تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : :♥:. مـِะـَصْبـะะـَاحُ الطَّـะะـَريـِะـــق .:♥:


الصفحات : 1 2 [3] 4 5

عَبـَق الشَّـريف
11-15-2008, 07:34 AM
http://www.atiaf.com/vb/uploaded/14454_1196609865.gif
مشهدٌ وحيدٌ كالحلم ِ .. أجتره بصعوبة من أعماقِ الذاكرة ..
إنه مشهد عودته كل مرةٍ من المسجد حاملاً في يده كيساً مليئاً بالحلوى ..
لعله أراد أن يرشوَني به .. لينل مني الكثير الكثير من القُبَل ..
يضمني لصدره بحنانٍ .. ترتعش له الآن أطرافي شوقاً ..
أشمُّ رائحة دهن العود تنبعث من بين شعيرات لحيته البيضاء ..
آه ٍ ..
إنها ما تنفك تعبق في أنفي تلك الرائحة كل ساعة .. http://www.atiaf.com/vb/images/smilies/sad.gif

عَبـَق الشَّـريف
11-17-2008, 10:45 AM
http://www.atiaf.com/vb/uploaded/14454_1196610046.gif
ليس كفيلاً هذا المشهد بإعطائي صورة عن شخصية والدي .. في غضبه /حزنه/فرحه ..
بقية الذكريات تصوره لي مُقعداً .. كيف حدث ذلك ؟ .. لا أذكر !!
كل ما أذكره لحظة وفاته .. حيث كنت قبلها بسويعات أجلس في أحضانه وهو يتسامر مع والدتي وأخي فائز .. وبعد انتهائه من صلاة العشاء .. سمعته يشهق وهو مستلقي شهقة أقشعر لها بدني .. أسرَعَتْ بوالدتي وفائز الذي أخذ يجسُّ نبضه واضعاً أذنه على صدره ..
عندها غمغمت والدتي بأسى يشوبه خوف :
_ أهي شهقة الموت يا ولدي ؟
أجابها فائز من خلف دموعه :
_ نعم يا أمي لقد مات أبي .. !!
ثم رأيته يتناول كأس ماء كان أبي قد شرب منه قليلاً قبيل وفاته كي يغسلَ وجهه ببعضها وهو يردد بصوت زلزله الحزن ..
_ أشهد أن لا إله إلا الله .. وأن محمداً رسول الله ..
لم أكن بعقلي الصغير ذاك أفقه شيئا مما يدور حولي ..
فقط تشبثتُ بدميتي في أحد الزوايا .. وبقلب يرجف أيقنت أن ما يحدث هو أمر جلل ..
http://www.atiaf.com/vb/uploaded/14454_1196610729.gif

عَبـَق الشَّـريف
11-18-2008, 07:11 AM
http://www.atiaf.com/vb/uploaded/14454_1196920568.gif
رغم صغر سني وقت وفاة والدي ..
وعدم إدراكي لكل حيثيات ذاك المشهد ..
إلا أن حقيقة واحدة فقط هي التي أدركتها يومها ..
وظل صداها يدوي في داخلي حتى لحظة كتابتي لهذه الأسطر ..
وهي أن والدي راحلٌ لا محالة ..
وأنه سيترك مكانه فارغاً للأبد ..
لا أنسى أبدا منظره وقد حولوه باتجاه القبلة وهو نائمٌ ومغطى الوجه ..
في انتظار بزوغ الفجر ..
آآه ٍ ..
أيُّ فجر سيبزغ وروح أبي باردة ..
بل أيُّ شمسٍ ستشرق .. وجسد أبي سيغرب بشروقها ..
و أيُّ نهار سيظهر .. وصوت أبي قد غاب عنا ..
كم هي قسوة الحياة مميتة ..
لن أفقد كيس الحلوى فقط ..
بل سأفقد دفء صدره .. ورائحة لحيته العبقة .. !!
http://www.s3s3s.com/vb/uploaded/4_1188104230.gif

عَبـَق الشَّـريف
11-20-2008, 08:13 PM
http://www.atiaf.com/vb/uploaded/14454_1197030398.gif
وقع خبر وفاة والدي على جميع أفراد أسرتي كوقع معولٍ على جذع شجرة ..
وعمَّ الحزن أرجاء البيت كما عمَّ أرجاء قلوب ساكنيه ..
كلنا بكينا بعينٍ واحدة .. وجرحٍ واحد .. وصوتٍ واحد ..
إلا هي !!
حزنها على أبي ألجم فاها .. وشلَّ أطرافها ..
امرأةٌ في جمالها الثلاثين يموت عنها زوجها مخلفاً قلبها أشد جدبا وخواء من الصحراء لتترمل بعده ..
أيُّ أمر عضال هذا ينزل عليها تاركاً إياها ..
كمصباح طريق يحترق حتى يخبو نوره دون أن يلتفت له أحد المارَّة ؟؟ !!
أيُّ خطبٍ مفجع هذا يُلقي على عاتقها مسؤولية سبعةَ أرواحٍ هي ثامنتهم ..
لمن تلجـ أ بعد الله .. إذ لا أب لها ولا أخ .. ولا سند ..
ولا صنعة في اليد تتسلح بها لمواجهة صعاب الحياة .. سوى بضع مجوهرات .. وكثيرٌ من أمل ..
والدتي ..
سـوف أطيل الحديث عنها في إحدى وقفاتي .. !!
http://www.atiaf.com/vb/uploaded/14454_1197030075.gif

