبن السيد عبد الستار , ثم هاهو يجوب زوايا الشركة, وتوقفت قليلا وقلت وأنا أنظر جهة حسن أساور العامل بالاستقبال:
-لابد أني أصبحت حديت الصغير والكبير في الشركة ولا بد أن هواية نقل الأخبار يشترك فيها المجنون والعاقل .
وبمجرد وصولي لمكتبي وجدت عبد الستار يتبعني مزهوا وجلس من جديد قبالتي وقال:
-هكذا الأبناء حين يأخذون بنصائح من هم أكبر منهم سنا وتجربة
ومطمطت شفتي والتزمت الصمت في أسى ,فعاد للحديث مزهوا وقد تبعته نجاة شركر وصبحي فرزق وكمال ميسور واللائحة أطول, وضم مكتبي أكثر من 15 مستخدما تركوا مكاتبهم وحضروا لتهنئتي يتوسطهم عبد الستار مزهوا وقائلا:
-أنا من ألححت عليه ليخرج من دوامة عزوبيته وهاهو الآن سيجرب لذة الزواج ويعرف معنى الاستقرار.
وأطلت النظر إليه من جديد وقد بدا أنهم توجسوا من صمتي فقال صبحي فرزق:
-ما لك يا عريس ألا نقول مبروك, وتبعه الباقون في المباركة
فوقفت وأرغمت شفتاي على رسم ابتسامة خائنة لا وطن لها , ومددت يدي لهم الواحد تلو الأخر وقلت:
-بارك الله فيكم جميعا
وقال عبد الستار من جديد ألا تخبرهم من ألح عليك
ومع قوله لم أجد بدا من السيطرة على أعصابي فقلت حانقا :
-كانت مشورة الزفت والهم ولا أراك الله خيرا
وأنتفض الجميع وأولهم عبد الستار الذي عجل بالوقوف فقلت مستغربا :
-من فضلكم أشكر حضوركم ودعوني وشأني
وبدأت بعض الهمهمات فقلت وأنا أشير بيدي جهة الباب :
-أخرجوا وقولوا ما شئتم لكن دعوني لوحدي
ثم صرخت في وجههم:
لكل منكم فم فليفتحه وليقل ما شاء
وبالطبع لم تمر إلا دقائق قليلة حتى وجدت نفسي من جديد مدعوا من طرف المديرة فائزة صرار البشولي والتي يثير فقط إسمها فزعي , ودعتني للجلوس قبالة عبد الستار وعبد الحميد الجالسان مسبقا وقالت:
-كيف حالك سيد حسن
وأجبت وأنا أغوص في مقعدي
- كما ترين سيدتي بكل خير
ولأني أعرف مسبقا سبب دعوتي فقد قصرت الأمر وقلت وأنا أوجه خطابي جهة عبد الستار وعبد الحميد:
-هل بدر مني شئ من جديد
وأشارت لعبد الستار بالسكوت وقالت
-سيد حسن هل أنت على ما يرام
فنظرت إلى الأسفل وفقدت سيطرتي على أعصابي المنهارة وقلت :
-كنت على وشك بلوغ المرام سيدتي ثم ضيعته على بعد 250 كلم وفي صخب كبير لأكثر من مائة شخص
- لم أفهم هل تبسط قليلا وتحدثنا كما نحدثك وكفاك لعبا بالألفاظ
-والله أنا لا ألعب وإن هي إلا سنة حياتي وبهذا الشكل المريع
-إذا ما المشكل
-نعم هذا ما علي معرفته (المشكل) وحين أعرفه سأرتاح ويطمئن قلبي الصامد لحد الأن
-ألم تطلب رخصة يومي الخميس والجمعة بغرض الزواج وأضفت إليها السبت والأحد أيضا ما الذي حدث ألم يكفك الوقت للراحة أم ماذا
-لو أعرف.... ما تخطيت الحاجز أبدا ولما وضعت نفسي في رحمة نظرات مريم المريبة
ونظرت فائزة جهة عبد الستار وعبد الحميد بغرابة وململت إطار نظاراتها فيما حافظت على هدوئي فقالت:
-يالحديثك الغريب
-لن يكون أغرب من حالي
-لماذا لا تأخذ إجازة وترتاح قليلا سيكون الأمر مناسبا وفرصة لك لتنعم بزواجك
وانتفضت نفسي لوقع كلمة النعيم وقد أيست منه وصادفته منيعا محظورا فقلت:
-لا حاجة لي بالإجازة الآن ..لم أحضر زوجتي بعد وقد واعدتها بنهاية الشهر
-ألا تفتح قلبك لنا لنساعدك
-فتحت قلبي لعبد الستار قبلا وها هي أخباري تجوب الشركة
-عبد الستار رجل طيب ونصحك بالزواج -
حتى أنت تعرفين .....لم يتبقى غير إعلان الخبر بأخبار الظهيرة
-لا شئ يخفى في مكان عمل مشترك
-لم أعرف يوما أخبار أحد فلماذا تهمهم أخباري
ودون انتظار جوابهم غادرت المكتب وأنا أردد:
-مهما أخذتم من قرار في حقي لن تكونوا عادلين .

الفصل الثالث والعشرون


غادرت.....لا ألوي على شيء أبدا , وتوقفت في طريقي أمام العمارة حيث تسكن حليمة, رفعت بصري إلى الأعلى وتفكرت في أمري وتحسرت..ربما لا حاجة لي لنظرات مريبة جديدة , ونظرات مريم لا زالت تحرق جوانحي ...رجولتي كانت أقصى ما قد تصل إليه أيادي القدر , وإن ضيعتها.....فلا حياة أبدا وتنهدت تنهيدة لاهبة وقلت أسفا :
-حين أموت لن أجدا أبدا من يزور قبري , ولا من يرش عليه قارورة زهر رخيصة.
وهممت بإكمال طريقي لكن رجلاي شدتاني إلى أدراج العمارة ودون مقاومة مني تبعتهما وأستسلمت صاغرا , وصعدت إلى غرفة حليمة, ودفعت الباب كعادتي , ودلفت إلى الداخل دون أن أكلمها ... وقد لمحت جسدها بالزاوية حيت تغسل الأواني عادة .
انتبهت لوجودي فالتفتت راسمة بسمة عريضة على شفتيها وقالت:
-هلت الأنوار وما الذي ذكرك بنا
-وأجبت وأنا أستشعر دفئا جليا يتسلق جثي من أخمص قدمي
-لم أنسك يوما
- مبروك يا عريس وها قد عزمت أخيرا وتزوجت
ورفعت بصري إليها مستغربا من سرعة انتشار الأخبار وقلت:
-إما أني أصبحت حديث الجرائد أو أن محفوظ أخبرك
وابتسمت وبانت منها عينان واسعتان مكحلتان فقلت:
-هل رأيت محفوظ مجددا
فنظرت جهتي نظرات قاسية وتذكرت وعدا ألزمت به نفسي فقلت:
-نعم أعتذر لا شأن لي بالأمر
-موسى رجل طيب وخيرا فعل بتزويجك
-نعم ... هذا أكيد .. لكن أمور أستجدت أفسدت الأمر للغاية
وكنت على وشك أن أطلق العنان للساني لأحكي لها ما وقع قبل أن تقترب مني وتضع يدها على يدي , فأنطلق الدفئ من أخمص قدمي دفعة واحدة, وتحرك جسدي كما عهدته دوما, وصعدت حمرة قانية إلى عيني فضممتها إلي بقوة غاشمة حتى انفجرت ضاحكة ضحكتها الفاجرة ,وراقبتني وأنا أفرغ عذابي في جسدها .(............ )ثم قالت"
- ما كل هذا العنف هل ستعامل زوجتك بمثل هذه الطريقة.
- لم أعرف طريقة غيرها
- المٍرأة تحب التمهل قليلا وبعض الحنان
- تلك أمور أفتقدتها مع عمر 3 سنوات
- -عليك أن تتعلمها
- فاقد الشيء لا يعطيه
وبقدر سعادتي باطمئناني على فحولتي , بقدر استغرابي من شعور الموت الذي عاينته مع مريم ,وشعور الدفئ الذي غلفني برفقة حليمة فقلت ساخرا:
ها أنا أسير في طريق الجنون دون كوابح وعما قريب أكون مضغة للمجالس ثم قلت مخاطبا حليمة:
-ليس زواجا كما تعرفين ....كانت مشورة وتبعتها لكنها مشورة فاسدة
-أمرك غريب دائما
-سأطلقها
-أليس حراما
-إنه عين العقل
-أنت أخر من يتحدث عن العقل
ونظرت إليها نظرات مطولة وتحدثت روحي بشوق دائم لجسدها وقلت:
-ينتابني شعور دائم بأني على الحافة , وأن نهاية طريقي ستكون مسدودة لكن قوة غاشمة تسحبني بلذة غالية ونشوة طروب وتدعوني لدخول المتاهة
-هذه بداية الجنون وهكذا ينجر الناس لطريق اللامعقول
-لست إلا رجلا بدون ملامح
-وماذا عن زوجتك
- ربما أطلقها وأرتاح
- أتطلقها وقد دخلت بها للتو
- لم أدخل بها أبدا
- وبدا أنها حبست ضحكتها الفاجرة وهي تسألني كتلميذ يقبع بين يديها وقالت:
- هل حذت شئ
- شئ ليس في الحسبان أبدا ولم أتوقعه
- لابد أنه مشكل كبير
- كما لو أن قطارا صدمته طائرة هل تصدقين هذا
- وانفجرت ضاحكة من جديد واتكأت علي بذراعيها وسحبتني إليها وقالت :
- أخبرني الحقيقة دون مراوغة هل تشاجرتما
-ليته كان شجارا
- إذن ما ذا يكون ؟ألا تحكي لي
- -تلك أمور تخصني
- أليس لنا شأن واحد
- سبق وقلت بلسانك لكل شأن يخصه
- هو عز القول إذن
- سأغادر الأن
- ثم حملت بدلتي الفوقية وغادرت تلفني حسابات لا تنتهي وقلت ساخرا
- ما أشد ما تزخر به الأيام من مفاجآت .......... وما ذا يكون هذا الشعور الذي يلفني وأنا بحضرة حليمة وأي شعور موت ذاك الذي تلبس بي وأنا مع مريم ......طوبى لكل صامد

