ليس الآن.. (رواية) - الصفحة 2 - منتديات أبعاد أدبية
 
آخر المشاركات
أرسم مشاعرك بكلمة واحدة فقط (الكاتـب : سيرين - آخر مشاركة : بدرالموسى - مشاركات : 4594 - )           »          دومينو أبعادية (الكاتـب : سيرين - آخر مشاركة : بدرالموسى - مشاركات : 9505 - )           »          في المقهى .. ؟ (الكاتـب : سيرين - آخر مشاركة : عبدالله عليان - مشاركات : 2628 - )           »          إليكم الميكروفون (الكاتـب : ضياء شمس الأصيل - آخر مشاركة : عبدالله عليان - مشاركات : 59 - )           »          معاتِبَتي (الكاتـب : صلاح سيد أحمد الغول - مشاركات : 18 - )           »          على ذاك الـرصـيــف . . . ! (الكاتـب : فيصل الحلبوص - آخر مشاركة : نورة القحطاني - مشاركات : 3819 - )           »          وشوشة مكشوفة . (الكاتـب : جــوى - آخر مشاركة : نورة القحطاني - مشاركات : 44 - )           »          شيء تتمناه الآن (الكاتـب : ساره عبدالمنعم - آخر مشاركة : نورة القحطاني - مشاركات : 2801 - )           »          كُلُ الحِكَآيَةِ ,’ (الكاتـب : هدب - آخر مشاركة : نورة القحطاني - مشاركات : 1647 - )           »          مؤلمٌ جداً .. (الكاتـب : نوف سعود - آخر مشاركة : نورة القحطاني - مشاركات : 732 - )


العودة   منتديات أبعاد أدبية > المنتديات الأدبية > أبعاد النثر الأدبي > أبعاد القصة والرواية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 07-16-2018, 09:23 AM   #9
عمرو مصطفى
( كاتب )

الصورة الرمزية عمرو مصطفى

 







 

 مواضيع العضو
 
0 ليس الآن.. (رواية)