عَبـَق الشَّـريف
11-22-2008, 11:20 AM
http://www.3baq.com/up/uploads/images/3baq-6ae010182a.gif





إنها هيبة اعتلت ذاك الجسد .. وهو عائد من مسجده .. كنت دوماً أسأل شقيقي الأكبر مهند السؤال ذاته .. في محاولة يائسة مني لملئ حقائبي ببعض الذكريات عن أبي ..
_ مهند بربك أخبرني ما سرُّ هيبته .. ؟!
كان يجيبني مرةً ببشاشة ومرات بامتعاض شديد لكثرة ما ألهيه عن بعض أموره ..
_ طبيعي أن تعتلي والدنا تلك الهيبة فهو من علية قومنا .. كما أنه بفعاله الكريمة يجعله يشغل حيزاً مترامي الأطراف من محبة الآخرين له .. فهو موردٌ لكل ذي حاجة .. يقري الضيف .. ويسعف المحتاج .. ويصل الرحم .. و .. و .. و ..
وكان في كل مرة يعدد بعضاً من صفات والدي وكان صدري ينتفخ خلال تلك المرات إعجاباً وفخراً بهذا الرجل ..
وكأنني كنت أتعمد دوماً أن اسأل مهند نفس السؤال حتى أسدُّ فراغات الشوق في نفسي والتي تخلفت بسبب غياب والدي عن سمائي في عمرٍ وليد ..




http://www.atiaf.com/vb/uploaded/14454_1197288195.gif

عَبـَق الشَّـريف
11-23-2008, 07:33 PM
http://www.atiaf.com/vb/uploaded/14454_1197023883.gif
أعلم حبيبي بأنك شغوفٌ لمعرفة السرِّ الذي جعل أبي مقعداً .. فأنا كنت مثلك بل أكثر شغفا لمعرفة ذلك ..
في يوم ماطر سألت مهند الذي توجته مرجعا لمعرفتي بتاريخ أبي ..
_ آه يا لهذا المطر يا أخي فهو يأخذني بعيدا إلى عالم يعيش فيه والدي وحقول تعبق برائحته ..
لحظة صمت تتخللها وقفات تأمل ..
أردفتُ قائلة :
_ أتعلم أنني دوما أتساءل عن السرِّ الذي أقعده في أيامه الأخيرة ؟
كعادته عند كل حديث يتم بيني وبينه .. ابتسم وقال ..
_ يا نجلاء ليس هنالك من سر معين .. فالكبر وحده هو الذي أقعده ..
تتسع دائرة حيرتي ومعها يتسع قطر تساؤلي ..
_ ولكن الكبر هذا لم تظهر معالمه على محيا والدتي !!
تشع أسنان مهند من خلف ابتسامته العريضة ..
_ أمر طبيعي فالفارق العمري بينهما يزيد على ثلاثين عاماً .. فوالدي تزوج من والدتي وعمره أربعون سنة بينما هي كانت في عمر الثالثة عشر ..
أفغر فاهي مشدوهة ..
_ ولمَ يزوجوها في هذه السن المبكرة ؟!
_ قد كانت يتيمة الأم ووالدها رجل كبير وبصير .. ثم أن والدنا تربطه بوالدتي صلة قربى .. فهو ابن عمتها ..
تشتد دهشتي .. من سر آخر كان يحيط بأخينا الأكبر فائز ..
http://www.atiaf.com/vb/uploaded/14454_1197289667.gif

عَبـَق الشَّـريف
11-25-2008, 07:39 PM
http://www.atiaf.com/vb/uploaded/14454_1198764368.gif
كبرتُ وكبرتْ معي تلك الغصَّةُ التي تُطبق على قلبي ..
حتى باتت تظهر على سطح وجهي .. بأحزانٍ مختلفة ..
سهلٌ حبيبي على أيِّ امرئٍ أن يفرق من النظرة الأولى بين فتاة ..
نَمَتْ في كنفِ أبيها .. وترعرعتْ تحت ظِلاله ..
عودها اشتد بحنانه .. وجذورها امتدت باهتمامه .. وثمارها أينعت بأحضانه ..
وبين فتاة ..
تجرعتْ فقدَ أبيها كاسات ِ سمٍ مع كل يومٍ يُضاف لرصيد عُمرها ..
كنتُ أبدو .. منكسرة .. رغم شموخي ..
ذليلة .. رغم اعتزازي
ممزقة .. رغم تماسكي ..

عَبـَق الشَّـريف
12-22-2008, 04:56 PM
http://www.3baq.com/up/uploads/images/www.3baq.comde0eabffa5.jpg

والله إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع
وإنّا لفراقك يا أبا شوقٍ لمحزونون

عذراً سادتي لانقطاعي الذي كان سببه وفاة أحد الرجال العظماء في حياتي
( خالي عبدالله )
فَخرتُ به حياً وسأفخر به ميتاً .. حتى يتوارى جسدي تحت الثرى ..
فموته في ريعان شبابه كسر ظهري وشل أطرافي ..
وأعاد ترتيب أوراقي ..

فلتهونوا عليَّ مصيبتي فيه بالدعاء له بالرحمة والمغفرة ..

http://www.ab33ad.com/vb/images/icons/icon9.gif