موسى ساءت حالته الصحية, ونفسيته أصبحت سيئة أكثر مما مضى , وغيابه عن مقهانا طال لأكثر من أسبوع أمضيته في غالبه بين الدوام بالعمل البغيض ونظرات بعض العاملين, وبين غرفة حليمة حيت الدفء وشوقي الذي لا ينتهي ولا ينكسر أبدا .
ورفقة محفوظ قررنا معا زيارة موسى بمنزله للاطمئنان عليه فقال وهو يستقبلنا بتعب ظاهر وعيون مرهقة:
-ما كنت أعتقد أن كل هذه الأمراض تختبئ في جسمي هذا , وإننا لضعفاء للغاية في هذه الدنيا الزائلة.
ونظرت نظرات مستغربة جهة محفوظ ولم أعتد من موسى قبلا حديثا بهذا الشكل فسبقني محفوظ قائلا:
-هل من بأس أخي موسى....ما عهدنا فيك الاستسلام بهذا الشكل أبدا .
-رفعت رايتي ولا سبيل للبقاء غير الصبر
-أكل هذا لطلاقك من عزيزة .
-لعن الله عزيزة وغير عزيزة, بل هي حالتي الصحية وما اكتشفته في ذاتي من أمراض
-أليس لكل مرض علاج
-الموت أحيانا أرحم من العلاج
وألتزم موسى الصمت قليلا وصمت أيضا محفوظ وعم صمت خفيف فنظر موسى جهتي وسألني قائلا :
- ألا تتحدث .............. ما بك
- -لا شيء أقوله
- ألا تسألني عن حالي كمحفوظ
- رأيتك بعيني وأطمأن قلبي ومعزتك عندي لا أحد يشكك فيها
فربت بيده على فخدي وقال :
- أكرمك المولى وجزاك بدرية صالحة ونجاك من عقارب الدنيا
وضحك محفوظ ..... وابتسمت فقط في سخرية مريرة ..... وقال موسى:
- مريم بنت أصيلة وستسعد بها للغاية
واعتبرتها فرصة مواتية لا مجال لإضاعتها فقلت :
-ما من شك أنها بنت ناس وأصول لكن أخي موسى .......
وكما لو أنه أدرك ما أريد قوله, فامتقع لون وجهه وأصفر حتى صار كورقة شجرة جافة وقال:
-قل ما تريد قوله.. وعجل فأنا أعرفك وأعرف أيامك وأفكارك السوداء
-سأطلقها أخي موسى
وفتح فمه عن أخره وتدلت شفته , وعمت الدهشة أيضا وجه محفوظ وقال :
-مجنون
فيما قال موسى :
-هل تعتقد أن بنات الناس لعبة في يدك , تتزوج متى شئت وتطلق متى شئت
-ليس الأمر بهذا الشكل
-إذا كيف هو الأمر .. وماذا أقول للبنت وهي بالأمس تسألني عنك ومتى ستدخلها منزلها وهاهو الشهر على مشارف نهايته ....
ثم أمسك رأسه بيده وقال :
-يالا الموقف الذي أقحمت فيه نفسي ........جنيت على بنت أخي ...
-ليس إلا قدرا محتوما ونحن ضعفاء للغاية
وصرخ في وجهي حتى تربد وجهه وأسود وقال:
-دع الأقدار في شأنها............. بنات الناس لسن لعبة
وقلت بهذوء
-سأطلقها وأعطيها واجبها كاملا دون نقصان
- ما عندها يكفيها ويكفي عشرة أندال مثلك .....
وحافظت على هدوئي وقلت:
-لاحظ أنك تسبني
-بل لو بيدي الأمر لقطعتك ..كان يوما ملعونا يوم عرفتك
وقال محفوظ :
-ألا نناقش المشكل لعلنا نقلبه ونجد له مخرجا ثم سألني قائلا:
-ما المشكل حتى قررت الطلاق ....... وما عيب مريم ؟
ونظرت إليه نظرات مستفهمة وحائرة, خصوصا أنه أمدني بالموس الصغير ليلة الدخلة وقلت:
-ربما أنت أول العارفين وها أنت سيد الشامتين .
وانتابت موسى موجة سعال حادة حتى كادت تتقطع أنفاسه , فسارع إلى غرفته بحثا عن دوائه وهو يلعنني ويردد:
-مجنون أحمق وجنيت على نفسي بوضع يدي في يده
وقلت لمحفوظ متسائلا :
-لا تعرف المشكل أم أنك تتغابي
فنظر جهتي نظرات مستفهمة وبرقت صلعته وقال:
-هل أخبروك أني منجم أم ماذا ؟ كيف لي أن أعرف مشكلا يخصك أنت وزوجتك
وقلت بغباوة :
-ومن أعطاني الموس الصغير ليلة الدخلة
واتسعت حدقتا محفوظ عن أخرهما وأقترب مني وقال:
-هل استخدمته بالفعل ؟
فقلت في أسى:
- لولاه لافتضح أمري .
-هذا ما توقعته من البداية
ونظرت إليه نظرات ملتهبة ,وقد كنت على وشك أن أحكي له بالتفصيل ما وقع لي ثم ما وقع بعدها مع حليمة , وأستغلها فرصة لمشاورته في الأمر فسألته:
-ماذا كنت حدست يا أحمق ؟وماذا توقعت؟ أنا سليم للغاية وقد جربت نفسي مع حليمة.
وبدا أنه لم يفهم ما قلته ولم يعره اهتماما, فزاد قربه مني حتى لامسني بكتفه وهمس في أذني محاذرا أن يأتي موسى ويسمعه:
-كنت أعرف أنها لن تكون عذراء لذلك رميت لك الموس الصغير لتنقد الموقف
ووجمت للحظة ودارت بي الأرض دورات سريعة وقلت مندهشا :
-مريم ليست عذراء
-هل تتغابى إذن وفيما استعملت الموس إذن ؟
فتراجعت وأكدت على كلامه قائلا :
-نعم ..... نعم.....
-هذا يفسر لي بالطبع عدم زواجها لهذه السن
-نعم ..نعم
-الآن أفهمك وأفهم رغبتك في طلاقها
-نعم
ثم ربت على كتفي وقال :
-لكنك كنت شهما حين سترتها يوم العرس هذه أخلاق ا لرجال بالفعل
ووخزني قوله وآلمني للغاية , وتذكرت شعور العطف والحنو الكبير الذي انتابني وأنا أشاهد مريم لأول مرة بجلبابها الأزرق , ثم تذكرت صبرها معي وتخفيفها عني ليلة الدخلة وأنا افتقد رجولتي,ووداعها لي على أمل مرافقتي في الموعد الذي حددناه , فكادت تدمع عيناي وقلت لنفسي :
-كبرت يتيما...خائفا من المجهول أبد الآبدين , ومريم مدت لي يدها وسترتني في ليلة مضيئة شهدها أكثر من مائة فرد, وها أنا ذا أطعنها في ظهرها دون رحمة,
و قلت في حسرة وألم مخاطبا محفوظ:
-هي زوجتي وأطلب منك أن تغلق فمك...يا محفوظ
- موسى أستغل صداقتك وأراد سترها بك
-هي مستورة بدوني ...ولا شئ يفضحها غير رفقتي
ونظر إلى نظراته المستغربة وقال :
-لاشيء يفسر تأخر زواجها مع جمالها إلا أنها ليست عذراء
-هل تصمت
-لا أحد يريد الحقيقة , وواجبك أن تقبل يدي وأن تشكرني , لأني أمددتك بالموس الصغير .
وحضر موسى من جديد وقد هدأت حالته فقال محفوظ :
- ها هو موسى قد عاد ,إذا هل نعرف المشكل ..لنناقشه يا حسن
فقلت وموجة حقارة تشملني من أخمص قدمي إلى أخر شعرة في رأسي
- ما من مشكل , لكن الزواج قسمة ونصيب وهذا ما حكمت به الأقدار
-وثار موسى من جديد وقال:
- أرجوك حين تتكلم وتفعل ما تشاء دع الأقدار جانبا
وأجبته بهدوء مراعيا حالته:
- أنا لا أفعل ما أشاء
- وزواجك من مريم مشيئة من إذا؟
والتزمت الصمت, وتجنبت الرد عليه فأضاف :
- الأنذال دائما يختبئون خلف أحكام الأقدار متى شاءوا
- وحافظت على هدوئي وصمتي فأضاف :
- هل تنعل الشيطان وتخبرنا بالمشكل لنساعدك
- لا طاقة لك بمساعدتي
ثم قال محفوظ :
-إن كان قرر الطلاق فهو أعلم بما يريحه
-ألا نعرف حتى السبب..ما كل هذا الجهل الذي يطبع قلوبكم إنها ابنة أخي ماذا أخبرها ؟
وقال محفوظ :
-ابنة أخيك لم تكن عذراء وحسن لم يرغب في فضح الأمر يوم الزفاف , وتدبر أمره كما رأيت
وصعق موسى للغاية ووجم وطأطأ رأسه للأرض للحظات وقال:
-ماذا تقولون من قال هذا ...مريم أشرف منكم يا كلاب
ثم نهض من مكانه وطردنا من منزله قائلا :
- هيا أخرجوا ...الآن سأتعلم ا لحقارة معكم يا كلاب , وسألقنكم درسا في ابنة أخي هاته ولا طلاق إلا بالمحكمة
- و وقفت للمغادرة وأنا أردد :
- أنا رهن إشارة ما تحكم به المحكمة
- نذل حقير
وقال محفوظ :
-بل شهم مفقود
-خسيس
- وانفجرت غاضبا ولم أستطع السيطرة بعد على غضبي فأفلت
لساني وقلت
- كفاك شتما لي ومريم تزوجتها بناءا على رغبتك أنت ومشورتك أنت
- كانت مشورة الزفت..... والهم والغم . و يا لحظها التعيس
- -بل هو حضها المنير أن أطلقها وأنت لا تعرف أشياء غابت عنك
- -وفتح يديه معا عن أخرهما وصرخ قبالتي وقبالة محفوظ
- أنرني ... فقهني .. أنا لا أعرف شيئا إذا علمني يا فقيه أنت العارف .
وتدخل محفوظ قائلا:
- على مهلك أخي موسى وراعي حالتك الصحية وأرض بالأمر
ودفعه موسى ودفع يده وقال موجها كلامه لي :
- هيا , قل لي ماذا أقول للفتاة .؟ وكيف أخبرها بالأمر؟ وكيف أفسره لها
والتزمت الصمت ولا خيار لي غيره أبدا
فقال محفوظ
-أجعلوه طلاقا اتفاقيا وهونو ا الأمر, وفي النهاية سيسلك كل طرف طريقه
فقال موسى:
-لا أتفاق مع الأنذال أبدا
وغادرت اتجاه الباب فتبعني محفوظ ومشى إلى جانبي وقال:
-ما قمت به عز الشهامة وها أنت تكابد العناء مع موسى بسبب رجولتك
ووخزتني كلماته من جديد وتجاهلت ما قاله فأضاف :
-لا زواج بالإكراه ,وأفضل ما تفعله أن تخبر مريم بقرارك وعزمك ولابد ستتفهم موقفك
ونظرت إليه وهو يزيد من خطواته ليسايرني فقلت :
-مريم زوجتي, وإذا طلقتها فذاك شأن يخصنا معا محفوظ ,وإذا فكرت في طلب رقمها مني بعد طلاقنا , فستكون نهايتك علي يدي, وأرتاح أنا في السجن , فيما ترتاح أنت تحت التراب .
ونظر إلي نظرات مستغربة وأبتعد عني وقال :
-مجنون هذا ما أقوله أبدا
وسلكت طريقي مرددا:
مع حيرتي الشديدة ها أنا ذا أكتشف جبانا خسيسا يختبئ بين جوانحي ومريم فتحت صدرها لي وسترتني وها أنا ذا أطعنها بسلاح مدته لي بيديها الطاهرتين .