معدل تقييم المستوى: 0

عمرو مصطفى غير متواجد حاليا

افتراضي



(3)
أحياناً يذهب نادر إلى مقهى مجاور لمنزله .. ليس له أصحاب كثر لكن هناك حشد من رواد المقهى يتمتعون بروح مرحة ومسلية.. يجد نفسه أحياناً أمام عروض مسرحية بلا مسرح لشرائح متنوعة ومختلفة من مجتمعه.. كان بحاجه هذه المرة إلى قياس ردة فعل الشارع بخصوص اللقاء غير العادي مع الطائفة الظلامية...
فيما يفكر الناس؟..
و هل هناك أحد يوافقه في رأيه فيصرح به؟.. أم يخرس للأبد؟ .. كان أولهم الحاج فوزي صاحب المقهى وهو دائماً متهم من قبل رواد المقهى بالاستغلال والغش فيما يقدم من مشاريب شعبية.. كان رأي ذلك الطاغية الصريح كما يلي :
ـ لقد أدمع ذلك الكائن قلبي قبل عيني.. هل هؤلاء هم وحوش ما تحت الأرض كما حاولت السلطة المفترية أن تقنعنا ..؟ حسبي الله و نعم الوكيل ..
وثانيهم الشاب محسن أحد هؤلاء الذين اعتبروا البطالة مهنة مقدسة والجلوس على المقهى هو استراحة محارب لابد منها بين ساعات العمل الشاق!! كان يدخن النرجيلة و ينفس سحب الدخان من منخريه باحتراف واقتدار فبدا كتنين أسطوري قرر أن يتنازل ويدلو بدلوه في أزمتنا السياسية :
ـ مئة بالمئة هناك سر تخفيه السلطة حول هذه الطائفة .. لماذا تضطهد تلك الطائفة المسكينة لعقود من قبل السلطة .. لابد أن هناك في الموضوع سر ..
وهناك الشيخ حسن أحد مقرئي المآتم المعتبرين في المدينة ويبدو أنه يقوم بعمل (عمرة) لرأسه قبل أن يقرأ على روح أحد المراحيم بمآتم مجاور .. لكن هذا لا يمنعه أحياناً من أن يكون له رأي فيما يدور.. وبلهجة العالم ببواطن القبور تكلم :
ـ الافتراء له أخر.. و الكذب ليس له أرجل.. لقد فضحتهم شعوب بني الأصفر ...و قلبت عليهم بقية الشعوب ..
بعدها تتابعت الآراء المفحمة ..
ـ هؤلاء لديهم حرية .. حرية حقيقية يا رجل ..
ـ ونحن لدينا (حُمرية) .. (حُمرية) حقيقية يا رجل...
ـ هع .. هع .. هع .....
أغلق نادر أذنيه بكفيه و قرر أن يفر من هذا الجحيم .. لقد فهم .. عليه أن يخرس و لا يدلي بدلوه ... لا أحد يفهم .. و ربما كان هو واحداً من هؤلاء الذين لا يفهمون .. لكن ..
أريد فقط أن أفهم ..
ليس الأن ..
لماذا ..؟
ليس الأن..
السيد وسام يفهم .. أنه يثق به .. كذلك شعبنا كله يثق به .. لكن هل ستظل تلك الثقة موجودة بعد عرض السيد نوسام المباشر على الهواء ..؟
هنا صم أذنه صياح جماعي حانق..
مظاهرة عارمة تجوب الطريق الرئيس رافعة لافتات تندد بممارسات سلطة شعبنا تجاه الظلاميين .. لكن هل هذا المحمول على الأعناق هو العوادلي شخصياً؟..
كانت صورته دائماً ما تثير الضحك بصلعته وعويناته التي تشترك مع أنفه وشاربه في صنع وجه كاريكاتيري يثير السخرية ..
لكنه بدا له في تلك اللحظة أقرب لغراب البين..
***
مقابلة هامة جرت بين السيد وسام و المسئول الأكبر عن شعبنا و دون تردد أخرج السيد وسام ملف ضخم ووضعة على مكتب المسئول الأكبر .. نظر الأخير للملف ثم لوسام.. ثم تكلم بلهجة هادئة :
ـ هل هذا هو كل شيء يا وسام ؟..
ـ خلاصة مجهود شهور مضنية من جمع المعلومات و فحصها و تحليلها وصولاً للنتائج النهائية والتي كنا نتوقعها أيها المسئول الأكبر ..
قلب المسئول الأكبر أوراق الملف وهو يلقي بنظرات عابرة على بعض الفقرات و حبس وسام أنفاسه ..
ترى كيف سيكون القرار ..؟
ـ ما رأيك ..؟
قالها المسئول الأكبر دون أن يرفع عينيه عن أوراق الملف.. و جاء الجواب القاطع من وسام ..
ـ لابد أن نفضح كل شيء أمام الرأي العام العالمي ... نتغدى بالشعب الأصفر قبل أن يتعشى بنا ..
قطب المسئول الأكبر حاجبيه مستنكراً الفكرة .. هو يعرف حكومة الشعب الأصفر جيداً ... وهذا الكشف المدوي قد يدفعهم إلى عمل جنوني غير مضمون العواقب ..
ـ لكن يا سيدى ....
قاطعة المسئول الأكبر في حسم :
ـ هذا هو قراري يا وسام ..المرحلة القادمة ستكون أصعب ما يكون على شعبنا و أمنه و سلامته سيكونان على المحك.. الصدام مع الشعب الأصفر قادم لا محالة فقط علينا أن نؤخره بقدر الإمكان
وأطرق وسام إلى الأرض.... لم يكن ليعترض رأي المسئول الأكبر فهو صاحب القرار النهائي و الحاسم لسياسة شعبنا ... كما أنه ـ أي وسام ـ مستعد لكل الاحتمالات و قد أعد بالفعل خطة احتياطية إذا ما قرر المسئول الأكبر سلوك الطريق الأخر...
و شد وسام قامته في اعتداد أمام مكتب السيد المسئول الأكبر و ووعده أنه سيبذل و رجاله أقصى ما يمكنهم لتحقيق أمن و سلامة شعبنا... كلا الرجلين كان يثق في الأخر .. كلا الرجلين كان مقدما على أحداث عاصفة و جارفة .. تحتاج إلى قدر خرافي من التحمل و التضحية و التفاني ..
و كانا أحق بها و أهلها..
ـ لقد بدأت التظاهرات بالفعل.. العوادلي يقودها بنفسه..
قالها سليمان للسيد وسام و هو يغادر مكتب المسئول الأكبر فلم يبد عليه أي تأثر ..فقط قال و هو يضع منظار الشمس الداكن على عينيه:
ـ لقد دارت العجلة و لم يعد باستطاعة أحد إيقافها...
