مشاهدة النسخة كاملة : مذكّراتُ المجنون الأخير
سليمان عباس
12-11-2025, 04:52 AM
المذكرة التاسعة:
القارب والصمت والأشباح
جلست في القارب
الماء تحته صامت
ينساب معي رغم انعدام الرؤية
همست لصفحة الماء
(الماء يعرفنا قبل ان نعرف انفسنا)
ترقرق صوت الماء بخفة
(كل خفقة في داخلك تجد صداها)
رفعت عيني
الظلام دامس حولي
لكن الضياء بداخلي لم ينطفئ
همست للشجر البعيد
(حتى في الظلام الصمت له الوانه)
رد الضياء الداخلي في قلبي
(الضياء لا يضيء العالم بل يضيء من يحمله)
حركت يدي في الماء
كل موجة تقول
(لا تخف من الغرق فالتيار يعلم الطريق)
همس الشجر من جديد
(كل فراغ في الظلام فرصة لاكتشاف نفسك)
ظهر ظل يخفي مكرا من بعيد
اشباح حاولت الاقتراب
لكن المجنون ابتسم
فتعثرت محاولاتهم
وتحولت كل محاولة الى فراشات
تسقط حوله بلا ترتيب
لم يستطع احد لمس محيط القارب
جلس القارب معي
الماء امامي لا يرى
الشجر خلفي يثرثر
والظلام دامس حولي
لكن الضياء الداخلي كان كفيلا بان يتحرك كل شيء
همست لنفسي قبل ان اغادر
(الرحلة ليست للوصول بل لتفهم كيف يتحدث الصمت داخلك)
عاد الماء صامتا
والشجر ثرثر مرة اخرى
(من يعرف صمت الصياء يعرف صدى كل الظلال)
سليمان عباس
12-12-2025, 12:52 AM
المذكرة العاشرة: انسكاب
جلست في القارب
الجسم يرتعش قبل أن أعي السبب
خيوط ضوء تتسلل من كل مكان
تدخل رأسي دون إذن
تداعب الأفكار، تفتشها، تهزها
أعرف هذا الشعور
هو شعور المشاغبة
ما أراد الخروج لكنه يرفض أن أسيطر عليه
أحاول الصمت
أتمسك بما تبقى من ضوء داخلي
لكن بدون أن أشعر
أمسك المذكرة
أفتحها
وأبدأ بأول حرف
————-
تِجي رُوحَه ويتوقَّف ضَجيج الصَّمت
ويمطِر حِسَّها لي صَمت مِن دَهشه
سَمَحْت لعينها تَحضِن شْفاةَ الوَقت
غَدى حَرفي الهزيل الناظر لنعشه
أحِبّ جُنونه الزّارع بِصدري نَبْت
حَيّا أو بُخل ولا خَوف أو رَعشه
أحبّه أيه أحبّه لو شُعوري يِخْت
عَبَرت بحور به ما ضِقت مِن وَحشه
رِهافَه كم تفجر ما خَفا مِن كَبْت
تَرَفَّق في خِطابَك وانتَبِه خَدشه
هِيَ اللَّبْشَة إذا جِينا لِحرفِ النَّعْت
وأغنيها
بكل حالاتها لبشه
واذا صاب الحكي ربشه
فذاك لأنني المفتون
تأولها
تقلبها
تقول ابداع
او خرشه
تجي روحه يصيب الوعي لحظة كمت
ويبدا اللا وعي يجتاحني بطشة
نهش روحي غيابك يا بديع السمت
اذا بك ظن فلا تستهون بنهشه
———————
يتوقف ارتعاش جسدي تدريجيًا
وتعود انفاسي
وأشعر أن كل حرف، كل نقطة،
تنسكب من داخلي كضوء غائب عاد لي
سليمان عباس
12-19-2025, 07:07 PM
المذكرة الحادية عشرة
حين يخرج النهر
ما زلت في القارب
لكن النهر لم يعد يمر بي
النهر خرج من صدري
الفجوة التي عبرتها
لم تكن زمنًا يُقاس
كانت ثقلًا
يغيّر شكل القلب
ويربك اتجاه النور
لم أغب
كنت أبعد يدي عن النار