الفصل الرابع والعشرين

ومرت أيام سريعة نسيت فيها الزمن والحساب , وأغدقت فيها على نفسي من نشوة السعادة بغرفة حليمة ,وتناسيت محنتي السابقة مع مريم وهنئت للغاية بنسيم عليل لا يعكره لا عبد الستار أبو لوزة ولا المديرة فائزة وقلت ساخرا:
-لو تطيب الرياح دوما بهذا الشكل الهني لوصلت كل السفن بأمان دون أي نقصان محسوب
ثم تلقيت اتصالا من موسى يطلب حضوري إلى منزله بعد نهاية الدوام, وتعكر المزاج وحلقت سحب النشوة المؤقتة مرفرفة , وبحكم خجلي مما بدر من محفوظ وتصديقي على كلامه, قلت أن حضور ه معي أمر لابد منه, فاتصلت به أيضا وأكدت عليه في ا لحضور :
وقال موسى وهو يفتح الباب في صحة سيئة, وكحة قوية تلازمه , ويدعونا للدخول في ازدراء مبين :
-تفضلوا يا أكابر
ودلفت إلى الداخل وتبعني محفوظ متبرما ولاعنا يوم لقائي , ووجدت مريم وأختها والوالدة رحمة بالداخل فدارت بي الأرض وغرقت في ضيقي , وطلبت أن تنشق الأرض لأرتمي داخلها ,وفي الجهة المقابلة من البهو جلست, وإلى جانبي محفوظ , فقال موسى وهي يلوح بورقة بيده:
-أتعرفون ما تكون هذه الورقة يا أكابر
والتزمت الصمت وأثرته , وقد توقعت الأسوأ مع نظرات رحمة المكفهرة وفمها المعقوف والمشدود بغضب ناري لافت ,أما مريم فكانت صامتة هادئة , تنظر إلى موقع قدميها ..كانت بهية وساكنة ,بخصلات شعر جميلة تتدلى من أسفل منديل رأسها, وانعكس ضوء العصر المتسلل من النافذة على محياها فبانت عيناها المتلألئتان بلون العسل ,فأطلت النظر إليها مليا بحنو وعطف ركبني أول يوم رأيتها وقلت لنفسي :
-إنها زوجتي وكانت سترا علي في اليوم العصيب
ونطق موسى من جديد قائلا :
ألا تجيبون ماذا تكون هذه الورقة :
فتبرم محفوظ من جديد وقال:
-هل تسمحون لي بالانصراف , ربما الموضوع لا يعنيني , ولا معنى لحضوري معكم هنا .
وأجاب موسى ساخرا:
-لا يعنيك .. ومن يعني إذن ألست أنت من قال أن ابنة أخي ليست عذراء
وكانت سابحا في النظر إلى مريم حين سمعت ما قال موسى, فانتبهت وانتفضت من مكاني قائلا:
-موسى أرجوك لا أسمح بالحديث في هذه الأمور أمام زوجتي
ولوح بيده والورقة فيها وقال :
- رجل أنت...نعم .......بل وعزيز الرجال أيضا..... ومن تحذت بها أولا ألست أنت والملعون بجانبك :
-لم تكن مريم بيننا
-وهل هناك فرق ؟ أليس الأفضل أن تتحدث بحضرتها وإلا كان الأمر نميمة
ونظرت جهتها متحاشيا نظرات رحمة وقلت موجها خطابي لها :
-إنها زوجتي وأطلب منكم أن تحترموا حضورها
-كان الأولى أن تحترم شرفها وغيبتها
-لعن الله أفكار الظالمين .
-أليست أفكارك
-تعرفني جيدا وأعرفك....لا أفكار لي البتة وعقلي كالموج بين مد وجزر
-وهل يصلح هذا الأمر للزواج .
-أنت من زوجني ...
-هو خطأي إذن
-دعنا لا نزيد المشاكل تعقيدا موسى
-بل قل أنه خطأي لأني أردت لك الخير وزوجتك بابنة أخي
-من أجلها سأغير أشياء كثيرة
وصمت لبرهة كما لو أنه يتفكر في أمره ,ثم فتح الورقة بيده ورمى بها لنا قائلا :
-إذا كنتم تفكون الخط , فاقرؤا جيدا إنها بتاريخ اليوم , وابنة أخي عذراء وكلب ملعون من يتهمها بالسوء .
ولم أبال أبدا بما قال موسى ولا بشتمه لنا لأني كنت أعرف مسبقا زيف ما ألصق بمريم , وحنت نفسي أكثر من أي وقت لسماع حديثها وهمسها, وتذكرت مساندتها لي وتخفيفها عني وقربها مني ليلة الدخلة, وشملني إحساس غريب بعطف غريب ورقة متسللة فقلت بأسى مخاطبا نفسي :
-ما أشد رغبتي في المشي إلى جانبها ومسك يدها ..... كما يفعل كل الأزواج ممن أراهم بالشارع
وانتبهت لموسى وهو يخاطبني قائلا :
-ما ذا تقول في الأمر يا عزيز الرجال
-لا أسمح لك موسى بإهانتي مجددا أمام زوجتي
-لم تعد زوجتك وستطلقها وهي لا تريد منك شيئا
ونظرت جهتها ,وكانت دائما خافضة بصرها بلمحة حزن غير خافية, فأشتد عطفي جهتها وتفجر إحساس حنان غريب من جوانحي وحضرتني صورة ابنة الجيران الصغيرة الشعثاء فقلت بحزم :
-لن أطلقها أبدا أبدا ولا عزاء لي غيرها
وسحبني محفوظ من كم بدلتي وهمس لي قائلا :
-حيرتني أيها المجنون ودوختني هل تعرف ما تقول؟ هل ترسو على جهة واحدة كالناس ... كان يوما ملعونا يوم عرفتك
ووقفت بينهم وقد تملكتني قوة غريبة وقلت :
- موسى أرجوك ....لا حاجة لي لقول شيء , وربما أزيد الأمر تعقيدا بكلامي , والأفضل لي معانقة السكوت
-ألم يتعقد الأمر بعد في نظرك
-مريم زوجتي ولا قوة على الأرض تبعدها عني
-ألم تقل أنك ترغب في تطليقها
-ليس وهي أمامي الآن.
وأمسك موسى رأسه بيده وقال:
-ربي ارزقني الصبر ثم الصبر .. حتى تأخذني
ثم أضاف
-وما الفرق أيها العليم
-لا فرق أبدا وفي النهاية هي زوجتي وستري
-لكنك فضحتها
-مريم أشرف من أن أفضحها
-ألم تقل أنها ليست عذراء
-هي أشرف العذارى
ووضع محفوظ وجهه بين يديه وقال :
- لن ينتهي من هذا الحديث و أعرف دائما أنه مجنون
فأجبته قائلا:
-وأشتد جنوني حين تبعت كلامك
وسعل موسى سعالا حادا, فاقتربت منه مريم ووضعت يدها على صدره وهمس لي محفوظ:
-سأفلت الأن لم أعد أطيق البقاء
وأجبته بمثل همسه:
أنطلق وانتظرني بالباب حتى ألحق بك وتقلني معك.
رحمة أم مريم ألتزمت الصمت مند البداية , وأكتفت بالتتبع وحين تململت مريم وأنسحب محفوظ قالت موجهة كلامها لي بغضب غير مخفي أبدا :
-أنظر يا ولدي , نحن لسنا أناس المحاكم والدعاوي والفضائح .. وبنتي تربية يدي وأعرفها جيدا ..وأنت أسأت إليها , رغم أني لا أفهم أبدا لحد الأن ما يجري ,وكيف تمت الدخلة ليلة العرس والطبيبة لازالت تشهد بعذرية بنتي .....هذا ما لم يصدقه عقل أبدا أبدا
-وبخجل شديد سألتها :
-ألم تخبرك مريم بشيء أبدا
-لا شيء أبدا , وهي تلتزم الصمت ولا تنبس بكلمة في هذا الموضوع المحير, وتقول أن الأمر بينك وبينها ...
-أهذا ما قالته
-نعم وغيره لم تقل شيئا , وإني لأتساءل عن هذا الأمر الذي بينك وبينها, ولا تفصح هي عنه, ويزيد عجبي بما قلته أنت عن بكارتها.....والبنت لازالت عذراء بعد الدخلة .
تم تنهدت بعمق ومسحت عينيها وقالت:
- لابد أن في المسألة أمر مريب ولله في خلقه شئون
ثم أضافت :
-نحن لا نريد منك شيئا , أبدا طلق البنت وكما ألتقينا بالمعروف نفترق بالمعروف
وعادت مريم إلى مكانها صامتة إلى جانب أختها فقال موسى وقد هدأت كحته الغريبة :
- السيدة رحمة أخبرتك بالمفيد ..خد منها عنوان المحامية , واربط بها الاتصال , وستجري لكما اتفاقا للإيداع بالمحكمة , ويغادر كل واحد لحال سبيله, ودع بالي يرتاح من هذا الموضوع الذي شبكت فيه ابنة أخي .
-موسى أنا لن أطلق زوجتي, وما قيل لا علاقة لي به وكنت غبيا حين صدقت عليه لأمر لا تعرفه أنت ولا خالتي رحمة لكن الطلاق أخر ما سأفعله.
-ألم تقل ذلك بشفتيك
-لم تكن مريم حاضرة
وعاد لمسك رأسه بيده من جديد وقال:
-اللهم أرزقني الصبر وما ذا يغير حضور مريم في الموضوع
-إنها زوجتي
-ألم تكن زوجتك بالأمس
-الآن أراها ..... كما رأيتها في اليوم الأول ..... وهي زوجتي
-لا أفهم ماذا تقصد كل مرة ... بزوجتي ...هي كانت زوجتك حين أشعرتني برغبتك في طلاقها.
-لكنها لم تكن حاضرة
-رأسي ..رأسي يا رب
-موسى إنه شعور لامسته من جديد.... وربما كان خفيا عني ... وابنة أخيك في عيني هاتين وهي زوجتي
-ماذا تقصد
-لا أعرف ما أقصد لكنها زوجتي ...
-وبعد
-هي جزء مني ككل الأزواج
ونطقت فاطمة الأخت الكبرى لمريم وبسمة خفيفة تعلو شفتيها قائلة:
-الغلط يقع حتى بين الإخوة فلتعنوا الشيطان, وأفسحوا مجرى صغيرا للماء حتى ينساب
-وقلت مؤمنا على كلامها ومتلقفا يدها لأنتشالي مما غرقت فيه
-هذا عين العقل والصواب , وحديثك هذا لن أنساه لك طوال حياتي
ونظر إلي موسى نظرات مستغربة وقال:
أخشى أني سلمت ابنة أخي لمجنون
-لن يكون في حياتي معها إلا الخير
ثم ألتفت جهة مريم وسألها قائلا :
-ما لي أراك صامتة مند البداية ألا تجدين شيئا تقولينه؟
-وبنفس جلستها قالت بهدوء وإستكانة وهي تحرك أصابع يدها في حركة دائرية:
-لا أعرف أبدا ما أقول عمي
ثم أضافت :
- حسن يبدو طيب القلب لكن ما قاله في حقي ألمني للغاية وهو أمر لم أتوقعه منه.
وطأطأت رأسي دون أن أجد شيئا أقوله فقالت فاطمة :
-زوجك في البداية ومع الوقت أنت من ستعلمينه كيف يحترمك ويعزك
وقال موسى:
-لا أعرف كيف تنقلب الأمور بهذا الشكل لكن لا يد لي أبدا وها هي رحمة تسمع وفاطمة ومريم وما حكمتكم به سأنفذه.
وتشجعت من خجلي ورفعت رأسي جهة مريم وقلت :
-أعطوني يوم غد الجمعة والسبت, ويوم الأحد سأحضر هنا لأخد مريم لمنزلها كما أتفقنا وساعدوني بدعواتكم لعلي أنجح في تطييب خاطرها وإصلاح ما أخطأت فيه
وقالت فاطمة
- أجمل الكلام ما قلته وهي فرصة لها لتقلب الأمر على وجهيه
--أنت أجمل أخت في الكون
ودمعت عينا مريم ... وأجهشت ببكاء خافت , وبدا أنها ثأثرت للغاية بما بدر مني في حقها ,فاقتربت منها ووضعت قبلة دافئة على جبهتهامعتذرا , فلفتها فاطمة إليها بيدها اليسرى ولفتني بيدها اليمنى وقالت :
-أعرف أن زوجك طيب للغاية فلا تآخديه بما بدر منه, ولكل يوم بداية جديدة وفجر جديد وأنتما لا زلتما في مقتبل العمر والحياة أمامكم
ودمعت عيني وقبلت رأس رحمة وفاطمة وقلت لهما في ثأتر بالغ لطيبتهن جميعا :
-أنتن أهلي وناسي, فسامحنني ولن ترون مني غير الخير,
ثم أستأذنت موسى الذي شيعني بقوله:
-مجنون ويبقى مجنونا لكني أحبه
و غادرت المنزل حيث وجدت محفوظ بانتظاري بالباب بالخارج فسألني مبادرا:
-ماذا فعلت؟
-فعلت ما يفعله الرجال
-هل ستطلقها إذن
-الرجال لا يطلقون زوجاتهم
-لكن ألم تقل أنها ليست عذراء؟
-أنت من قال ذلك
-لكنك أخبرتني باستعمال الموس ففيما استعملته إذا؟
-لا شيء يعنيك محفوظ
-نعم هذا ما أستحقه منك
-لا أعرف كيف تبعتك في قولك
-لم أعد أفهم شيئا أبدا .. الورقة تشهد بعذرية مريم , وأنت ...هل دخلت بها تلك الليلة أم ماذا ؟ وإذا كانت عذراء لماذا استعملت الموس كما قلت؟ شق من رأسي سيطير ولابد أن أفك هذه المعادلة .
-مهما فسرت لك لن تفهم ولا شيء يعنيك.
-هذا قولك دائما
-إنه قول الحقيقة الغائبة
-كم تثير حنقي بفلسفتك المبتورة وحقائقك الغائبة, بالأمس أردت تطليق زوجتك, واليوم كطفل رضيع تكرر كل مرة: هي زوجتي ...هي زوجتي ... ألم تكن زوجتك بالأمس ؟
وأوصلني معه على متن سيارته ,فودعته وموجة جديدة من شعور جديد تشملني , وقلت لنفسي أنه ليس إلا عطفا جديدا أتجاه إنسانة هادئة و صامتة , أو ربما كما قالت حليمة يوما : شعور شفقة كبداية للحب , وأفلتت مني تنهيدة عميقة ورددت :
-إنها زوجتي ......................أمام كل العالم ... زوجتي أنا وحدي......... وسأبدل قصارى جهذي لأفوز ببسمتها وبركتها

الفصل الخامس والعشرين


سعدت بقراري, ووثقت في نفسي أكثر, وقلت أن خطوتي كانت متأخرة لكنها أنقدت الموقف, وشكرت في قرارة نفسي صنيع فاطمة وكلماتها المنيرة, وأقسمت أن أشكرها يوما بطريقتي ,أما البديعة مريم ,فكأنما استفقت عند رؤيتها من حلم منيع , وانتبهت إلى أن استكانتها لا تعني أحدا غيري , لأني زوجها ,وما يضرها لابد أن يضرني , واستسلمت لشعور جارف دفعني إلى التحليق حولها ورفض التخلي عنها وقلت سعيدا:
-الأن ستصير لي زوجة تمسك ذراعي بيدها , وتمشي إلى جانبي , ونشترك معا في الصغيرة والكبيرة من أمورنا , وسأمسح بيدي دمعتها وأضمها إلي , وأخبرها أني خرجت للتو من بوتقة وحدة مريرة وخوف مهول من مجهول مخفي , وأن سندها ودعمها لي هو ما سيعطيني معنى للبقاء .
ومساء يوم الجمعة ومباشرة بعد نهاية دوامي التحقت بمنزلي و لبست بدلتي السمراء المصفرة, وهي أخر بدلة اشتريتها , ووضعت ربطة عنق بنية وحذاء أسود , وعدلت حالتي وهيئتي أمم المرآة , ثم وضعت عطرا خافتا ,و أتصلت بمريم وطلبت ملاقاتها لي في نزهة خفيفة , فوافقت رحمة ,ووافق موسى أيضا بشرط مرافقة فاطمة لنا , وقلت مجيبا على شرطه :
-أليست مريم زوجتي بعقد مكتوب فلما شرط فاطمة
-هل أثقلت عليك فاطمة
على العكس هي أخت عزيزة وسبق وضمتني أنا وزوجتي ومعروفها مدون في صفحة قلبي
-إذا دعها ترافقك
وأحمر ر وجهي وأرخيت ربطة عنقي وقد خنقتني قليلا وقلت وأنا أخاطب موسى أمام باب المنزل وقد اعتذرت عن الدخول :
-موسى دعني أنفرد بزوجتي وأمسك يدها وأتمشى إلى جانبها ككل الناس
وأبتسم موسى وقال :
- هي لك تمشى إلى جانبها أو عانقها فهي زوجتك: لكني لازلت غير مطمئن لأخر كلام قلته .
-ما قيل مضى موسى
- أوف...... أنا أعرفك وستزعجني بفلسفتك
ورفع يده وأشار قاطعا كل أمل:
-إما فاطمة معكما أو أدخل لتشرب معنا الشاي وتؤنسنا بالمنزل
-هل أدخل لأشرب الشاي وقد أمضيت ردحا من الزمن في التأنق والتعطر لمرافقة زوجتي ..
-أناقتك ظاهرة ..للغاية لكن عقلك يخيفني أحيانا
-أريد أن أمسك يد زوجتي كالناس وأتمشى إلى جانبها
وقلت في قرارة نفسي, وسيكون من أيام سعدي لو أصادف عبد الستار أبو لوزة أو نجاة ليطير الخبر للشركة سريعا ثم قال موسى :
-هل ستحبس فاطمة يدك عن زوجتك
وأثناء ذلك حضرت فاطمة وقد ارتدت جلبابا زهريا خافتا جميلا ووشاحا أسود في تناسق بهي , قدرت أنها قد تكون في عقدها الرابع تم هلت مريم بلباس بني عصري جميل وحذاء بكعب عالي ,وكانت أول مرة أراها بهذا اللباس, فزادها رونقا وإشراقة , وتأملت مشيتها الأنيقة فابتسمت وأنا أطيل النظر إليها وقالت فاطمة:
-إنه لباس محتشم ولا حاجة لك للتعليق عليها وأنا من أخترته لها .
وقلت وأنا أمد يدي لها متناسيا كل خجلي وموقنا بمصير مشترك جمعني بها
- اللباس لا يساوي شيئا أمام جمال زوجتي , ولابد أن القالب هو الغالب.... وزوجتي أجمل نساء الكون
وسعدت مريم بقولي وأفرجت عن ضحكة حقيقية لا غبار عليها , وابتسمت فاطمة في طيبة و رضا , وانطلقنا في سيارة أجرة إلى مركز المدينة , وسعدت للغاية بمشيي إلى جانب مريم وهي تضع يدها داخل ذراعي وإلى يسارها فاطمة وقلت:
-ما أسعدني بهما معا زوجة أنيقة وأخت حنون ,وها أنا ذا أنطلق من ناحية الظل إلى ناحية النور في بهجة وحبور. وإذا قدر لي أن أعانق الفرحة الكبرى فليس إلا بمصادفة عبد الستار بالشارع ولما لا المديرة فايزة البشولي لتشهد نزهتي رفقة حمامتي مريم
كنت سعيدا للغاية بمريم هذا ما لا أنكره أبدا ,وتمنيت أن أخبر كل شخص ينظر جهتنا بالشارع , أنها زوجتي ولي وحدي , وأن هذه الأناقة التي تعانقني أنا صاحبها وعزيزها
وطالت فرحتي في مساء جمعة لا ينسى حتى أعيانا المشي قليلا والحديث , فاقترحت أن نجلس قليلا بمقهى معينا لتناول مشروبا دافئا , ولأني لا أعرف الأماكن كثيرا فقد لوحت إلى أقرب سيارة أجرة وقلت باسما ومخاطبا السائق بيقين سابق وذكرى محفوظة في القلب لالتفاتة لا تنسى :
-مقعى البركات من فضلك
وقلت مخاطبا فاطمة أيضا :
-من الآن علينا ان نتفاهم أنا لا أجلس في سيارة الأجرة إلا جانب زوجتي وأنت تولي قيادتنا
وضحكت فاطمة وسعدت مريم ....
أما المكان بالطابق العلوي فكان هادئا شبه فارغ إلا من بعض الجالسين ونال إعجابهما ,فأنطلق لساني بحدي ساخر ,ووجدت في فاطمة دعما كبيرا ومنقذا مخلصا لي من بعض زلاتي , وقلت ساخرا وأنا أتذكر عائشة :
-ما أطيبك من روح عائشة وها أنت تنفعيني بعادة طيبة ومكان بهيج