***
بالأمس كان شعبنا يرتجف خوفاً من ذكر بؤر الظلاميين و يخشى الاقتراب من الفجوات التي يتسللون منها.. و اليوم .. تخرج التظاهرات تطوف بالفجوات مطالبة بخروج الظلاميين إلى النور ..كثير من الأبواق الشعبية التي كانت تندد بالظلام و الظلاميين صارت أبواق دعاية لهم .. و لقضيتهم ..
الدكتور العوادلي ظهر أمام الشاشات يقود المظاهرة الحاشدة ناحية واحدة من الفجوات .. وتوقفت المظاهرة عند حافة الفجوة وبدأ الهتاف المحموم بحق الظلاميين في الخروج للنور.. وبعد قليل نقلت وسائل الإعلام صورة العوادلي وهو يتأبط ذراع يسرم الذي غادر باطن الأرض.. ووقف الاثنان يبتسمان وهما يشيران بعلامة النصر ..
طبعاً اقتحم المشهد حشد من رجال السلطة المدججين بالعصي والدروع بغية الوصول ليسرم..
لكن كان عليهم أولاً أن يخوضوا بحراً متلاطماً من البشر الغاضب
وبدأ الصدام المروع ..
ومع أول قنبلة دخانية و أول دفعة مياه لتفريق المتظاهرين تنصب كراهية شعبنا لرجال السلطة حماة الشعب و تنانين النار كما يدعوهم الظلاميون ..
لم تعد المعركة معركة السلطة مع الظلاميين..
صارت معركة سلطة مع شعب.. لم يكن رجال السلطة من المريخ.. هم من أبناء شعبنا.. يستفذهم ما يستفذنا.. وينتابهم ما ينتاب سائر البشر.. وكان هناك من يلعب على ذلك الوتر باحتراف..
وحينما نجحت قنابل الغاز والماء في دفع الحشود وإخلاء المكان المحيط بالفجوة التي غادرها يسرم لم يكن للأخير ولا للعوادلي أي أثر..
ذابا كما يذوب الملح.. حتى تشكك البعض في أنهما كانا موجودان أصلاً..
خرجا.. نفخا في نار الفتنة فتأججت.. وعادا من حيث أتيا..
توقف رجال السلطة يلهثون عند حافة الفجوة المظلمة.. هم يعرفون أن الاقتراب بدون سلاح قاذف اللهب خطر جداً.. هكذا علموهم..
ـ إنهم مصممون
همس بها أحدهم وهو ينظر للحشود التي عادت تقترب من جديد في تصميم..
ـ الحرية للظلاميين
ـ تسقط السلطة..
وحينما قذف أول حجر وشج أول رأس ارتفع النداء عبر أجهزة الاتصال يأمر أفراد السلطلة بالتراجع وعدم الرد.. كان مشهداً لا ينسى..
رجال السلطة يتراجعون محتمين بالدروع متبوعين بأمطار من الحجارة.. والحشود الغاضبة تتقدم على أصوات الصراخ والهتاف المحموم..
لقد مرت علينا أيام نحسات لم نر مثلها من قبل ..
لم يكن أحد يفهم بالضبط إلى أين تنقاد الجموع الغاضبة..
وما سر كل ذلك الغضب المبالغ فيه ؟.. كانت عاصفة العقل الجمعي تعصف بكل دعوى للتعقل والنظر عن بعد.. السلطة شياطين من سقر ولابد أن يعودوا من حيث أتوا!..
صدامات عنيفة جرت تطورت إلى حد مهاجمة مقرات السلطة نفسها ونظرة أمنية فاحصة على كل ما يدور كانت تؤكد أن هناك يداً آثمة تعبث بهذا الشعب الطيب وتقوده إلى الهاوية ..
وللناظر من خارج أن يرى ما لا يراه الناظر من قلب ميادين المواجهة بين أبناء شعبنا وسلطته..
ـ الوضع سيء ...
ـ هناك محاولة جادة لإنهاك رجال السلطة..
قالها السيد وسام عبر الهاتف فاخترقت عبارته أذن مقدم رجال السلطة .. ازدرد لعابه وقال :
ـ أريد تعزيزات .. لو استمر الأمر ستعم الفوضى المدينة.
ـ لا تسمح بانهيار رجالك، هذا هو ما يراد .. الظلاميون لن يغادروا إلا بعد انهيار السلطة .. و ستأتيك تعزيزات ..
و أغلق الخط معه ثم التفت إلى معاونه سليمان :
ـ هذا الرجل لن يصمد لساعات ...الأغبياء يهدمون السد الذى يحميهم من طوفان الظلاميين..
ـ المشكلة أننا نمنع رجال السلطة من إطلاق الرصاص الحى على شعبنا الهائج..
أغمض وسام عينيه قائلاً :
ـ ولن نفعل ..
قال سليمان في حذر :
ـ نطلق الرصاص الحى .. فيموت البعض .. من أجل حياة الجميع .. حتى لو لم نفعل.. تهمة قتل المتظاهرين جاهزة قتلنا أم لم نقتل..
فتح وسام عينيه وقال في برود :
ـ أو نقطع على الجميع الطريق ... أطلب لي المسئول الأكبر ...
طلب سليمان رقماً ثم ناول وسام الهاتف... و حينما جائه صوت المسئول قال :
ـ سيدى .. لا بد من احتواء الموقف سريعاً...
ـ لا عنف يا وسام .. هذا خط أحمر ...
ـ لست هذا الرجل ... كل ما هنالك أننا سنخرج على الرأي العام و نعلن لهم موافقة السلطة على خروج الظلاميين إلى سطح الأرض...
لم يتلق جواباً .. فقط صوت تنهيد عميق أصدره السيد المسئول الأكبر..
الكل يعرف أن هذه الخطوة قادمة بلا ريب.. لكن ليس الخبر كالمعاينة.. واستطرد وسام :
ـ سيغادر الظلاميون إلى السطح بعد إنهاك قوة السلطة فلماذا لا نرتجل وندعهم يخرجون ونحن محتفظين بقوتنا .. من يدري ربما قرروا تغيير قواعد اللعبة كلها..
ـ ومن يحب لقواعد اللعبة أن تتغير؟
ساد الصمت برهة.. ثم تكلم وسام :
ـ سنمتص الصدمة يا سيدى.. مهما كانت الصدمة مؤلمة .. سنمتصها.. وفي الوقت المناسب سنرد الرد المناسب.. هذا عهدي لك..
ـ لعلك على حق كعهدي بك يا وسام ..
و بالفعل خرج السيد المسئول الأكبر على الشاشات ليعلن أنه قرر بداية عهد جديد من التسامح مع سكان باطن الأرض ..
و ليخرجوا إلى السطح بسلام!..
***