مريم كانت قليلة الكلام, غير أن عينيها تلألأتا وأضاءتا صفحة وجهها , وأضاءت معها صفحة قلبي, وبانت منها سعادة نابعة من عمق بعيد للغاية, أما فاطمة فسرعان ما كانت تضحك لضحك مريم وسعادتها وقلت وأنا أشرب قهوتي و أراقبها : هي نعم الأخت المحبة لأختها .
ثم خاطبت مريم قائلا :
-بعد المقهى سننتقل إلى أحد محلات الأفرشة .
ووضعت كأس عصيرها جانبا وقالت :
- لماذا ؟
-أريدك أن تختاري فراش غرفة النوم بالكامل وهو أمر تركته لك
وتورد خداها بحمرة خفيفة وقالت:
-الأمر عندي سيان ولك أن تختار
-لم أختر يوما غير ملابسي
وضحكت لكلامي وقالت :
-أنا أكثر منك
-فلنتعلم معا
وخفضت عينيها في حركة فجرت حناني وعطفي اتجاهها فرددت:
-ما أغرب الباب الذي تسللت منه إلي هذه المخلوقة, وها أنا أحن إلى كل لفتة من لفتاتها
وتساءلت قائلا:
-أهو هكذا حال كل الأزواج بينهم , وإن كان الأمر على هذا المنوال فيا أسفي لسنين مضت من عزوبيتي.
ثم غادرنا المكان جهة محلات بيع الافرشة ,فقالت فاطمة ونحن نتجول بين قطع الأثاث المختلفة :
-الخيار صعب للغاية , وقطعة تنسي القطعة التي قبلها .
وقلت مطمئنا بطريقة عارف خبير :
-في النهاية سنجد ضالتنا
وضحكت فاطمة وقالت مريم:
-لنختر فراشا بثمن مناسب حتى لا تكلف نفسك .
وقلت في نشوة بالغة:
-أرجوك لا تبالي واختاري ما شئت .....حرمت نفسي بما فيه الكفاية وتستحقين أكثر مما في هذا المحل
ونظرت إلي نظرات خفيفة هادئة ووضعت يدها بذراعي وقالت:
-أنت تأسرني بلطفك اليوم
وأشرت بيدي جهة غرفة نوم زاهية وقلت:
-هل تعجبك هذه
-تبدو غالية للغاية
-لن تغلى عليك أبدا
وطلبت من البائع إضافة مصاريف التوصيل وعاملين للنقل والتركيب و وحررت شيكا بالمبلغ وغادرت ميمونا .
وعدنا , وأوصلت مريم وفاطمة إلى منزل موسى, فاستقبلني بشوشا وقد عاين ملامح البهجة على محيا مريم وهي تمسكني من ذراعي وقال:
يبدو أنك نجحت في اختبار الخروج هذا .
وقالت فاطمة :
-نجح بامتياز ودخل إلى قلبي أيضا .
وقبلت رأسها على مقربة من موسى ومريم وقلت بأدب بالغ
-نعم الأخت أنت يا فاطمة
وودعتهما أمام الباب ,واكتفيت بتقبيل يد الأم رحمة أمام الباب , فقالت مريم بنفس أدبها وبأنوثة ذكرتني بالتفاتة عائشة وهي تحرك كأس القهوة:
-هل ستتصل بي ليلا ؟
وأجبت باسما
-أوامرك مطاعة
-وتلألأت عيناها من جديد وهي تطيل النظر إلي وقالت:
- سأنتظر اتصالك
وغادرت مطروبا غير مصدق أبدا لحلم جميل وقلت ساخرا:
-كم كنت غبيا للغاية برغبتي في تطليق عصفورة حنون , وموسى لا يختلف أبدا عن أمي أمينة في حبه لي واختياره الجميل .

الفصل السادس والعشرين
كنت فرحا للغاية وسعيدا بجمال وأناقة مريم , وحين فارقتها بمنزل موسى طارت بي الفرحة إلى غرفة حليمة ,وغاية ما كنت أرغب فيه هو الحديث إليها والبوح لها بسعادتي بالمشوار الجديد وكطفل غرير قلت في فرحة غير خافية:
-مريم حضرت وأصلحت خطأ ارتكبته سابقا وأن لي أن أستقر من دوختي .
وسألتني مستفسرة:
- هل هذا صحيح ؟
-نعم وخرجنا سوية ووضعت يدها تحت ذراعي ككل الأزواج.
- لابد أن الأمر أسعدك والفرحة تكاد تقتلك
-لم أكن أبدا أعرف أن القلب قد يعرف شعورا مماثلا....حليمة
وقالت في تهاوي واضح :
-ما أشد ما يعج به القلب وسوف ترى من المشاعر كل يوم الجديد والأجد .
-إن كان من هذا الصنف فطوبى لكل فرح مسرور في هذه الحياة
-وماذا بعد.
-لا شيء ... أبدا.......... يوم الأحد سأحضرها للمنزل كما اتفقنا
وقالت بصوت خافت
-جميل وهنيئا لك
- هل أنت منزعجة أم أني توهمت الأمر
-وماذا سيزعجني بعد
-لا أعرف
-ألم تقل يوما أنك تعشقني وترغب بالزواج بي
-و استغربت لسؤالها وما عهدت منها دوما غير أنفة ولا مبالاة فقلت
- قلت ذلك في لحظة معينة ....نعم لا أنكر
-وماذا ترى الآن.....
-أنت أول العارفين بأن الزواج لا يصلح بيننا
-أنا لم أطلب منك الزواج وإنما فقط سألتك ..هذا ما في الأمر
-تبدين مختلفة عما عرفته فيك
-وقلت يوما أنك تحبني حد الجنون
-لن أعشق يوما جسدا كعشقي لجسدك حليمة
-لست مفرغا لشهواتك ولا تخاطبني بهذا الشكل من فضلك
وأختلط علي الأمر , وكانت أول مرة تتحدث فيها بهذه الطريقة , فاختل لساني ولم أعرف ما علي قوله , وسكتت متحيرا فأضافت:
-لم تقل شيئا
-لا أعرف ما أقول ولا أفهم طريقة كلامك
-نعم لابد أنك لم تعد تفهمها الآن .
-فاجأتني طريقة كلامك .. وهو كلام لا ينطق به غير دارس مثقف
-وماذا ينقصني عن الدارس
وقلت برقة محاولا تخفيف وقع كلامي
-لا شيء أبدا حليمة ............. لكنك تفاجئيني أكثر
-في حياتي تعلمت أشياء لا تدرس أبدا
وكأني حوصرت داخل حلقة دون أي منفذ للخلاص , ألتزمت الصمت مترقبا ما تنبس به ثم قالت:
-الكل يعشق جسدي ثم يغادر .. وكما تأتون ترحلون ...
وأحسست بموجة حزن عميقة تغلف نفسيتها لأول مرة من تاريخ علاقتنا , وتعجبت للغاية لكلامها القويم , وقد أدركت مقصدها العميق, وتعليقها على صيرورة حياتها ومحطاتها فقلت :
-لم يكن هذا كلامك سابقا ما الذي تغير
-استغللتني بما فيه الكفاية وهاأنت تسألني ما الذي تغير
-ألم نكن معا ....
-كنا ....لكن جسدي كان لك
-لا أحبك بهذا الشكل
-تريدني دوما ضاحكة باسمة وفاتحة ذراعي للطيور الحائرة ومتى طال ريشها وأعتدل تغادر ....
- أنا تزوجت ...وأنت من شجعني على الزواج ....ألا تذكرين
-أذكر
-إذا ما الذي تغير
-الإنسان كله يتغير ودوام الحال من المحال
-ستكونين دوما رفيقتي
- لا أحب أن أكون رفيقة
-عرفتك قبل الزواج ..... ولا أعرف ما علي فعله. صدقيني
-إذا تزوجت وقررت إحضار زوجتك فما الذي جاء بك عندي
-هل كان علي ألا أحضر؟
-عليك أن تعرف ما تفعل
-لم أعرف يوما ما أفعل ولست إلا ورقة في مهب الريح
-وها أنت تعلمت و ستنتهي لحضن زوجتك …….وحدها
- لن أنساك يوما ...هي سنة الحياة ..حليمة
- لا فائدة من الذكرى غير عذاب الروح ...ولا أريد أن يذكرني أحد
واقتربت مني ووضعت يدها على يدي, فاقشعر بدني بقوة صاعدة وانبعثت فيه الحياة الأخرى التي أعرف دبيبها ولا أنكرها أبدا ..وقد كنت قررت ألا ألامسها أبدا فندمت على صعودي وقلت متراجعا:
- حليمة ............علينا أن نكون رفقاء فقط
- ووجمت لقولي وقالت في انزعاج ظاهر
- من قرر هذا
- أنت تعرفين الآن كل شيء بالتفصيل
- هل أبدو لك في حاجة للمعرفة
- وماذا تحتاجين
- لا شيء يغير ما بيننا ....
واقتربت مني أكثر حتى لامس جسدها جسدي , فانهارت أفكاري وتشتت مقاومتي وغصت كما عاهدتني في جسدها أفرغ فيه من عذاب قاهر .
ثم قالت وهي تبتسم بدلال :
-أليس هكذا أفضل
-لم أعرف الأفضل في أمور مضت فكيف لي بمعرفته في أمور قادمة
-كل شيء بين يديك دوما وليس لك إلا أن تختار .
-ووضعت يدي على يدها وقلت:
-كنت دوما ضالتي وعزائي حليمة
-وها أنت تريد تركي إلى أخرى بالكاد عرفتها
-هي زوجتي
-وماذا عني
-أنت روحي
وفتحت حافظة نقودي , وأخرجت منها بعض الأوراق وقلت وأنا أضعها تحت الوسادة وأحيط بيدي كتفي حليمة :
-لن يتغير شيء حليمة تقي بي
-ألن نكون رفقاء فقط
-الزمن وحده يحدد وكثيرة هي الأشياء التي تفرض نفسها
-لا ثقة لي بالزمن وأنت فقط من تخبرني
-أنا في دوامة
ثم غادرت غرفتها مسطولا لا أكاد أستبين ما علي فعله .وقلت ساخرا للغاية :
ما فائدة هذا العقل وهو لا ينفعني البتة , وفي حياتي المرتبكة لا أكاد أقف إلا على غرائزي ورغباتي وما بالي كلما وضعت رجلا لخطوة جديدة إلا وتسبقني حيرتي وظلالي , وتساءلت وأنا أشير لسيارة أجرة صغيرة قائلا:
-متى أتعلم الحسم وأحسم كل أموري
الفصل السابع والعشرين
عجلت بكل شيء بسرعة عابر منقطع, وزينت الشقة ونظمتها ,و علقت الستائر الجديدة ودرت برأسي في أرجاء كل الغرف, وبدا لي أني لم أعاين شقتي يوما بمثل هذا النظام والنظافة أبدا أو كأني انتقلت لمنزل شخص غيري , وقد ساعدني محمود أبن الحاجة أمينة وزوجته مساعدة حقيقة ووهبا وقتا كبيرا لذلك فشكرتها أمامه قائلا:
-الحاجة أمينة لم تمت أبدا وأشكر دوما ثقتكم ومجاورتكم الطيبة
وقال محمود:
-ما يسعدني حقا أنك تزوجت وستحضر زوجتك, وهذا يعني أنك باق معنا في العمارة إلى تاريخ مؤجل.
-لن أجد أبدا جيرانا مثلكم..محمود
وقالت ربيعة وأنفاسها تتسارع بفعل سمنتها المفرطة وما بذلته من مجهوذ :
-نحن رهن إشارتك دوما سيد حسن... والحاجة ماتت وهي توصينا بك.
ودمعت عيناي لذكرى الأم أمينة وقلت :
-كم كانت صادقة في حبها لي وها هي تهتم لأمري حتى بعد وفاتها
وعانقت محمود فربت بيده على كتفي ,ولم يمنع نفسه من الإجهاش ببكاء خافت وقال:
-مضت الآن سنة وأكثر ولا زلت غير مصدق وفاتها وكأني بها فقط في رحلة وستعود
وقالت ربيعة ساخرة :
-إن كانت ستعود فسيعود والداي معا , وقد ماتا وعمري 10 سنوات
ثم وهي تشير لمحمود بيديها :
- هيا ..سر أمامي.. لنترك حسن يدخل إلى شقته
ومسحت عيناي في أسف وقلت:
-يموت الطيبون وتبقى أرواحهم مرفرفة لأبد الآبدين
ثم راقبت طقم الأواني اللامع الجديد بكامله بالمطبخ فقلت:
-أعددت كل شيء , وما بقي غير قوام مريم الجميل ليحلق في زوايا المنزل ويبعث فيه حياة مفقودة.وها هي حياتي تسير زاحفة من طريق الظلمات إلى طريق النور الأبدي, وقد أجدني يوما أبا لطفلة وديعة كمريم ,
وبزفرة اشتياق لا تفارقني أضفت:
-إن رزقت طفلة لن يكون اسمها إلا عائشة ...نعم سأسميها على اسم والدتي التي لا أذكر منها شيئا أبدا ,وإن رزقت ولدا....سأترك أمر تسميته لمريم ولن أسمح بتسميته بعباس ..لن يكون هذا أبدا وبئس الإسم الملعون ...
وكما سبق و وعدت موسى بيوم الأحد, أعددت لإحضار زوجتي مريم للمنزل, وطلبت من محمود إشعار ربيعة بأني أعول عليها في كل شيء من ألفه إلى يائه وقلت متيقنا :
- أخبرها أني لا أعرف أبدا من أين تبدأ هذه الأمور, ولا كيف تنتهي وبدونكما لن أعرف ما علي تقديمه ولا تأخيره
وقال مطمئنا
-طب خاطرا .. أنت أخونا سي حسن
وأضفت حاسما:
- افعل ما شئت وأنا علي الدفع. أرجوك لا تكترث أبدا للمال
- سأحضر فقيهين من الحي لقراءة ما تيسر من القرآن لتكون بداية مباركة
-نعم هذا عز المطلوب... محمود أرأيت كيف تحلو المشورة وها أنت أفتيت علي بسديد الرأي
- لن يكون إلا الخير وسأتصرف كما لو أن الأمر يخصني
- بل هو يخصك ألست أخي وربيعة أختي.
وأضفت :
.لا أحد منكم يعرف مكانة أمي أمينة في خاطري
- وحضنني من جديد قائلا:
- فليهنأ خاطرك ..وصدق أننا سعداء للغاية ببلوغك هذا القصد
وأضفت في سرور:
- لك محمود أن تدعو من شئت من أهل العمارة رجالا ونساءا
- -سأدعو فقط من يستحق....لا حاجة لنا بفوضى نحن في غنى عنها
ومساءا لبست جلبابا تقليديا أبيض احتفظت به في الدولاب لزمن طويل,وأطلق محمود بخورا جميلا بالمنزل , وأنيرت أنوار بهيجة به ,وفتح بابه على مصراعيه , وأنار محمود مصباحا قويا بباب العمارة, ثم تعالت أصوات النساء, وعلا صوت ربيعة بارزا و غير مخفية بجسدها الضخم وسطهن في ترديد بعض الأغاني الشعبية والضرب على الدفوف و الطعاريج ,وعلت الشقة موجة حرارة غريبة لم تشهدها قبلا , وحلقت في سقف شقتي لأول مرة كائنات من بعد أخر لم ألامسه يوما .
كانت بالفعل معالم فرحة وبهجة وحضر عبد الستار أبو لوزة وحرمه, وعبد الحميد , ونجاة وزوجها , وصبحي فرزق وكمال ميسور وسعدت بتواجدهم بمنزلي للغاية, وقلت بحضرتهم:
-ها قد انتهيت إلى قفص الزوجية وفي الغد القريب ستعرفون حسنا جديدا
وكانت نجاة أول المتكلمين فقالت:
-أين زوجتك دعني أراها لأبارك لها
وأمنت بصدق أن الأيام تتقلب كيف شاءت وقلت :
-لو شاهدت الصورة من بعيد لما صدقت أنه منزلي ,وأني أنا المعني الأول فيه ,
ثم وأنا أشاهد ربيعة تمسح عرقها وتقاوم سمنتها لتثير جو فرحة مبثور
-سأدعو دوما لك بالرحمة أمي أمينة
وخطفت لحظة انسللت فيها حيث وجدت محفوظ بانتظاري بسيارته , وغادرنا إلى منزل موسى لنحضر مريم وسط فرحة رحمة وفاطمة
أما موسى فبدا بصحة سيئة للغاية لكنه أصر على مرافقتنا ومشاركتنا فرحة مريم وقال:
-لا عزاء لي غيرهن وربما لن أجد من يزورني أبدا غيرهن .
واستقبلتهم ربيعة ونساؤها بالزغاريد وماء الزهر ,ونابت عني في أشياء كثيرة لم أعرفها يوما ,وكنت في الغالب كالمشدوه المتفرج بشعور صفاء جميل ينتابني, وقلت وأنا أرسم بسمة صادقة للغاية على شفتي وأصلح قب الجلباب كالمسطول ,:
-لو كانت لدي أخت لما فعلت معي ما فعلته ربيعة
وتوقفت النساء للحظة عن الغناء ,فوجدت محمود واقفا ومتابعا لكل شيء , ويوزع إرشاداته لشابين أحضرهما لخدمة الضيوف ,ثم علا في المنزل صوت الفقيهين بتلاوة سور من القرآن الكريم , فسكن الجميع وانقطعت الأحاديث الجانبية , وسبحت بدوري في موجة سكينة ذكرتني بماضي بعيد يرجع إلى أقاصي عمري البائس, وأجهش محمود بكاء مرير وقد حضرته ذكرى والدته أمينة فقالت أمينة بأنفاس متقطعة لتسكته:
- أسكت محمود... لا حاجة لنا ببكائك في حفل بهيج
كانت ليلة جميلة للغاية سعدت فيها بطيبة من حضر ونجح محمود برفقة الشابين في إرضاء الجميع ,وسعدت بفرحة صادقة شاهدتها على محيا مريم وفاطمة ,وقالت رحمة في بهجة غير خافية
-جعلها الله أقدام خير عليك بني وجعلك أقدام خير عليها فهي يتيمة وأنت سندها الأن
*****
انفك الجمع ,وغادرت رحمة وفاطمة باكيتين , وبقيت لوحدي رفقة مريم تحت سقف الغرفة, وانتابني شعور جميل وطمأنينة لا عهد لي بها مع حليمة ,وتبادلنا أحاديث خفيفة حاولت فيها التخلص من خجلي و تخليصها من خجلها ,وأخبرتها بحقيقة ما فعلت ربيعة وزوجها محمود فشكرت صنيعها وقالت:
-أما كان الأجدر لو استغنيت عما بدرته من مال في هذه الوليمة
-وقلت بسعادة وفخر:
-لو أعرف أكثر من هذا لقمت به , لن تصدقي أبدا سعادتي بهذا الغزال
وابتسمت قائلة :
-كم أنت مجامل
وقلت وأنا أرفع رأسها إلي بيدي وأتأمل عينيها الجميلتين جدا والآسرتين :
-أنا أخر من يعرف المجاملة . مريم
وأحتبس الكلام في حلقي لوهلة فأضفت
-إن قلت غزالا فأنت كذلك وسعادتي بك لا توصف.
وخفضت رأسها قائلة:
-هذا من لطفك... حسن
وقالت وهي تنزع عنها بعض أدوات الزينة وتتخلص من نظراتي المركزة عليها :
- أولا....... لابد أن تعرفني على أرجاء المنزل..
وقلت مازحا:
-أليس منزلك لماذا لا نكتشفه معا
وأمسكت يدها وضممتها إلي بذراعي الأيمن , ودرت بها في أطراف المنزل جزءا جزءا , وعلقت على الأثاث الجديد بفخر قائلا:
-تخلصت من كل شيء يربطني بسنوات عزوبيتي , وكل شيء أمامك في المنزل جديد من أكبر فراش إلى أخر ملعقة صغيرة.
وقالت بسعادة صبيانية :
-نعم يبدو كل شيء أنيقا للغاية
-سيكون أنيقا ودافئا بدخولك
وانتهينا إلى غرفة النوم فقالت و أنا أدفع بابها:
-لابد أنها غرفة النوم التي اشتريت مؤخرا
-ألا تبدو كذلك
-بلى .... لكن مع الضوء الخافت ربما تغير لونها عن لون المحل
وتراجعت برأسي للخلف متفاجئا وتساءلت :
- هل تغير للأسوأ
وقالت بارتياح :
-على العكس هو هكذا جميل ..لشد ما أحب الأضواء الخافتة
وابتسمت وأنا أشد على كتفها بحنان وقلت:
-لعلنا نتفق في خطوة أولى وأضفت :
-بدوري أعشق الأضواء الخافتة
والحقيقة أنه يستوي عندي ضوء الشمس بضوء الشمعة , والليل بالنهار , وما تعلمت يوما غير المضي وقلت ساخرا في قرارة نفسي:
-لعلي مع مريم أتعلم أشياء لم أنتبه لها يوما .
وأغلقت باب الغرفة علينا في جوف الليل وقد سكنت أصوات العمارة والحي وأطلقت مشغل موسيقى هامسة مدمج في هيكل السرير , وقلت ناضرا نحوها وموجة دفئ تعلوني , مع رائحة السجاد الجديد الغريبة علي :
-لشد ما انتظرت هذه اللحظة
وقالت باسمة :
-ليجعل الله لحظاتنا كلها سعادة
وصدقت على دعائها مؤمنا وابتسمت في وداعة قائلا:
-لدينا حساب قديم علينا أن نصفيه...هل نسيت ذلك
وقالت باستغراب وأنوثة لطيفة:
-أي حساب ؟
وبلغة الواثق من زوال ما مضى قلت:
-أنسيت رهبة الدخلة في منزلكم
وأضفت:
- سنصفي حسابنا الليلة
فقالت بدلال :
-أنت تثير فزعي هكذا
-هل أبدو مخيفا لهذا الحد
وابتسمت من جديد قائلة بأنوثة ناعمة :
-أعرف أنك إنسان طيب....هذا يكفيني
وركبتني موجة من الموجات التي تركبني عادة وأنا رفقة حليمة فقلت دون خجل , وأنا أقبل يديها الرقيقتين , وعقد من لساني تنفك عن أخرها :
- لست طيبا بل ثورا هائجا أمام جمال كجمال زوجتي .
-لا تثر... فزعي ...حسن
واقتربت منها حتى لامست جسدها فأحمر وجهها من خجل بديع للغاية وخفضت عينيها فضممتها إلي وقلت في شبه ذهول :
-لشد ما أنت جميلة .....مريم
والتزمت صمتها ............ثم وقفت حائرا ....
حائرا من جديد......واشتدت حيرتي وغصتي
واستحال لون الغرفة أمامي إلى بني غامق, واحمرت عيناي ,وجف حلقي
حاولت وحاولت من جديد....دون جدوى تذكر ..ولم أصادف غير الموت بأطراف جسدي ,وركبني ارتباكي واستحالت موجة نشوتي حرقة تغتال أنفاسي وقلت في خاطري :
-ليس الأمر رهبة أبدا كما اعتقدت ...ربما سأكون رجلا أمام حليمة فقط وما يحدث أمر لا يصدقه عقل .
والتزمت مريم الصمت وأنا أطرق بابها بفحولة ماتت من جديد ...ولا حياة فيها أبدا كيوم الدخلة ..وبدا أنها لم تجد شيئا لتقوله .
تراجعت قليلا ووضعت رأسي بين يدي في أسى بليغ وقد أعدمتني الكلمات بدوري فنطقت قائلة:
لا عليك لابد أنه مشكل بسيط
-ليس بسيطا......هذه كارثة....هذا شيء غير معقول
-ووضعت يدها علي يدي وقالت :
-لابد أنها رهبة عادية
وكنت أعرف أنها مسألة تفوق الرهبة ,لأني جربت نفسي مع حليمة بعدها, وخشيت من أمور أسمع بها فقط ولا أصدقها, وخشيت أن أصارحها برجولتي وفحولتي مع حليمة , وعجزي أمامها فخفضت عيني أسفا وقلت ونفس عميق يغادر جسدي :
-ليست رهبة ..مريم .هذه مشكلة كانت مختبئة وها هو القدر يلاعبني من جديد:
-لا تشغل بالك
- لماذا يحدث هذا معك أنت مريم
-صدقني لا يهمني الأمر
أما أنا فيهمني ولا أعرف لي سببا للوجود بغيره
-سنرى طبيبا ويساعدك
وصمتت قليلا وموجة السوء والحيرة تلفني وقلت:
-هذا ما قلت دوما ..وحين أطمئن وأنساب مع دوامة الراجلين, كراجل معهم ..أنسى في عز دوامتي حيرتي وأساي ...وحين تطول سعادتي تطل الأقدار ساخرة من اطمئناني ومغيرة سبيلي عن الراجلين , ثم بت ليلتي ضاربا أخماسا في أسداس لا تنتهي إلى خارج محصل .
الفصل الثامن والعشرين

عمت بهجة زائلة مقر عملي وتلقاني صبحي فرزق عند ألة التنقيط قائلا :
- مبروك يا عريس, وها قد تمخض الجبل وولد غزالا
ونظرت إليه نظرات غائبة وعلقت ابتسامة بلهاء فأضاف:
-الجميع لا يتحدث إلا بجمال زوجتك وحسنها
-أشكرك صبحي هذا من أذبك وخلقك
-وعانقني عبد الستار أيضا بالممر قائلا:
-أتلتحق بعملك في اليوم الموالي لإحضار زوجتك , أما كان الأجدر ترخيصك ولو ليوم واحد
فرفعت عيني إليه بغبن دفين ,وقلت بحرقة وأنا أنسل عنهم :
-تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن ...ورضينا بالهم لكن الهم ما رضي بنا
وتوقف , ونظر إلي نظرة قديمة أعرفها وأعرف نهايتها دوما ولن تكون إلا إلى مكتب المديرة فائزة صرار البشولي ,فنظرت في عينيه مباشرة و قلت في حنق شديد وأنا أتناول يده بيدي :
هات يدك أصافحها وأمسكت يده وأصعدتها وأنزلتها أمام دهشته وقلت:
ها أنا ذا أشكرك و أرد لك التحية
وسألني مندهشا وهو يراقب يده تصعد وتنزل مع يدي :
-هل حذت شيء
وصرخت قائلا :
- هل حذت شيء ؟ ما بك , يا للأسئلة التي تغيظني وتتثير جنوني ...الكل يريد أن يعرف ما بي .
وصعدت جزءا من الأدراج حتى صارو ا أسفل ناظري ,وخاطبتهم من علويتي قائلا:
-لماذا كل العالم يريد أن يعرف أخباري , متى سألت أحدا منكم عن أخباره , أنا بخير بخير أيها العالم , وها أنا ذا أشكر عبد الستار لتهنئته وهتفت قائلا : شكرا يا عبد الستار , وأخبروا نجاة أيضا أني أشكرها وأرد لها التهاني : شكرا يا نجاة , ولا تنسوا صبحي وكمال : شكرا لكما وليخبر الحاضر الغائب ولا أحد يتبعني إلى مكتبي .
وأمام أفواههم المفتوحة من الدهشة التحقت بمكتبي ... وفككت ربطة عنقي ,ودفعت الباب بقدمي, وجلست ألتقط أنفاسي المتهدجة لدقائق توقف فيها تفكيري, ثم رن الهاتف جانبي فقلت متيقنا :
-ها قد بدأت المشاكل وفائزة ستسألني السؤال الكريه ( ما بك ) وها أنا لا أعرف ما بي ولا كيف صرت إلى حالتي .
والتزمت مقعدي دون حراك لبرهة , ولم أجب على الهاتف أبدا حتى طرق الباب كمال في خجل وتوجس ,وقال وهو يطل برأسه فقط من الباب كشخص يرمي جملته ليفر:
-سيد حسن أنت مطلوب عند المديرة
ونظرت إليه نظرات حانقة فأقفل الباب وأنسل قافلا , وتفكرت قليلا وقلت:
-أحسن شيء أفعله أن أغادر مباشرة, وإذا قابلت المديرة ستكون ضربتي القاصمة اليوم
ولملمت بدلتي تحت ذراعي وسلكت الأدراج خارجا أمام نظرات صبحي فرزق بالبهو ,وبالشارع أطلقت العنان لقدمي, وتمشيت كتائه لا وجهة له , وكانت الساعة بالكاد العاشرة صباحا وهو وقت لم أعتد المشي فيه , وقادني تفكيري لزيارة حليمة لكني شطبت الفكرة وقلت:
حان وقت عدولي عن عادات مزرية ويممت جهة مقهى النجمة العتيدة كملاذ آمن إلى أن أعرف ما عليه فعله قبل أن يرن الهاتف , وكانت مريم في الجهة الأخرى وبهلع شديد قالت:
- عمي موسى نقلوه للمستشفى
وأسقط بي وأظلم النهار أمام عيني ,كان خبرا لم أتوقعه ولا طاقة لي به , وكما أحببت مريم أحببت موسى فسارعت قائلا:
-أنا قريب منك لنلتقي بباب العمارة وأقفلي باب الشقة وراءك جيدا
موسى كان في حالة سيئة ,وإلى جانبه فاطمة ورحمة و بدا وجهه أصفر للغاية واختفت منه علامات الرغبة في المقاومة , وبدا مستسلما للغاية في غير عادة , وعانقته مريم بشدة باكية وقالت:
-ستكون بخير عمي هذا ما أرجو الله من أجله
ونظرت إليها فاطمة نظرات مرتبكة وقالت بهمس محاذرة أن يسمعها موسى :
-حالته سيئة جدا وقالوا يلزمه سكانير للرئة حالا
ونظر موسى إلي نظرات ضعيفة وابتسم في وجهي, فوضعت يدي بيده فشد عليها بضغطة خفيفة ووضعت فمي قرب أذنه وقلت:
-ستكون بخير يا رجل
ثم قلت في قرارة نفسي وأنا أراقبه وأبادله البسمة الخفيفة:
-أنت أخر من بقي لي وكنت على وشك استشارتك......... فلا تغادر
وبدا أنه سمع صوتا مألوفا في الممر فركبته موجة مثل الرعب وحملق جهة الباب وقال:
-أموت ولا أراها ,أو تأتي عيني في عينيها
وكانت طليقته عزيزة ا رفقة أبيها فقط وقد أخبرها محفوظ بالأمر فطلب موسى اقترابي منه وهمس في أذني بصوت ضعيف:
-إن كنت صديقك لا تدعها تدخل علي وأحضر ابنتي فقط
وأجبته قائلا في غم وألم وقد لمحتها دون الفتاة في الممر
-لم تحضر الفتاة الكافرة إنها لوحدها
ثم و قفت بباب الغرفة وكانت أول مرة أراها , وكانت قصيرة بحذاء عالي جدا ,وشعر معقوف على رأسها , وعينين ضيقتين ومبسم صغير ,فتساءلت عن سر لقاء موسى بها واجتماعه بها وقلت :
-لا أحد يطلع على النفوس غير الله وكثيرة هي أجساد الناس التي تخفي خلفها أفاعي مفحفحة.
وكانت المتكلمة أولا فقالت بلغة متحكمة ومترفعة :
-هل هذه غرفة موسى
وقلت وأنا أقف قبالتها وأنظر بعيدا عنها :
-ليست هي
وأطلت برأسها و قالت وهي تقرأ الرقم على الباب
-أليس هذا الرقم عشرة
-بل مائة وهناك صفر محذوف
فقال أبوها وهو يطل برأسه خلفي
- إنه هناك إني أراه وأرى شعره الأشعت
وقالت وهي تمد رجلها وتزيحني بيدها
-هل تسمح
فاعترضتها بجسمي وقلت ناظرا بعيدا عنها
-لا أسمح
فقال أبوها وكان بمثل قامتها, وصلعة كصلعة محفوظ ,غير أنها صلعة مشعة كما لو أنه ذهنها بزيت أو مرهم
-ما الأمر يا سيد هل من بأس إنها تريد أن ترى زوجها
وسخرت منه ومنها وقلت:
-الأن عرفت أنه زوجها , أو كان زوجها ,هيا أرحلا من هنا , أرحلا قبل أن تسمعا كلاما لن يعجبكما
وقالت وهي ترفع رأسها عاليا لتستوي بي وتنظر إلى أبيها:
-ما هذه الأشكال أبي من يكون هذا
ثم وهي تنظر في عيني :
-من تكون أنت من تكون لتمنعني عن أب ابنتي
وبعصبية زائدة وضغط ينمو قلت وأنا أمسك يدي:
-لن يهمك معرفة من أكون الأهم أنك لن تدخلي لا أنت ولا أبوك, وقولي ما شئت
-هل أنت مجنون أم ماذا هيا أبتعد وإلا أحضرت الشرطة
ولا أدري إلا وذراع فاطمة يمتد من خلفي ليمسكها من شعرها , فدفعتها بجسدي وأرجعتها قائلا :
-لا نريد مشاكل فاطمة أرجوك بدون مشاكل
وصرخت قائلة:
-دعني أنتف شعرها الأفعى المسمومة أطلقوني عليها
وحالت مريم ورحمة دون خروجها وطردت عزيزة قائلا
-خمسة ثواني وتختفيان من أمامي أوأتركها تخرج إليك
وبدا لي أنها ارتعبت من قولي , وغمرها تردد لم تعرف معه ماهي فاعلة ,فصرخت صرخة مزجت فيها حرقتي وحيرتي وحبي لموسى وأنتبه لها كل من الممر وقلت:
-ابتعدي عنه هو لا يريد رؤيتك بل يريد ابنته
وأمام اندهالها انسحبت صاغرة فخاطبتها قائلا وهي تختفي في الممر
-ابنته سيراها أبيت أم كرهت والبلد فيها قانون
و عدت إلى موسى ووضعت رأسي جانبه وقلت:
-طردتها
فهمس لي:
-أنت أخي ..أما كان الأجدر لو تركت فاطمة تربيها
- لا نريد مشاكل موسى سأربض جانبك ولن أسمح لها بالدخول
- وعملك اليوم
ونظرت إليه وتنهدت من عمقي قائلا :
الأمور تسوء أكثر مما توقعت وربما علي أن أزور طبيبا وأرتاح
-هل حدث شيء
سأضع لهم شهادة طبية
وألح علي بعينيه وهمس :
-ما الأمر
ووضعت يدي على يده وقلت :
-سأخبرك ولا عزاء لي إلا أنت موسى
ومكثنا معه إلى حدود الثانية ظهرا حيث طلبوا منا المغادرة والعودة مع موعد الزيارة على الساعة السادسة مساءا ,فطلبت من مريم مرافقة والدتها وفاطمة إلى المنزل وإعداد طعام خاص لموسى والعودة مساءا وسألتني مريم:
-ألن ترافقنا
-سأكون هنا إلى جانب موسى
-هل سيسمحون لك بالمكوث ربما عليك المغادرة
-سأغادر إنما انصرفي أنت لقضاء ما ينبغي قضائه ودعي الهاتف بيننا مريم
و انفردت بموسى ..وقلت وأنا أراقب تدهور حالته :
-هل أحكي لك أم أنك في غنى عن مشاكلي
وأشار بيده أنه يسمعني فحكيت له كل شيء دون نقصان ,فأستغرب الأمر وقال بلوعة وأسى
- أنا كنت السبب حين أحضرتها الشركة لتستشيرك
-هل تقصد حليمة
-نعم
-وما دخلها بمشكلتي
-لابد أنه سحر ولابد أنها سحرتك لتبقى مستحودة عليك وإلا كيف تكون رجلا معها فقط
-هل يعقل هذا
بل أكثر من معقول
وجفت كلماته ودمعت عيناه وهو يراقبني بين يديه كطير جريح تائه, أما عني فقد أسقط بي الأمر للغاية ,
وتوقف عن الحديث وما بقي منه غير عينان تراقباني وأراقبه, وأشار لي بيده ,فاقتربت منه وقال بهمس وبسمة واهنة للغاية:
-أنت أكبر منحوس عرفته في حياتي
ونظرت إليه وضربت مقبض السرير بيدي وقلت :
-هذا ما كانت أخشاه أن أستشيرك فأصير عرضة لسخريتك
ومال برأسه جانبا وهو يبتسم فأضفت :
-أقبل سخريتك ..........إلا أن تخبر محفوظ ............. أتوسل إليك لا أريده أن يعرف فضيحتي
-يا للنحس الذي تطارده