 

عمرو مصطفى غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-16-2018, 09:37 AM   #10
عمرو مصطفى
( كاتب )

الصورة الرمزية عمرو مصطفى

 







 

 مواضيع العضو
 
0 ليس الآن.. (رواية)

معدل تقييم المستوى: 0

عمرو مصطفى غير متواجد حاليا

افتراضي





(4)
نوسام لم يتوقع هذا القرار..
كان يجلس إلى مائدة خشبية في مكان ما تحت الأرض يشبه ممرات الصرف الصحي التي يراها نوسام في بلاده .. ويبدو أن هذا المكان القذر المليء بجثث الفئران، هو أنظف مكان يمكن للأخير أن يجتمع فيه بالظلاميين.. على المائدة كان يجلس شيخ عجوز سقطت معظم أسنانه لكنه استعاض عنها بطاقم أسنان قام بخلعه وانهمك في تنظيفه..
وبين الحين والحين كان يهب واقفاً ويوزع ركلاته وصفعاته على الظلاميين من حوله..
ـ اصمتوا يا حمقى.. أنتم تشوشون علينا تفكيرنا.
كان سمت الزعامة واضحاً على هذا الشيخ.. إذ تكور الظلاميون على جوانب الممرات وهم يعوون كالذئاب.. كانوا جوعى.. وقد طال انتظارهم للطعام..
هنا لمح بعضهم فأر يعدو هارباً فتواثبوا خلفه.. لكن دوت زمجرة حادة جعلتهم يجفلون.. ثم يتراجعون.. وظهر ذلك الظلامي ذو المعطف الطويل وهو يقبض على الفأر بيسراه.. كان هو صاحب اللقاء التاريخي مع نوسام.. وبدا واضحاً من تراجع الجموع الجائعة أمامه ماله هنا من سطوة ونفوذ أيضاً..
الأن يمكنك أن تلمس تشابهاً ما بينه وبين الزعيم.. اقترب واثقاً بحمله من المائدة التي يجلس عليها نوسام مع زعيم الظلاميين.. وهمس بصوت كالفحيح :
ـ شعبنا جائع يا أبي ؟
وكزه كبير الظلاميين ليصمته وهو يومئ بطرفه ناحية نوسام..
كان الأخير مستغرقاً في التفكير العميق..
مال دشرم بجسده على المائدة الخشبية وحاول أن يرسم ابتسامة بريئة على وجهه وهو يسأل نوسام بلطف :
ـ والأن يا سيد..
نظر له نوسام في برود فأردف :
ـ هل سنخرج للنور بالفعل أم؟..
هز نوسام رأسه متمتماً :
ـ هناك من يعرقل سير الأمور ... و لابد أن ننحيه جانباً..
رفع يسرم صيده الثمين إلى شفتيه الداكنتين وهو يغمغم في مقت :
ـ إنه تنين النار الذى يسمونه السيد وسام .. كم أشتاق إلى تذوق دمه..
نظر نوسام ليسرم و تقلصت أمعائه رغماً عنه.. هو يعرف أن الشعوب الظلامية تتقمص دور الوطاويط حتي الثمالة لكنه لم يرحب أبداً برؤية هذا الطقس رأى العين ...
ـ يبدو أنك ستذوق دمه قريباً يا يسرم ..
هنا صاح زعيم الظلاميين في شبق :
ـ سنغادر إذن ليبدأ الحفل.
التفت إليه نوسام محتداً فانكمش حيث يجلس و قد فطن إلى أنه أساء وتجاوز الحد.. قال له نوسام في حزم :
ـ لا قرار لكم على السطح ما دامت السلطة موجودة .. لا بد أن نتخلص من تلك الطبقة الحاكمة ..الطبقة التي تعرف الكثير ..سنستغل الحديث عن سنوات الاضطهاد و القهر و الحرق و سنطالب بمحاكمة المسئول الأكبر و عزله من منصبه و سنحرص على أن يصل شخص أخر للحكم ... أخر شخص يمكن توقعه ...
قالها و هو ينظر إلى يسرم الذى كان ما يزال يستمتع بدماء الفأر ثم قال مستطرداً :
ـ لنتخلص أولاً من العقبة التي تعرقل مخططنا .. الزميل وسام الذى يبهرنا دائماً بالمفاجئات ...
رفع يسرم عينيه الواسعتين إليه و قال في برود :
ـ رجالي لن يستطيعوا الوصول إليه..
ـ لا حاجه بي لخفافيشك .. هذا عمل محترف .. عمل للضباع ..
ثم نظر إلى ساعته مغمغماً :
ـ اتعشم أن يكون الفريق ب مستيقظاً الآن ...
***
نادر لم يشارك في أي من الأحداث التي جرت ..
كان يقضى معظم وقته في متابعه الأخبار السيئة.. مشاهد الدماء ومقرات السلطة المحترقة صارت شعار المرحلة ..ماذا حدث لشعبنا الطيب المسالم.. أي يد آثمة تعبث بهذا الشعب المستكين وتدفعه دفعاً نحو هدف غامض .. كم أحضرت له والدته الطعام و الشراب و هو جالس كالتمثال أمام الشاشة يتابع الأحداث بعين لا تطرف.. ثم تأتى بعد ساعة لتجد الطعام و الشراب كما هو ... و كان يسمعها و هي تدعوا الله أن يهدئ الأحوال و تعود الحياه الطبيعية لشعبنا المسالم الآمن كما كانت دائماً ...
ـ كيف و نحن نسعي لإخراج الظلاميين من معاقلهم يا أمي ..
التفتت إليه و هي تحمل الصفحة التي برد بها الطعام و قالت في أمل :
ـ هم إخواننا .. و قد عانوا كثيراً و أن الأوان أن يعودوا إلى سطح الأرض..
أمسك نادر رأسه و قد بدأ الدوار يكتنفه ... حتى أمه وصل إليها ذلك الفيروس العجيب ..
أم لعله هوس جرى في عروق الناس مجرى الدم ..
ـ حتى أنت يا أمي ..
ـ أخوك مدحت أيضاً خرج صباحاً ليشارك في مظاهرة عارمة أمام هيئة السلطة العامة سيذيعون نبئها بعد قليل .. لقد وعدني أنه سيظهر حتماً و هو محمول على الأعناق .. و سيلوح لي بالتأكيد ..
مدحت أيضاً .. الغر الساذج .. مثال الفشل المجسد قرر أن يكتشف نفسه في جو المظاهرات و الصياح .. و.. و الاختلاط !!
هو يعلم أخيه الطالح جيداً و يعلم سوء نيته .. لكن ماذا يفعل الأن ؟.
هل يبلغ عن أمه و أخيه كي يرتاح منهما؟!.. أم يخرج هائماً على وجهه ... و تذكر الصدامات التي تذاع صباح مساء بين رجال السلطة و الشباب الثائر المؤمن بقضية إخوة الظلام ... هو يعلم أنه لو مات أحدهم في تلك المظاهرة فلن يكون مدحت.. هو كما يقال في المثل العامي مثل العملة الممسوحة سيلف ويدور و يعود إليك مرة أخرى.. لكن من واجبه أن يقلق ..من واجبه أن يخرج ليبحث عن أخيه و يعود به سالماً إلى الدار ..
ـ أمي سأذهب وراء مدحت ..
ـ مرحى هكذا تكون ولدي حقاً .. لا تنس أن تتصل بي حينما تكون قريباً من الكاميرا ..
غادر نادر البيت وصفع الباب من خلفه محنقاً...
- أين ذهبت عقول الناس ؟
لم يبتعد كثيراً حتى لمح أخيه المبجل على ناصية الشارع كان يمشي بانتشاء ملوحاً بعلم شعبنا في يده ... ألم يقل أن هذا الغر الساذج كابوس لا يمكنك الخلاص منه ...
ـ نادر إلى أين ؟.
ـ كنت ذاهباً إليك .
ضحك ضحكه رقيعة و لوح بالعلم في يده قائلاً :
ـ فاتك الكثير .. لقد انتهت التظاهرات .. ألم تسمع بيان المسئول الأكبر .. لقد قرر أن يذعن لرغبة الشعب...سيخرج الظلاميون إلى النور بعد عقود الظلمة و القهر... نجحت ثورتنا على الرغم من كونها بلا رأس..
هنا كان نادر قد وصل إلى مرحلة الانفجار... صرخ في وجهه و هو يتردد في ركله :
ـ ماذا تعرف أنت أيها الغر الساذج عن الظلاميين هه ...؟
تراجع مدحت وهو يدفع بالعلم ليحول بينه وبين أخيه قائلاً في ذعر :
ـ ماذا دهاك يا نادر .؟ لقد أفسد رجال السلطة دماغك بالأوهام و شوهوا لك صورة إخوة الظلام البؤساء ...
ـ و منذ متى و أنت تهتم حتى بأقرب الناس إليك... أنت أبله بليد المشاعر وعديم المسئولية ..
ـ سامحك الله .. لكن أمي على مثل رأيي .. أي أننا أغلبية .. و الحق مع الأغلبية دائماً.. و غداً ستعرف كم كنت مخدوعاً من قبل طغاة السلطة .. حينما نحاكم المسئول الأكبر على جرائمه ضد إخواننا الظلاميين.. و بعد أن استعملهم كفزاعة كي يحكم سيطرته على شعبنا..
وتوقف نادر مشدوهاً..
من أين أتي مدحت الضحل بهذا الكلام العجيب .؟ من الذى لقنه مثل هذا الكلام .؟ وأي شيطان يعبث بعقول شبابنا؟.. هو نفسه كان شاباً لكنه في سن يسمح له أن يميز بين الغث والثمين أما مدحت فقد أتم عامه السابع عشر منذ أسبوع ومازال يخطئ حينما يكتب اسمه مدحت فيكتبه (متحت) لأن هكذا تنطقها الألسنة .. فمن أين أتيتم بالدال إذن؟!
إنها مؤامرة ...
كل شيء يحدث حوله يؤكد له أن هناك مؤامرة ما تحاك لهذا الشعب الطيب في الظلام .. ومنذ حل علينا السيد نوسام بطلته البهية بالذات .. لقد صار الوسيط الرسمي بين الظلاميين و سلطة شعبنا وأحياناً كثيرة يخرج ليصرح تصريحات نيابة عن الظلاميين.. هذا الرجل لغز.. ماله ولنا ... لماذا يتدخل الشعب الأصفر في شئوننا؟..
ـ نادر أين ذهبت؟
رمق أخيه بنظرة خاوية ثم استدار عائداً للبيت دون تعليق..
ـ نادر.. عدت سريعاً.. يا لك من فاشل..
لم يسمع عبارات أمه الساخرة وهو يتجه لشاشة المرئي ويقلب بجنون بين القنوات المتعددة التي تتكلم عن الأحداث.. سيجن لو لم يفهم.. لكن الذي يريد أن يفهم شيئاً من الإعلام في تلك الأوقات لن يكون أقل جنوناً..
هنا توقف عند وجه مميز يدلي بتصريح على إحدى القنوات الإخبارية الخاصة..
أم لعلها تعليمات..
كان هو السيد نوسام يقرر بلهجة العالم ببواطن الأمور: أن الشعب الظلامي لن يغادر حتى يطمئن .. ولن يطمئن حتى يحاكم المسئولين عن ترويعه على مدار السنين الماضية .. وقال عبارة توقف عندها نادر كثيراً :
ـ لابد أن يحاكم المسئول الأكبر على جرائمه ضد الظلاميين بعد أن جعلهم فزاعة لشعبه الطيب يستخدمها كي يحكم السيطرة على الأمور و يشعر الشعب أنهم بحاجه إليه ..
الأن علم نادر علم اليقين .. من أين يأتي أخيه الصغير بهذا الكلام الغريب..
وعلم كذلك مدى سذاجته حينما تصور أن ثورتهم بلا رأس..
***