الفصل التاسع والعشرين
التحقت بعملي صباحا ,وأدليت بشهادة طبية مدتها خمسة عشر يوما للتوقف عن العمل لدى قسم الموظفين, وتسلم عبد الستار الشهادة مني في صمت متجنبا سؤالي, فيما قال عبد الحميد جانبه:
-لعلها تكون فرصة لك لترتاح قليلا
ومطمطت شفتي في صمت متجنبا التعليق على قوله وكنت بصدد المغادرة حين قال عبد الستار بصوت خافت
-المديرة تطلبك سيد حسن
توقعت الأمر ولم يتر غرابتي أبدا وقلت مراجعا نفسي:
-لا مفر الآن من لقيا فائزة ولتكن رحمة الله في صفي
وتقدمت إلى مكتبها في صمت متوجسا من خطواتي ,كسائر في حقل ألغام , وطرقت الباب بأذب خاص فسمعت صوتها :
-أدخل
ودخلت , وتملكني العجب من تغير مكان مكتب المديرة, والذي أصبح على اليسار وقد كان في مواجهة الداخل مباشرة وبدا أنها أدركت تعجبي فقالت:
-تيار الهواء القادم من الباب مباشرة هو السبب فلا تستغرب
-سلامتك سيدتي
وشبكت يديها وهي تدعوني للجلوس وقالت:
-سيد حسن هل غادرت مكان عملك بالأمس دون إذن وتجاهلت دعوتي أم أني تخيلت الأمر ؟
وابتسمت وأنا أسمع عبارتها فقالت:
-تضحك.. نعم الأمر مضحك فلابد أن أحدنا سيجن إما أنا أو أنت وإلا فصبري فاق الحدود
والتزمت الصمت من جديد فأضافت
-ومع ذلك كلامي لا يستحق منك جوابا ..هل ترى أمر ا كهذا منطقيا سيد حسن؟
ورفعت بصري إليها وشاهدت نظرات الاستغراب المختفية خلف النظارة, فضغطت أصابعي وقلت:
-سيدتي لا أحد هنا يحترمك مثلي وصدقيني لا أحد أيضا يتفانى في عمله مثلي
-التفاني أشهد به ........... ولعله سبب صبري مع سلوكاتك...
وسكتت فقلت
- سلوكاتي الغريبة نعم أعرف هذا أمر لا ينكره عاقل أبدا
-إذن هل تلقيت دعوتي بالأمس
-نعم سيدتي
-هل وجدتها لا تستحق الجواب
-عفوك سيدتي ليس هذا الأمر إنما..
وجف حلقي أمام أدبها الغريب والعجيب , وطريقتها في إبلاغي رفضها لسلوكي, فلم أجد بدا من الكذب واختلاق عذر يوازي ما أقدمت عليه فقلت:
-أرجو أن تسامحيني سيدتي , صراحة تلقيت اتصالا من زوجتي بنقل عمها الذي هو صديقي إلى المستشفى في حالة سيئة فلم أدرك إلا وأنا أغادر دون وعي مني
-يالله ...لطفك وكيف حاله الأن
-إنه بحالة سيئة والمسكين لا يطلب إلا رؤية ابنته , لكن طليقته ترفض إحضارها لها
- يا للنساء الحاقدات حتى في حال المرض تعاند الإنسانية
-ليست إلا أفعى مجلجلة
ونظرت إلي وقد بدا أن جملتي كان لها وقع في نسيتها وقالت كأنما تمسح ما تصورته :
-هذا جانب وماذا عن شهادتك الطبية التي أدليت بها أليست طويلة وها أنا أراك بحالة جيدة
وابتسمت وأنا أستغرب لطف فائزة إلى درجة خشيت أن يكون الأمر فخا منها فقلت:
-المظاهر عادة لا تخبر بما في القلب سيدتي وأؤكد لك أني مريض وأحتاج لفترة راحة
-سلامتك إن شاء الله, ثم فتحت ملفا جانبها وقالت:
-الواقع سيد حسن ليس لهذا الأمر استدعيتك
وتوجست من قولها وتوقعت الأسوأ فأضافت:
-إنه ليس بالخير السيئ بل هو خبر سار, فلا داعي لتقليص شفتيك هكذا
ولم أستطع فتح قلبي لخبر مفرح أبدا أمام مزاح فائزة البشولي غير المعتاد معي والتي لم أنتظر منها أمرا مماثلا فأضافت:
-قمت بترشيحك لمنصب رئيس قسم الموظفين بفرع الشركة الجنوبي هنا بالمدينة
وأضافت وهي تحرك أصبعها كممثلة تقوم بدعاية لمنتوج معين :
- أن مستخدمين كثرا من الشركة هنا أبدوا اهتمامهم بالمنصب, لكني وبحكم ثقتي فيك ويقيني من إخلاصك رشحتك أنت.
وسعدت بالأمر للغاية وبثقتها فقالت وقد لا حظت سعادتي
-إذن سيد حسن
إذن ماذا سيدتي
-هل يهمك الأمر
-واحترت في قرار مماثل وقد افتقدت خاصية الحسم مند زمن فقلت وأنا أراقب الأزهار الحمراء على مكتبها بعقل مغيب :
هل لي بمهلة للتفكير
وبدا أنها انزعجت من قولي قالت:
-بالطبع لكن ليس أكثر من يوم واحد
-فلتكن رحمة الله في صفي
غادرت مزهوا بالعرض الجديد لا ينغص فرحتي غير ألمي الدفين, وفي طريقي صادفت أحمد طاووس أحد العاملين معي بقسم الأرشيف وقال وهو يقترب مني ويهمس في أذني :
-هناك مؤامرة تحاك ضدك لإبعادك إلى فرع الشركة الجنوبي..
ونظرت إليه في بلاهة فأضاف:
-لولا حبنا لك وثقتنا فيك كرئيس علينا ما أخبرتك بالأمر
ثم وهو ينظر على يمنيه خاشيا أن يسمعه أحد
-لا نحتمل أبدا رئيسا علينا غيرك سيد حسن
ثم أختفى في السلالم
ورجعت بسرعة , ودون تفكير دلفت إلى مكتب المديرة فوجدتها تتصفح هاتفها, وقالت وهي تلحظني
-هل فكرت بهذه السرعة
وقلت بعجالة غير منتهية ويداي ترتعدان :
-الأمر لا يحتاج تفكيرا ...لا يهمني المنصب الجديد وأنا مرتاح هنا وإن رأيتم خلاف ذلك فالله المستعان ثم غادرت وأنا أردد :
-ما بال الأبواب تقفل في وجهي بابا بابا, وأي ذنب ارتكبته في حياتي لأتنغص في زواجي وعملي ..وأي صبر هذا الذي يلزمني ..ولم أجد عزاءا بعد نهاية الدوام وقد ضاق خاطري غير غرفة حليمة فقصدتها