 

عمرو مصطفى غير متصل   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 09:51 AM   #11
عمرو مصطفى
( كاتب )

الصورة الرمزية عمرو مصطفى

 







 

 مواضيع العضو
 
0 ليس الآن.. (رواية)

معدل تقييم المستوى: 0

عمرو مصطفى غير متواجد حاليا

افتراضي



(5)
لقد هدأت شوارع المدينة بعد قرار الإذعان ..
ما أجمل شوارع المدينة وهي خاوية هادئة من الصخب .. كان وسام متوجهاً بسيارته إلى مقر المسئول الأكبر، و معه سائقه وحارس شخصي يجلس إلى جانبه.. لم يكن معه سليمان لحسن حظه .. لماذا ..؟ لأن الفريق ب الذى لم يكن فريق علمي بالمعنى الحرفي .. كان يرصد سيارة وسام.. ويستعد لإزاحته من الوجود. الفريق ب فريق محترف من نوع خاص يسمى عند المنظمات الأمنية بفريق الضباع .. وطبعاً لم يأت بهم نوسام إلى هنا ليعرضهم في حديقة الحيوان!..
قال الضبع ب -1 وهو يتابع مسار سيارة السيد وسام على شاشة صغيرة أمامه :
ـ شوارع خالية هادئة .. ستكون عملية هادئة و نظيفة ..
قال ب -2 وهو يعبئ سلاحه المضاد للدبابات :
ـ متى سيكون في مرماي ..؟
كان الفريق يقف فوق أحد أسطح البنايات في الشارع الرئيس الذى ستعبره سيارة وسام الأن ..
قال ب -3 :
ـ عشرون ثانيه ويظهر في مرماك يا ب -2 ..
حمل ب -2 السلاح المضاد على كتفه وارتكز على سور السطح وهو يحكم التصويب قائلاً :
ـ عملية هادئة ونظيفة !!
وظهرت سيارة وسام ... وضغط ب -2 الزناد لكن ب -3 عطس فارتطم رأسه برأس ب -2 .. و خرجت القذيفة المضادة مخلفة وراءها خيطاً من الدخان وانفجرت على بعد امتار من سيارة وسام التي قفزت مثل بطة عملاقة وانقلبت على الرصيف ...
تبادل الفريق ب النظرات قبل أن يخرج ب -1 منديل ورقي ويعطيه
لـ ب -3 ليمسح أنفه الذى سال وهو يقول في برود :
ـ قذيفة ثانيه يا ب -2 .. وبسرعة ..
وقبل أن يلقم ب -2 سلاحه بقذيفة جديدة تحطم باب سيارة وسام بركلة عاتيه ثم قفز منها حارسه الشخصي وهو يطلق الرصاص باتجاه مصدر القذيفة .. وتراجع الفريق ب للوراء فوق السطح .. أخرج ب -1 و ب -3 سلاحين آليين ثم تقدما من حافة السطح وأمطرا سيارة وسام بالرصاص..
بعد دقائق توقفوا بعد أن أدرك كليهما أن الصيد قد غادر السيارة أثناء تراجعهم عن الحافة .. وأدركوا كذلك أن الشارع كله قد استيقظ مذعوراً ... لكن لا مفر من مواصلة العملية لإزاحة السيد وسام من الطريق ..
ـ لن يبتعدا كثيراً ...
ـ ذلك الرجل محظوظ والحظ لا يعتمد عليه كثيرا ً في عملنا .. عطسسس .. تباً.. لقد أصبت بالبرد ..
ـ أصمت يا ب -3 .. و ابقى أنت هنا حتى لا تفضحنا ..
اخترقا الزحام الشديد المحيط بالسيارة المقلوبة وتفرقا في اتجاهين للبحث عن الصيد .. تباً .. الزحام الشديد.. من أين يأتي كل هذا الكم من الفضوليين ...لحظة ..هل هذا هو وسام ..؟
وحينما شهر ب -1 مسدسه كان ذلك الذي ظنه وسام قد اختفى وسط الزحام .. وسرعان ما علا الصياح من قبل الناس المحتشدين ووجد ب -1 نفسه وقد تكالبت عليه الجموع ..
ـ ب -1 سقط يا ب -3
ـ تباً ... هذا حظ سيء ... عطسسس ...
هنا دوت أبواق سيارات السلطة وهي تنهب الطريق مقتربة من الحادث ...
ودوى صوت نوسام عبر وسيلة الاتصال برجليه المتبقيين :
ـ الفريق ب ..هنا عرين الدودة البيضاء أجب ..
ـ ب -1 سقط ... و ب -3 أصيب بالبرد!... والهدف يفر عبر الشوارع الجانبية فيما نظن..
ـ حدد لي المكان الذي فقدتم فيه الهدف ثم انسحب فوراً..
ألقى ب -2 بيانات الموضع الذى فقد فيه الصيد بسرعه وتلقاه نوسام في مقره السرى في إحدى فجوات الظلاميين.. هرش رأسه قليلاً ثم طلب رقماً :
ـ سمكه ؟..
أتاه صوت أجش يتحدث بلهجة شعبنا، لكن بسوقية احترافية .. هذا صوت بلطجي على الأرجح :
ـ مرحباً يا بك ...
ـ هناك رجلين هربا من التجنيد الإجباري في منطقتك .. سأعطيك أوصافهم وعشرة آلاف ترللى أخضر .. لكن خذ الحذر فالمكان يعج برجال السلطة .. حاول أن تهيج العامة على رجال السلطة حتى يتسنى لك إحداث فوضى عارمة .. هذا مهم جداً..
ـ إذا سيكون هناك عشرة آلاف ترللى أخرى ...
نوسام يعرف سمكة جيداً ... ويعرف أن موت السيد وسام على يد بلطجية شعبه كان أخر شيء يمكن أن يخطر له على بال.. سيتخلص من وسام ويحدث الفوضى المنشودة .. عصفورين بحجر واحد ..
هذا كثير والله ..
***
كان لابد لنادر أن يترك الفراش .. لا أحد يستطيع أن يواصل النوم بضمير مرتاح بعد سماع دوي انفجار و طلقات رصاص وهرج ومرج يوقظ الموتى.. غادر غرفته فرأى الذعر يطل من عيني والدته و أخيه مدحت ..
ـ ماذا يحدث .؟ هل هي الحرب .؟
طلب من كليهما العودة للغرف و توجه بحرص إلى النافذة .. من وراء الشيش رأي العشرات يتجهون ناحية الشارع الرئيس وسمع كلمات مختلطة حاول أن ينسج منها كلام مفيد ..
ـ لقد ضربوها بصاروخ .. أي والله ..
ـ هل هناك مصابين .؟
ـ لقد قبضوا على رجل أجنبي مسلح ...
كان يرتدي ثيابه على عجل ليعرف أكثر .. و لم ينس توجيه تحذير لأخيه مدحت ألا ينظر من النافذة أو الشرفة .. و حينما فتح باب المنزل ليغادر تلقي دفعة في صدره من خارج، طار على أثرها ليرتطم بأثاث المنزل ..
و قبل أن يستوعب الموقف لمح رجلين يدلفان و ينغلق الباب من وراءهما
كان مفترضاً أن يصرخ .. أن يستغيث.. أو حتى يعترض لكنه بالرغم منه شاعت على وجهه دهشة عارمة.. استحالت إلى ابتسامة عريضة مرحبة ..
***