الفصل الثلاثون
حليمة في مكانها ,هناك كما أعتدتها تغسل الأواني , وتولي باب الغرفة ظهرها غير مبالية ,وخلف اللباس يبدو جسدها المليح والمثير للغاية وساقاها السميكان أسفل اللباس المشمر ,وبمجرد رؤيتها تحركت أطراف ميتة بجسدي ,وتدفق الدم سريعا ومنيعا صامدا إلى أخر قطعة مني .
واربت الباب خلفي في حركة مطمئنة فلم تلتفت ناحيتي , وضلت على حالها تغسل أوانيها , وصوت المذياع الخافت يؤنس جو الغرفة الظليل, وأدركت أنها تنبهت لوجودي وتجاهلته ,فسرى إلي عبقها وأريجها , وتحركت أنفاسي بشدة راجية ضمها وعناقها وهي على حالها تغسل أوانيها , لكني قاومت واستسلمت لنداء جرحي , وسقت رجلاي سوقا إلى داخل الغرفة , وجلست أمام الطاولة الصغيرة وقد لاحظت حقيبة سفر كبيرة في ركن الغرفة ,ولمحت صينية شاي ساخن وبعض قطع الحلوى , فصببت لي كأسا وأخذت قطعة وضعتها بفمي , وعم صمت موحل يقطعه صوت المذياع للحظات ثم قلت:
-كيف حالك
-بخير كما ترى
وعم الصمت من جديد, وتمنيت لو أني تعلمت تدخين السجائر , وقلت لربما هذا هو وقت تدخين سيجارة لو وجدتها والعوم في هذا الفراغ الزمني ...
أنهت أشغالها والتفتت ناحيتي وقالت:
-ألا زال الشاي ساخنا أم أسخنه
وتنفست بحسرة وقلت:
-لا يهم فقد شربت منه كأسا
ثم وهي تقترب مني :
-ما الذي قدف بك ناحيتنا ..وما الذي دعاك إلى تذكري
-أنت دوما على بالي
-نعم هذا واضح
وقلت وأنا أشير إلى الحقيبة الكبيرة بركن الغرفة
-هل لديك ضيوف
-لا ضيوف عندي
-لم ينسك القلب يوما
-قل لم ينسك الجسد أم القلب فكذبة كبيرة لا أصدقها
-لست إلا جسدا ميتا
-ما هذه اللغة الجديدة
-هذه لغة الحقيقة
-هل حدث شيء
-متى سلمت من الأحداث
-لم أرك يوما بمثل هذا الانكسار ماذا حدث من جديد
-كم أتوق إلى الحكي وإخبار كل عابر بما أعانيه ..لكن الحديث لكل شخص مذلة وجنون
-لست كل شخص ولك أن تحدثني إن شئت
-الحسرة تقطع أوصالي ونفسي مقهورة أشد من أي لحظة من عمري هذا حال الأغصان حين تقطع عن أشجارها .
- أين والديك لم تحدثني يوما عنهما
-والدتي .............لا أذكر إلا وجهها وفرحتها بي إلى حدود سن السادسة ثم توفيت, ولا أحتفظ بأي ذكرى منها ,وما سلمتني جارتنا ليس إلا ثلاث كؤوس بلار قالت أنها كانت هذية من والدتي إليها , وأعطتني إياها لأحتفظ بها كذكرى منها
ووضعت إبريق الشاي على الموقد الصغير جانبها , وفتحت صندوقا صغيرا وأخرجت منه قطع حلوى إضافية وضعتها بالطبق وقالت :
-لا شيء يغني عن الأم في هذه الدنيا
-مشيئة الله أقوى من كل الرغبات
-وماذا عن والدك
-عباس... لا طاقة لي بذكراه
-ألا زال على قيد الحياة ؟
وأجبت بأسى
-اختطفه الموت وسمعت أنه كان السبب في وفاة والدتي بقسوته ....
-هل من شخص لا يريد ذكر والده
-إذا كان سيرميني للجيران ليربوني رفقة ابنتهم ويمنوا علي بعطفهم فليس بأب أبدا , وجملة وقته كان يقضيه مع الغواني ,والتنقل بين الأعراس ...لم يكن أبا كان جلادا ...وتوفي وأنا في سن العاشرة .
-ومنذ ذلك السن وأنت في منزل الجيران
وضحكت في سخرية و وأسى وقلت :
-ما أسرع ما نقلوني إلى الميتم الخيري حين توقفت عنهم نقود والدي عباس بوفاته في حادثة سير وهو سكران
-وبعد
-لا شئ أبدا هناك بالميتم كبرت ودرست وتخرجت لاعمل ..وها أنا ذا كما تشاهذيني
-أنت تتير شفقتي
-لست إلا لمحة تائهة....دون أي ملامح أبدا
-أنت إنسان طيب
-لم تنفعني طيبتي وفقدت أشياء يعيش من أجلها الرجال
-ما ذا تقصد
ووضعت وجهي بين يدي وقلت:
لو أستطيع البوح ..لو أستطيع أفراغ ما في صدري . ربما سأنفجر أو أجن أما القلب فلا طاقة له بتحمل الجديد
-أليست لك زوجة
- مشاكلي أكبر من أحملها زوجتي
-اليس لكل مشكل حل
-هذا إن عرف المشكل
هل هو أمر صعب
أصعب من ركوب الريح
-أنت تتير حيرتي دوما , ما رأيت إنسانا يحمل هموم الدنيا كما رأيتك
-لعله حظي
وقالت وهي ترمقني بنظرات حانية لم أعتدها منها:
-صحيح مع أننا نحن من نضيع حظوظنا وقد كانت بين أيدنيا
-ماذا تقصدين
-لا شيء ..لا شيء أبدا
وفرغ براد الشاي وأنهيت شرب الكأس الثاني فقالت وهي ترمقني
هل أعد لك كأس قهوة
-كوب ماء فقط...هذا ما أحتاجه
-وقفت لتحضر كوب الماء , فراقبت قدها وملامحها في حسرة وكل قطعة من جسدي تنادي بها , وقاومت بشدة لا توصف ,واحتبست حسرات أليمة بنفسي من ذكرى مريم زوجتي فقلت
وأنا أتناول كأس الماء:
-هل تعتقيني حليمة وأنا رهن إشارتك فيما تطلبين
وجلست أمامي مندهشة من قولي وقالت:
-كيف أعتقك لم أفهم
وأطرقت برهة وقد فقدت كل أمل واسودت الدنيا في وجهي أمام نشوة متصاعدة أحبسها حبسا وقلت:
-إن لم تعرفي أنت ..........حليمة فمن يعرف .
وصمتت وهي تنظر إلي نظرات غريبة ومندهشة فأضفت:
-ربما علي أن أطوف العالم وأسأل كل عابر عن مشكلتي
وقالت بنرفزة :
-سئمت مراوغتك هل تتحدث أم تدعني أنصرف لمشاغلي ,وهمت بالوقوف وقد بدا عليها الانزعاج , فأمسكت يدها بيدي وسرت مع مسكتها سخونة صاعدة ألهبت أطرافي وقلت:
-أرجوك حليمة أتوسل إليك.......دعيني أكون رجلا ككل الناس
وأطلقت يدي باندهاش مستمر وقالت:
-ماذا تقول وما شأني أنا بك وبرجولتك
وأطرقت برأسي أرضا وسقطت على رأسي كل سحب الدنيا السوداء وقلت:
-أعاني من سحر ..نعم سحر يمنعني من معاشرة مريم ..لست رجلا إلا معك حليمة ..معك وحدك تذب الحياة في جسدي أما مع مريم فلست غير جثة هامدة
وبدا أنها فهمت قصدي فقالت وهي تقترب مني وتلمس بجسدها جسدي وتتلمس أثر موطن الحياة فيه
-ماذا ينقصك
-ما لمسته حين أكون مع مريم
-هل تعتقد أني سحرتك ....حسن
-لم أجد تفسيرا غير هذا
-إن كان سحرا فلما لم تفكر في زوجتك ربما هي المسحورة
لا قوة لي على التفكير وطرح فرضيات أخرى ...بدأت أشاهد طريق الجنون بعيني.
وأمسكت يديها من جديد وفرت دمعتي من عيني وقلت :
-أتوسل إليك أن تساعديني ..لا أحد لي في الدنيا ليساعدني وأكره نظرات زوجتي المرتابة أريد أن أكون معها رجلا وأن أسعد معها ككل الناس
وعادت لتبتعد عني وآثار استغراب كبيرة على محياها وقالت:
-صراحة لا أستحق منك كل هذا أنت تجرحني أكثر من أي إنسان عرفته ,ولا أعرف سر صبري على كلامك هذا واتهامي .....هذا ما استحقه منك لشهور إسكاتي لرغباتك ...نعم هكذا أنتم ..... تمرون وتلقون أوراقكم.
-إن لم أتحدث سأنفجر....حليمة
-على الإنسان أن يعرف ما يقول ..حسن
-لم أعد أعرف شيئا
-هذا واضح
-إذن ماذا
ونظرت إلي متسائلة وقالت:
-ماذا
أعتقيني وأنا رهن إشارتك......في أي مبلغ
وتحولت علامات الاستغراب على وجهها إلى علامات غضب واستياء فقالت:
-إن كررت الأمر سأطردك من غرفتي
-أتوسل إليك
-لست السبب فيما أنت فيه
-كم تطلبين
-أخرج من فضلك
-ارحميني فأنا بين يديك
إن لم تخرج سأضع أصبعاي في أذناي وأصرخ
-أين أذهب وماذا أفعل وأي طريق أسلك وأي وجهة أولي
وبان أنها لم تعد قادرة على كبت غضبها فصرخت قائلة:
-لست كما تعتقد أيها السيد, ولا حاجة لي بتغيير مسار المجهول ...يكفيني ما أنا فيه .
وارتكنت إلى الصمت فأضافت :
- ولا تنتظر لقياي بعد اليوم لأني سأهاجر فجرا للعمل ,وقد تدبرت عقدة عمل بالخارج
-أرجوك ....هذا أخر ما أستطيع قوله
-..يكفيني ما أحس به وأنتم تغادرون الواحد تلو الأخر وترمون لي فتاتكم ...لست كما تعتقدون أبدا لست مطرحا لنزواتكم .
وفاضت عينا ها دمعا وهي ترفع يديها معا قائلة:
-أنا إنسانة مثل كل الناس , ولدي عروق حية و قلب نابض أعشق به ككل الناس , لا حاجة لي بنقودكم وضحكاتكم المسروقة , أريد رجلا يسترني ويغير علي ويريدني له وحده وأتبعه كظله ...متى تنتهي عذاباتي مع كل مغادر , وها أنت مثلهم سعدت بي حين أفرغت رغباتك بجسدي..... تم تزوجت وتخليت عني ....وماذا ؟ ...........تعود لترميني باتهام باطل .لما أنت أو زوجتك فيه
ولم أجدا بدا من الأحتماء بصمتي فأكملت قائلة:
-...هل تعرفون ما تفعلون هل كل الناس يعاملون هكذا أم أنا وحدي
تجرعت مرارة كلامها كلمة كلمة وغص حلقي فقالت وهي ترمي حذائي خارج الغرفة
-أخرج من فضلك أخرج ولا تعد هنا مجددا ...هيا أخرج ..كلكم متشابهون
وخرجت صاغرا ..مع صفعة جديدة ووجهة وتفكير نحو المجهول ...لا شيء أتمسك به غير المجهول, وكلام حليمة زادني مرارة وأحرق جوانحي ..وقلت متحسرا :
-نعم هذا طريق الجنون دون منازع أبدا ,وها أنا أسير إليه عبر الطريق السريع , افتقدت رجولتي مع زوجتي, وفقدت حليمة , وموسى على فراش المرض بالمستشفى وفائزة البشولي تبحث عن التخلص مني إلى فرع الشركة الجنوبي ..وأيامي تسود دون منازع , ولا فرصة لي أبدا في غذ مشرق إلا بعصا سحرية ...طوبى لكل نفس هانئة