 

عمرو مصطفى غير متصل   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 09:51 AM   #12
عمرو مصطفى
( كاتب )

الصورة الرمزية عمرو مصطفى

 







 

 مواضيع العضو
 
0 ليس الآن.. (رواية)

معدل تقييم المستوى: 0

عمرو مصطفى غير متواجد حاليا

افتراضي



(6)
حينما دلف ب ـ2 إلى السيارة الدبلوماسية سمع ب -3 وهو مستمر في العطس.. حياه وجلس في المقعد الخلفي مسترخياً :
ـ هل من أخبار عن ب -1 .؟
ـ عطسس .. لا أسمع إلا أصوات جلبة وأصوات أبواق سيارات السلطة..
لا أظن الموضوع يستغرق كل هذا الجدل ... لماذا لم يتسلم رجال السلطة ب -1 وينتهي الأمر ...
هنا انفتح باب السيارة ودلف إليها ب -1 ليجلس بجوار ب -3 ...
ـ أنت تسمع جلبة لأنى فقدت جهاز الاتصال هناك ..
ـ ب -1 .. هذا غريب ...
قالها ب -3 وهو يدير المقود وتنطلق السيارة ..
على حين بدأ ب -1 يفسر لهم سر عودته :
ـ شعب غريب .. لقد كادوا يفتكون بي في أول الأمر .. ثم لما جاءت عربات السلطة انصب غضبهم على رجال السلطة و رفضوا تسليمي مما أدى إلى اشتباك عنيف بينهم و بين رجال السلطة ... ووجدت نفسى حراً بعد أن كدت ألفظ أنفاسي الأخيرة ..
قهقه ب -2 وهو يتراجع في مقعده أكثر ثم قال في استمتاع :
ـ شعب غريب بالفعل ... لكنه يستحق ما سيحدث له ..
هنا لاحت لهم تجمعات بشرية غاضبة .. ظهر من بينهم شخص أسمر فارع الطول يرتدي سترة جلدية ويلوح بسيف طويل بيده في الهواء
وتبدو عليه أمارات القيادة .. كان معه عدد لا بأس به من بين الجموع يحملون السلاح الأبيض وينادونه بسمكة..
هناك أدخنة تتصاعد وألسنة نيران مصدرها إحدى سيارات السلطة والتي تحولت لكومة فحم مشتعل .. وللأسف كان حشد كبير من أبناء شعبنا الغاضب يلهج بالهتافات الملتهبة المنادية بسقوط السلطة الغادرة الخائنة !..
صاح سمكة وهو مستمر في ممارسة دوره التحريضي بينهم :
ـ الأمر أوضح من الشمس يا رجال .. السلطة تبغي إبادة الشعب الذى وقف في وجهها .. خدرونا ثم انقلبوا علينا في المساء .. و يضربون الناس بالصواريخ ..
وهتف متحمس أخر :
ـ لا تتركوا رجل واحد من رجال السلطة يمشي على الأرض ..
و لم يكن الشعب بحاجه إلى ذلك الهتاف بالفعل .. ومن جديد انفجرت جموع شعبنا وعدنا من حيث بدأنا .. الويل لكل رجل سلطة يلقيه حظه العاثر في طريقهم ...
لقد مات العديد من رجال السلطة في تلك الليلة المشؤمة وتفرقت دمائهم هدراً بين الجموع الثائرة ..
و بينما الجموع الغاضبة تجتاح المدينة اقترب أحد رجال سمكة من الأخير و مال على أذنه قائلاً :
ـ لم نعثر له على أثر .. ربما غادروا الحي بالفعل ..
ـ عشرون آلف ترللي يا ابن الـ ... ستضيع علينا .. اقلبوا الأرض بحثاً عنه ولا تعبئوا بالسلطة فقد انكسرت شوكتها أخيراً ..
و انطلق بلطجية سمكة ليباشروا البحث المضنى عن رجل الأمن الأول .. بينما أجرى هو اتصال بالسيد نوسام ليخبره بالتطورات ..
كان نوسام سعيداً بالرغم من ذلك .. فقد استطاع استغلال حادثة وسام أسوأ استغلال .. الأن وسام معزول عن رجال السلطة، و سيسقط عما قريب في يد رجال سمكه .. على حين سيجهز الشعب الأخرق على جهازه الأمني .. بعدها ..
يخرج الظلاميون إلى النور ..
و إلى مهمتهم الأساسية ...
ـ اسمع يا سمكة.. سوف أحدد لك عدة مراكز أمنيه حساسة .. عليك أن تدفع الجموع إليها حتى يتم شل حركة السلطة نهائياً ..
ضحك سمكة كأي بلطجي يحترم نفسه و قال :
ـ هذا يوم سعدي بالتأكيد ..سنتخلص من السلطة.. و يصير القانون أن لا قانون .. سنصير ملوك الشوارع ...
و أنهى نوسام المكالمة وهو يلتفت إلى دشرم و يسرم مبتسماً في خبث :
ـ يؤسفني أنك لن تجد الوقت الكافي لذلك يا عزيزي سمكة ... فملوك الشوارع الحقيقيون سيكونون أخر من تتوقع أنت و بنى شعبك ..
هنا دخل أحد الكائنات الظلامية صائحاً في شبق :
ـ هناك ثلاثة من الصفر يطلبون الإذن بالدخول .. و دمائهم شابة.. شابة..
صاح نوسام في تقزز :
ـ إنهم الفريق ب إياكم أن تمسوهم بسوء ...
ظهر الإحباط على وجه الكائن الشبق وهو يشير بكفه كي يدخل رجال الفريق ب.. وهكذا انضم الجميع للحفل..
قال يسرم وهو يتشمم رجال الفريق ب في شبق:
ـ شعبنا الظلامي صبر كثيراً.. و لا أحد يضمن العواقب لو انفلت الزمام ..
زجره نوسام قائلاً :
ـ اصبروا يا حمقى هؤلاء رجالى و ليسوا للأكل ..
امتقعت وجوه رجال الفريق ب وقد فطنوا إلى طبيعة الحوار و تحسست أيديهم أسلحتهم لكن نوسام هدأهم قائلاً :
ـ هدوء يا رفاق.. نحن في معسكر واحد .. أليس كذلك يا يسرم ..
هز الأخير رأسه كي ينفض عنها مشهد الدماء التي يراها تجري عبر عروق رجال الفريق ب و تدفعه دفعاً إلى الجنون ...