الفصل الأخير


جزء مني ينهار بشدة ويتجه إلى الهاوية , وجزء أخر يسلك طريق الموت عنوة عني, وعقلي يكاد لا يستوعب مشاكلي , وفقدان حليمة أمر أخر لم أحسب له أي حساب , ولسنوات طويلة كانت الحضن الدافئ , والبسمة المضيئة , وبقربها رفلت في ساعات طيبة وهانئة , ولأنعم به دوما رفضت مهمة فائزة إلى مدينة طنجة .
وشعور غريب ينتابني ورغبة كبيرة في البحث عن جدار قديم جدا أضع عليه رأسي تطوقني ,كزائر عابر , أو ومضة ولدت في لحظة لتموت قلت أسفا :
- ما أشد غباء الإنسانية وما أعتاه , وما أشد تعاستي ..................... في مصادفاتي
وردد منادي من أعماق ذاتي كما رددت دوما :
-عبق حليمة وأنفاسها يبحران في عروقي ويحملاني إلى عوالم حلمت بها منذ مطلع شبابي , ما أصعب القرار في دوامة الأسى, وما أكثر ما تحملت من أجل خيار سابح ....وإذا تعلمت السباحة فلابد أني سأرتمي طواعية في دوامة الحيرة , لا لشيء إلا لأني عشت حائرا وكبرت حائرا ,ومن صنف النساء فقد عشقت دوما الوجه الجاف والمعطر بأشعة الشمس ولفحات البرد ,والجسد الطري العبق برائحة العرق ......
ثم توارى المنادي الأول وطفا منادي أخر وردد :
-مريم صورة أخرى وموجة أخرى من بحر قصي لم أتوقع زيارته , وحين شاهدتها تسرب إلى ضلوعي شعور عطف كبير, وحنان منبعث من يتم عانيته قبلها , وفي مدة قصيرة تملكت ما بين الضلوع وآسرته بجمالها ولطفها, حتى اعتقدت أني سأطير بها بين سحب أحزاني وأركلها واحدة, واحدة , وأقفز معها من بحري الآسن إلى بحرها الطاهر .وحين أردت القفز...انقسمت أجزائي وتاهت , وها هو جزء هناك في غرفة حليمة يتحسر ويراقب في صمت ,ويجتر أنفاسه بالكاد من صدر مثقل , وجزء هنا يتمدد وينكمش بدون أجنحة للغاية وبدون ملامح ولا طاقة وبدون وجهة ولا هدف .
إنه الجنون ...ولا شيء غير الجنون
وتبعت قدماي في ساعة مسائية تقارب الثامنة , ولم أشأ أبدا الالتحاق بالمنزل حتى لا تراني مريم في حالتي المتناثرة ,واستسلمت لمشيي أكثر مما أعتدت ونسيت الزمان والمكان , حتى وجدت نفسي قبالة البحر على عتبة صخرة الصيادين كما نسميها هنا في ظلمة نزلت دون أن أنتبه لها .
وتوقفت قبالته لا أسمع غير أمواجه , بمكانه الدائم وراء الصخرة ثم رن الهاتف بجيبي وكانت مريم :
-حسن أين أنت عدت من زيارة موسى ولم أجدك بالمنزل وطال انتظاري لك
-أنا هنا لا تقلقي
-أين هنا ..أليست هذه أمواج بحر التي أسمعها ..هل نزلت البحر في هذا الليل
-لا تقلقي مريم سأعود
-كيف لا أقلق أنت تحيرني ..هل التحق بك
-أرجوك مريم ساعة وأعود فقط أريد أن أجلس قليلا وحدي
ثم أقفلت الخط ووضعت الهاتف بجيبي
المصابيح المضاءة بالكاد تنير الطريق المحاذية , فأكملت سيري حتى غصت بين الصخور حيت يصطف الصيادون لمقارعة لسان البحر , وجلست بينهم أراقبهم وعم يصفعون صفحة البحر بخيوطهم دون أن أكلم أحدا أو يكلمني , ونزعت حذائي وهممت بوضعه جانبا لكن طرفا مني طفا من أعماق راكدة ,وهمس لي بحنق مذكرا برمي حليمة للحذاء خارج غرفتها وطردي , فانتصبت واقفا ورميت الحذاء بما أوتيت من قوة جهة البحر ,ثم نزعت ربطة عنقي ايضا وقدفت بها وجلست من جديد .....حائرا أمام بحر هادر...
توقف تفكيري لمدة سبحت فيها وسط فراغ قاتل , وحضرتني صورة ابنة الجيران ....دوما وأبدا .. كان اسمها صفاء , لم أذكر الاسم يوما ولا أدري كيف حضرني اللحظة و صورتها محفورة في ذاكرتي ومنقوشة بقوة .
وأخبرتني أمي السعدية والدتها أني لا عبتها في صغري منذ سن الثلاث سنوات إلى غاية العاشرة من عمري ,.....حين ثم نقلي للميتم .هذا أمر أذكره .ساعتها تغيرت طفولتي من جديد وولجت عالما جديدا لا قبل لي به ....وافتقدت صفاء لمدة , ثم زارتني رفقة الوالدة السعدية في عيد المولد النبوي الموالي ,وأهدتني بعض الملابس ,وكانت أخر زيارة لها وافتقدتهما للأبد, حتى أصبحت ذكرى صفاء صورة تقفز إلى ذهني بين الفينة والأخرى , في مواقف باسمة أو مواقف باكية...يستوى الأمر عندي كما تستوي عندي كل الأمور ,وكبرت كغصن شارد وسط أغصان شاردة كثيرة فيها الصبيان والفتيات ,وغلفتنا التفاتة موظفين أوكل إليهم أمرنا كرهت بعضهم وأحببت بعظهم , لكن أحببتهم أم كرهتهم لا أحد منهم يبقى وسأذكر منهم دوما الحاجة أمباركة
وفجأة سمعت صوتا أذكره جيدا كان صوت صفاء الصغيرة وهي تنادي بإسمي
-حسن
والتفتت أبحت عن مصدر الصوت , كان واضحا غير مشوب بأي تقطع ,وظل يتردد بنفس الوثيرة ونفس الوضوح مسموعا رغم صوت أمواج البحر وأرخيت سمعي ,ونبض قلبي نبضات من زمن قديم جدا , تم تأكدت أنه يأتي من عمق البحر أسفل الصخرة , فانتصبت واقفا بقامة مديدة وأرجل حافية واقتربت من لسان البحر إلى حافة الصخرة ,حتى صار الصيادون خلفي ,وصرت في مقدمتهم في مواجهة البحر , وتردد الصوت من جديد لكن هذه المرة كانت الحاجة مباركة المشرفة بالميتم هي من تنادي وسمعت إسمي كاملا
-حسن قرنفل
وزدت اقترابي حتى واجهت أمواج البحر وهي تضرب بقوة جانب الصخرة, وترتفع إلى ما فوقها ,وسمعت الصوت من جديد, فرفعت رجلا ناويا التقدم في أخر شبر على الصخرة ........ثم أحسست بذراع يتلف بي وأيادي تمسكني وتسحبني إلى الصخرة , ورفعت بصري فوجدت عددا من الصيادين تركوا أمكنتهم والتفوا حولي وحالو بيني وبين البحر وسمعت أحدهم يقول:
-ملعون حال هذه الدنيا وملعون أمر النساء فيها
وقال الأخر وهو يضع يده على رأسي:
-هل قنطتم من رحمة الله لهذه الدرجة هل تعرف ما كنت فاعلا للتو
وقلت وقد أبتل سروالي عن أخره وركبتني رعشة خفيفة رغم جو الصيف الدافئ
-كنت أبحت فقط عن مصدر صوت ينادي بإسمي
-هكذا يحدث لهم جميعا..حين يبلغون درجة من اليأس يسمعون أصواتا تنادي
-هيا لنحمله بعيدا عن هنا ونقترب به على الرمال ربما ينسل عنا ويعاود الكرة
-هل نخبر الشرطة
-لابد من ذلك لنحميه من نفسه
وكنت في كل ذلك صامتا غير مبال , أرخي سمعي برهافة لأبحت عن مصدر الصوت وقد نقص قليلا , قبل أن يختفي, تم سمعته من جديد, فقلت مخاطبا الصيادين حولي وأنا أشير جهة البحر :
- ها هو الصوت ألم يسمع أحدكم هذ الصوت ... اسمعوا إنه واضح
-كان الله في عونه ...ربما هو لم يتجاوز الثلاثين بعد
-أقطع يدي إن لك تكن امرأة وراء ما هو فيه
ثم رافقوني خارج الصخرة أتجاه الطريق وأجلسني أحدهم على الرمال, والتفوا حولي يتبادلون عبارات الأسى والأسف , فيما جلست وسطهم ممدد الرجلين رافعا بصري إليهم مراقبا تحركاتهم وقال صوت منهم :
- أبقوا معه وسأخبر مخفر الشرطة هناك بالأمر
وقبل أن يتحرك سمعت صوتا يصرخ :
-حسن...حسن ... أين كنت دخت من كثرة البحث عنك .
وكانت مريم , وقد بدت مجزوعة للغاية ,وارتمت علي وعانقتني بشدة ,وتفحصتني كاملا وهي تتأمل حالتي وملابسي المبتلة , والصيادون حولي , تم هزتني بيديها معا وحركتني قائلة :
-ماذا حذت أخبرني ماذا حذت
وقال أحد الصيادين
-بالكاد نزعناه من لسان البحر وكان ينوي الارتماء من فوق الصخرة إلى القاع
ثم قال أخر
-هل أنت زوجته يا ابنتي
وقالت وهي تضمني إلى صدرها بشدة مغالبة دموعها :
-نعم سيدي أنا زوجته
وقال صوت منهم :
-لابد أنها السبب فيما هو , فيه النساء شر من شرور الدنيا
وأسكته صياد أخر وقال مخاطبا مريم :
-كنا بالكاد ننوي إخبار الشرطة أما وقد حضرت ابنتي فرافقي زوجك إلى المنزل وفكوا مشاكلكم بالتفاهم ..
-نعم هذا ما سأفعل
وغادر الصيادون جميعا وبقينا معا أنا ومريم لا أسمع غير صوت الأمواج وصوت بكائها , ويدها تشد على يدي بقوة , ثم واجهتني بوجهها وقالت:
-هل ستتركني وحدي أهذا ما أستحقه منك..ألست زوجتك وسترك ألا تخبرني بما يؤرقك ..تنهي حياتك هنا بين الصيادين ..
وهزتني بيديها وقالت:
-أجبني ..هيا أجبني ..لمن ستتركني .. لمن ستتركني
ونظرت إليها نظرات شاردة من غير معنى فضمتني من جديد إلى صدرها وقالت:
-لن أتركك أبدا ..سأكون إلى جنبك
وبالكاد نطقت وقلت :
-لا داعي مريم كل الأبواب مقفلة في وجهي
-ليست إلا ابتلاءات يبلى بها كل الناس
-لست ككل الناس مريم ..أعيش وكأني أقاوم إعصارا يصدني
وأخذت يدي بين يديها ووضعتها على وجهها فلمست دمعها الساخن وقالت:
-أنا معك .... نعم معك .. أنت زوجي وأخي وأبي ..لن أتركك .... لن أتركك أبدا
-لست إلا جثة هامدة مريم وأخر من ملك مفاتيحي سيغادر مع الفجر
وهزتني بقوة قائلة:
-هل يشغلك ذلك الموضوع لتلك الدرجة أنا زوجتك ولا أريد شيئا منه
ورفعت رأسي بيديها ونظرت إلى عيني قائلة:
-أريدك أنت فقط أريدك أن تكون جنبي , ونعيش معا كظل واحد ..هل تفهم . أنا زوجتك وسترك ولباسك
-أعاني من سحر مريم ولا بد أن أخبرك بكل شيء عن علاقاتي السابقة
وسخرت من قولي قائلة:
-سحر هل تؤمن بأشياء من هذا أنت شخص مثقف وأنت أخر من يقول هذا الكلام
-أهون الأمور مريم أن يكون سحرا ونبحث عن علاجه ,و إن لم يكن سحرا فلن يكون إلا طامة كبرى وما عساه يكون.
وبحنان بالغ قالت:
-علي أن أعترف أن زوجي إنسان ضعيف وها هو ينحني أمام أول عاصفة وينوي الإنتحار
-عانيت العواصف منذ ولادتي مريم
-فلنواجهها معا
وجلست جنبي وألصقت جسدها بجسدي ووضعت رأسها على رأسي وقالت:
-زرت موسى اليوم وقد سأل عنك كثيرا, وفي المستشفى استشرت طبيبة حول مشكلتك وأعطتني عنوان طبيب وأخذت لي معه موعدا, وأعطتني أيضا عنوان طبيب نفسي لنزوره في نفس الوقت .
-هل سأزور طبيب الأمراض النفسية
-أليس أفضل من أن ترمي نفسك من أعلى الصخرة
ثم ساعدتني في الوقوف قائلة :
-هيا أعطني يدك لنذهب إلى منزلنا لا تقل شيئا أبدا
وانتصبت واقفا فقالت :
-سأبدل قصارى جهدي وسنفك معا مشكلتك وإن فشلت فصدقني لا أريد شيئا أبدا
و قصدنا الشارع المضاء , حيث أشارت لسيارة أجرة صغيرة, وغادرنا معا تاركا البحر خلفي لا أسمع إلا أمواجه فقط
وبالمقعد الخلفي وضعت رأسي على كتف مريم ,وأغمضت عيني معا مستسلما لهامس من أعماقي وهو يردد:
الألم
رديف الحزن وسليل الأسى
والفرح ..
وليد النسيان وسليل الأوهام....
ولوقت طويل أعتقدتني تجاوزت الأمر وتحررت لإنطلاقة جديدة و ميمونة ببسمات جديدة..
لكن ليس الأمر بالصحيح أبدا
ولست في غصتي إلا كائنا يعيش ليجتر ما مضى
البسمة........
خط على الشفاه بريشة النسيان.
ولوقت طويل اعتقدته خطا أبديا لا ينمحي ......
فغمرتني أفراحي, وأشرقت عيوني بأضواء غريبة أحاطت بالمكان ,وركضت مطروبا بألحان شدت بها السماء, وغصت في أحضان والدتي وقد تملكني الصبا وأعيتني الشقاوة ..حتى إذا أمسكت يدي الصغيرة بيدها النحيلة اعتقدت أني أمسكت الدنيا بما ضمت. وما همني يوما شئ غير ضحكتها ..فإذا أهدتني إياها ,قفزت معلنا فرحتي ,وموزعا ألحاني وأضوائي ..... ..وبسماتي
الجرح............
مسافر عبر الزمن بحقيبة سوداء, يمتطي جناحا أسرع من البرق وأسرع من الأضواء والألحان , يقفز من مكان لمكان في تخطي كامل لأوهام الزمان والنسيان.
ولوقت طويل اعتقدته زائرا عابرا ممن لا يطيل المكوث,وممن يطرق ليضيء ويتوهج حتى يغمر المكان في خجل , ثم ما يلبت أن ينكمش مفسحا المجال للأضواء والألحان والفرح ...
وربما تأخرت في فهمي
لكني أدركت مجبورا خداع اعتقادي, وآمنت أنه كالسقم العليل ,يختفي لأوقات قد تقصر أو تطول , ثم ما يلبث أن يشرق في صباح غير متوقع , ومع إشراقته يمتد ضوءه ليغمر التجاويف جميعها فتقسم أنه لم يختف يوما أبدا ,وأنه كان دوما هناك يراقب الاضواء والألحان ,حتى إذا أزعجه وقعها فتح حقيبته وأمتطى جناحه ..........وعم المكان
ربما عشت لحظات تحررت فيها من قيوده, وانطلقت بسرعة متوهما البسمات.
لكنها ليست إلا لحظات خادعة رسمتها أنامل النسيان.
وعديدة هي المرات التي صليت فيها لنعمة النسيان.
هكذا حالي مع ألآمي وجروحي, وهي على كثرتها لا تحصى ولا ترسم, حتى إذا مررت صاغرا بالمكان هناك ... حيث تربيت وترعرعت وحيث كنت طفلا يتماهى بالأضواء ويشدو بالألحان ..... تبدل حالي, ويأست من سيري وركوبي, وانتابني قلق شارد أتلمسه بتسارع دقات قلبي وصعود صفرة ماقعة إلى صفحة وجهي.
وربما قررت التوقف , وربما قررت المسير, لكنه ليس إلا قرار الحيران ....ممن لا يملك مفاتيح الزمان

خاتمة الرواية

موسى توفي بعذ ذلك بمدة بسبب التهاب رئوي حاد
ولم يشاهذ ابنته وكانت وصيته ان يدفن في صمت
وحضرت عزيزة وابنته لرؤيته قبل دفنه وغادرت بسرعة
حسن شفي من عقدة نفسية كان يعاني منها وهي التعلق بالنساء من نوع حليمة بمساعدة زوجته والعلاج النفسي
ربيعة زوجة محمود تعرضت لجلطة وتوفيت وتزوج محمود فاطمة اخت مريم بعد مدة
حليمة هاجرت للخارج وانقطعت اخبارها
محفوظ هاجر ايضا للخارج
حسن تم نقله للفرع الجنوبي وترقى لدرجة منصب مدير
ومع مريم انجب بنتين
عائشة على إسم والدته
وصفاء على أسم رفيقة صبا مفقود

 

حسن التازي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-17-2018, 12:59 AM   #2
مرايا الروح
( كاتبة )

الصورة الرمزية مرايا الروح

 






 

 مواضيع العضو
 
0 ” ثرثرة المرايا ”

معدل تقييم المستوى: 488

مرايا الروح لديها سمعة وراء السمعةمرايا الروح لديها سمعة وراء السمعةمرايا الروح لديها سمعة وراء السمعةمرايا الروح لديها سمعة وراء السمعةمرايا الروح لديها سمعة وراء السمعةمرايا الروح لديها سمعة وراء السمعةمرايا الروح لديها سمعة وراء السمعةمرايا الروح لديها سمعة وراء السمعةمرايا الروح لديها سمعة وراء السمعةمرايا الروح لديها سمعة وراء السمعةمرايا الروح لديها سمعة وراء السمعة

افتراضي


لا تخلو الحياة من الاكدار و المنغصات
وحتى نتمكن من مواجهة عراقيلها والتغلب عليها لا بد من أن نصارح انفسنا بضعفنا بدل ان نعلق فشلنا على شماعة السحر
" حسن " شخصية سلبية منقاد الى غرائزه انفعلاته غير منطقية احيانا خاصة في علاقته مع زملائه في العمل و ايضا مع زوجته " مريم "
هكذا شخصيات مرتبكة غير قادرة على حل مشاكلها الذاتية الا بالمواجة الحقيقة
و طلب العون الطبي من ذوي الاختصاص النفسي

رواية جد رائعة بسلاسة لغتها و تواتر احداثها المشوقة
حقا شدتني من اول سطر الى اخر كلمة
تحية تقدير و اجلال لقلمك الفذ
شكرا لك نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة


 

مرايا الروح غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:48 AM

الآراء المنشورة في هذا المنتدى لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الإدارة

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.