ثم قال في خضوع :
ـ إنه كذلك يا زعيم ..
و قال دشرم مؤيداً :
ـ إننا نفضل دماء شعبنا .. ساكني السطح .. أنتم أصدقائنا ..
هنا عقد نوسام كفيه خلف ظهره مثل أي قائد عسكري يقود معركة ..
وقال في حزم :
ـ ساعات قليلة و يبدأ الحفل الحقيقي ..
بالفعل لم تمض ثلاث ساعات حتى عمت الفوضى المدينة وخرج مذيع القناة الأولى لشعبنا على الشاشات ليعلن أخر الأنباء لكن أحدهم أزاحه ونزع منه ناقل الصوت واستدار في مواجهة الشاشة .. كان نحيلاً مفلفل الشعر من ذلك النوع الذي يلبس الحلق ويمضغ نصف كيلو من اللبان .. ابتسم للكاميرا في بلاهة قائلاً :
ـ الشعب سيطر على المدينة .. لم يعد هناك سلطة سوى سلطة الشعب ..ولم تعد هناك نشرة أخبار لأننا لم نعد بحاجة لمزيد من الأكاذيب ...
هنا دق جرس هاتف نوسام فوضعه على أذنه مستغرقاً في السماع ثم أصدر همهمات مندهشة قبل أن يغلق هاتفه و يعيده إلى جيب سترته قائلاً للظلاميين :
ـ لقد توارت السلطة بالفعل.. اختفى المسئول الأكبر و معه كل رجاله، و المدينة تفتح ذراعيها أمامكم ..
هنا أصدر الظلاميان دشرم و يسرم فحيحاً له مغزى ..
لكن نوسام بحكم خبرته شم رائحة فخ ما ..
لابد أن نتريث ..
لكن الظلاميين فقدوا السيطرة على أنفسهم.. الشبق إلى الدماء كان هو محركهم ... وأصدر دشرم أوامره بالخروج إلى السطح ...
ـ انتظروا يا حمقى ...
لكن ذهبت مناشدات نوسام سدى ..وكان أول من أطل برأسه خارجاً من إحدى فجوات قاع المدينة .. يسرم .. الممثل الذى أجاد دوره يوماً ما في استدرار العبرات من شعبنا الطيب المسكين ...
وكانت مسيرة شعبية تجوب قاع المدينة و تهتف بحقوق الظلاميين في الخروج للسطح .. و حينما لمح منظر المسيرة خروج أول الظلاميين
صاح :
ـ ها هم إخواننا ...
لقد مرح الظلاميون كثيراً مع تلك المسيرة .. كانوا مثل الجراد المنتشر و المسيرة كانت لا تحمل إلا العصي تحسباً لمواجهة مع السلطة .. وماذا كانت لتفعل تلك العصي مع الأسنان الحادة تنغرس في الأعناق ....
سرعة الهجوم و الامتصاص كانت رهيبة .. وفي قاع المدينة فرشت الأرض بالجثث الخالية من الدماء .. واستلقى المئات من إخوة الظلام منتفخي البطون بعد أن ملئت دماً ..
وفي وسطهم وقف يسرم وهو يلعق شفتيه باستمتاع ثم رفع رأسه للسماء صائحاً في نشوة :
ـ ما أشهى الدماء التي تجري في عروق الحمقى ..
عشرات و مئات الفجوات في الأرض وفي الكهوف كانت تفيض بالمئات و الألوف من الطائفة الظلامية التي تئن بطونهم جوعاً ..
ما كانت تجرؤ على الخروج بتلك الكميات أيام السلطة .. أما الأن فلم يعد هناك شيء يوقفها..
ـ ألم تفكروا في أن ما يجرى مجرد خدعة لاستدراجكم ..
كذا صاح نوسام في جنون.. لكن دشرم قابل جنونه بكل بساطة :
ـ ولو .. سيموت البعض والباقون سيعودون مرة أخرى إلى باطن الأرض هذه هي حياتنا ..
ـ لستم أصحاب القرار هنا..
ابتسم دشرم كاشفاً عن طاقم أسنانه و قال في خبث :
ـ من يستطيع أن يسيطر على جحافل الظلاميين إذا ما هاجت شهوتها للدماء.. هذا عيب صنعة لو أردتم رأيي ..
غطى نوسام عينية بكفه وقد صعد الدم إلى رأسه .. هل يبلغ القيادة العليا للشعب الأصفر؟.. أم ينتظر ما تسفر عنه الأحداث؟..
ربما يسيطر الظلاميون على السطح بالفعل، من يستطيع أن يجزم أن في الأمر خدعة من وسام.. صحيح أنه أختفى في ظروف غامضة كما أختفى المسئول الأكبر .. لكن ربما كان الاختفاء هروب من السفينة قبل أن تغرق و...
لكنه يعلم قيادة شعبنا جيداً.. خصوصاً السيد وسام.. ليسوا من ذلك النوع أبداً. رباه .. لقد وقع في حيص بيص ... هنا دوى هاتفه النقال فرفعه إلى أذنه ولم يكد يسمع الصوت على الطرف الأخر حتى امتقع وجهه وقال بصوت مبحوح :
ـ سيدي المسئول الأعظم.. هل وصلتكم الأخبار؟ وسائل الإعلام تنقل ما يدور على السطح.. رائع.. إنه.. إنه بفضل توجيهاتكم العليا...
و أنهى الاتصال و العرق يتفصد من جبينه ... لقد انغرست قدماه في مستنقع الأحداث الغامض .. سلطة شعبه لا تفهم لغة الاحتمالات..
لقد طلب منه تحديد وقت مناسب للتدخل الفوري لقوات الشعب الأصفر في شأن شعبنا .. طبعاً نتيجة غريبة على أذن العامي لكنها حتمية بالنسبة لصانعي القرار ..هم لا ينتظرون الذريعة التي بها يعتدون على مقدرات الشعوب الأبية ..بل يصنعونها ..والذريعة هي سيطرة الظلاميون على مقدرات الشعب الأسمر، فما كان للشعب الأصفر مرهف الحس أن يترك شعبنا المسكين تسيطر عليه حفنة من الظلاميين المتوحشين!!
***


 

عمرو مصطفى غير متصل   رد مع اقتباس
قديم يوم أمس, 10:05 AM   #13
عمرو مصطفى
( كاتب )

الصورة الرمزية عمرو مصطفى

 







 

 مواضيع العضو
 
0 ليس الآن.. (رواية)

معدل تقييم المستوى: 0

عمرو مصطفى غير متواجد حاليا

افتراضي


(7)
ـ جحافل الطائفة الظلامية تجتاح غرب المدينة..
هكذا استهل النشرة مذيع القناة الأولى للتليفزيون الشعبي ذو الشعر (المفلفل) والقرط المتدلي من إحدى أذنيه ـ المذيع لا التليفزيون طبعاً ـ كان يحاول أن يبدو متماسكا وهو يمضغ نصف كيلو من العلكة .. فمازال لديه المزيد من الأخبار المفجعة ..
ـ لا يوجد رجل سلطة واحد يوحد الله في المدينة .. لا جديد بخصوص اختفاء السيد المسئول الأكبر و رجله الأمني السيد وسام .. فليرحمنا الله ...
كان هذا حينما وثب عليه كائن ظلامي ونشب أسنانه في عنقه وسط صراخ وعويل ودماء تناثرت على الكاميرات.. بعدها برز وجه يسرم والدماء تنساب من بين شفتيه وقام بتثبيت ناقل الصوت إلى رقبته قبل أن يبتسم قائلاً :
ـ نعتذر عن المشهد المؤسف ..لكنه شيء ضروري لحياة الظلاميين أمثالي .. أرجوا أن يكون جميع إخواني الأن متابعين لهذا البيان العاجل... نحن نسيطر على غرب المدينة تقريباً... لا داعى للمقاومة ... دعونا نعقد اتفاق . نحن حريصون على حياتكم .. لا يوجد عاقل يفسد سلة الطعام كلها ... ولا يوجد راعي ضأن يذبح كل الشياه التي يملكها مرة واحدة... أنتم طعامنا شئتم أم أبيتم ... سنقوم برعايتكم رعاية تامة .. أفضل طعام وشراب في مقابل أن تمدونا بدمائكم الحارة .. محدثكم يسرم ... المسئول الأكبر الحالي عن دمائكم ..هـي هـي .. انتهى البيان ..
وصرخ المعلم فوزى صاحب المقهى :
ـ يا أولاد الـ... أنا قلت منذ البداية هؤلاء شياطين أبناء شياطين..
ولطم الشاب محسن وجهه بمبسم النرجيلة وهو يولول :
ـ الأن فهمت السر الذى جعل السلطة تضطهد هؤلاء الوحوش..
واصفر لون الشيخ حسن الفقي وهو يضع كفه على رأسه هاتفاً :
ـ لقد خدعنا الشعب الأصفر... خونة .. خونة ..
ـ وماذا بعد ..؟
التفت الجميع إلى مصدر الصوت .. كان نادر يقف على باب المقهى وقد اكتسى وجهه بصرامة وحزم لم يعهدها أحد عليه من قبل ... لكن هذا لم يمنعهم من الإيجاب ...
ـ سيفتكون بنا ... يجب أن نختبئ بسرعة ..
ـ نختبئ أين ؟ في باطن الأرض مثلاً !
ـ لنرحل عن هنا فوراً..
صرخ نادر والدخان الأسود يتصاعد أمام عينيه :
ـ هل لدي أحدكم اقتراح أخر أكثر جبناً ...؟
قال محسن وهو يحاول منع ساقيه من الارتجاف :
ـ الوقت ليس وقت الشعارات يا أخ نادر ...
ورتب المعلم فوزى على عاتقه مهدئاً :
ـ يا ولدي هؤلاء الوحوش الليلية مصاصي دماء .. لم يصمد أمامهم أحد في غرب المدينة فماذا نصنع نحن هنا .. في الشرق ...
ـ نعيدهم إلى حيث جاءوا ...
ضحك الشيخ حسن الفقي ضحكة مفتعلة هي أقرب للبكاء قبل أن يقول بصوت يقطر رعباً :
ـ كيف ؟.. نصنع لهم عمل سفلي مثلاً ؟
سكت نادر برهة وكأنه يسترجع ذكرى ما قريبة.. وتعلقت العيون بوجهه المرهق المهموم..
ـ سنحيط شرق المدينة بالنيران ..
حملق جمهور القهوة في وجه نادر مستغربين اقتراحه، فعاجلهم هو قبل أن يتفوه أحدهم بكلمة :
ـ أنا أعرف جيداً كيف نواجه تلك الكائنات .. النار تفزعهم ..
وشرد قليلاً وهو يستطرد بأسى :
ـ لهذا كان رجال السلطة يضربونهم بقاذفات اللهب .. كانت تمنعهم من العبور إلينا .. وهذا ما سنفعله .. إذا كانت السلطة قد توارت بسبب حماقتنا .. فكل فرد في شعبنا سيتحول إلى رجل سلطة.
ـ من أين أتيت بهذا الكلام .؟
جذب نادر نفس عميق وهو يحدجهم بنظرات تبض بالقوة والعزم..
ـ ليس الآن...
ربما شك البعض أن الواقف أمامهم الأن هو نفسه الشاب نادر المسالم قليل الكلام الذى كان بالأمس .. كلماته كانت تفيض بالقوة والثقة ..
هو يعرف ما يتكلم عنه جيداً .. هو يذكرهم بشخص ما.. شخص كان يعرف عن شعبنا الكثير والكثير ..لكنه صار الأن مجرد ذكرى مجهولة.. المهم أن كل ذلك بعث في نفوسهم شيء من الاطمئنان والثقة.. أما نادر، فكان من داخله لا يقل دهشة عن رواد المقهى، وسكان شرق المدينة .. لقد تحول بين عشية وضحاها إلى رجل الأمن الأول لشعبنا ..
لم يشعر لحظة بالفخر أو الكبرياء .. فالمسئولية كانت أكبر من كل تلك المشاعر..
وحينما حانت منه نظرة لوجهه في مرآة المقهى المغبشة شعر أنه كبر عشر سنوات على الأقل ..
***





 

عمرو مصطفى غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الكُنَّاشَة شمّاء أبعاد العام 181 07-17-2018 12:21 PM
لا شأن لك بما يحدث لي . راكان العنزي أبعاد النثر الأدبي 6 01-08-2017 03:19 AM
الآن ... الهادي التليلي أبعاد الشعر الفصيح 6 01-12-2016 07:23 PM
ملخص رواية \ مسلسل ( الجذور ) لـِ أليكس هالي عماد تريسي أبعاد العام 10 07-08-2014 02:20 AM
الموتُ في وهران رواية للحبيب السايح سارة النمس أبعاد النقد 7 04-17-2014 04:25 PM


الساعة الآن 08:54 AM

الآراء المنشورة في هذا المنتدى لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الإدارة

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.