كي لا يحترق ما تبقّى من صدري
وتركت الحرف يتيمًا
ظنًّا مني
أن اليُتم أهون من الخراب
لم أقل ما كان يجب أن يُقال
لا عجزًا
بل لأن بعض الكلمات
إذا خرجت في غير وقتها
تصير سهمًا
حتى لو كانت صادقة
في تلك الفجوة
كبر شيء لا أعرف اسمه
صار صورة بلا جسد
وصار غيابًا له ملامحي
ربما أحببته
لأنه لم يُخيّبك
ولأن الغياب
لا يعد
ولا يخذل
عدت إلى النهر
لا لأستعيد شيئًا
ولا لأفتح بابًا
أُغلق بشقّ الروح
عدت لأن القارب
لا يعرف أن يمشي بلا ماء
أراك
لا كما كنت
بل كما صرت
حذرة
تكتبين
وكأنك تمسكين قلبك بيد
وتدفعين الحرف باليد الأخرى
وجودك الآن
ليس اقترابًا
ولا انسحابًا
هو ارتباك ناضج
يشبه الوقوف
عند حافة النور
دون أن تطلبي منه
أن يثبت
لن أقول ما يُقال عادة
ولن أسمّي الأشياء بأسمائها
فالذي بيننا
لا يحتمل التسميات
هو يعيش فقط
حين يُترك حرًّا
داخل النص
إن مررت من هنا
ستعرفين أنني رأيتك
وأن النهر لم ينسَ خطاك
وأن القارب
ما زال يتّسع
للصمت الذي نحمله
دون أن نُثقله بالوعود
أما البقية
فسيرون ماء
وقاربًا
ونهرًا يمضي
وهذا يكفيهم
خلف الصمت
الفجوة لم تُقَس
لكنها تركت أثرها
في كل موجة
وفي كل خفقة قلب
حتى إنها
لم تترك فمي
هذه الضفة
التي أوصلني بها التيار
أجلس على حافتها
وأخرج ما بقي من داخلي
الأشياء
التي لطالما كانت
جزءًا من انتظارك
حتى قبل أن تعرفي
أن لك مكانًا في صدري
الشمس تميل نحو المساء
وتلقي بظلها على الماء
وأنا أخرج من صدري
النافذة
التي لم تعد مجرد إطار
بل فتحة إلى داخلي
القلم
الذي يزحف بين أصابعي
كحارس على نبضك
الثريا
التي تصفق صمتًا
للدهشة
التي لا تُرى
إلا في القلب
كل شيء آخر
السقف
الفنجان
الكرسي
والهواء
صار حيًّا
يتنفس حضورك معي
كل قطعة من المكان
تعلّمت أن تنتظر
أن تتنفس
أن تكون موجودة
لك فقط
لم يعد الانتظار صبرًا
بل مساحة حيّة
ملاذًا
لا يحتاج تفسيرًا
حضنًا
يكفي أن يُرى
وأنا أراه
المساء يغلق ستاره
لكن هذه الضفة لا تُغلق
هنا
يبقى المكان حيًّا
يحتوي كل ما أحببت
وكل ما أحببت
ويستمر في التنفس
حتى تتخففي
النهر خلفي
لكنه لا يغادرنا
هو شهيد الصمت
القارب ساكن
والضفة الآن
مكان الانتظار
الذي لن أتركه
سليمان عباس
01-13-2026, 10:13 PM
المذكرة الثانية عشر: الروح الغائبة
استيقظت من نوم لم أكن أعلم متى نمته.
لكن روحي لم تستيقظ بعد.
الروح غائبة،
لكن غيابها ليس فراغًا.
أشعر بها كما يُشعَر بشيءٍ نسيته في مكان ما،
ولا تعرف إن كنت قادرًا على العودة إليه.
ربما لم تتخلّف،
ربما اختارت أن تبقى حيث اعتادت أن تكون خفيفة.
هناك، في المسافة التي لم أعد أزورها،
ولا أجرؤ على إنكارها.
أعرف هذا النوع من الغياب،
هو الغياب الذي لا يقطع الخيط،
بل يشدّه بصمت.
روحي لم تأتِ معي إلى الضفة،
كأنها سلّمت الجسد مهمة الانتظار،
وبقيت رهينة دهشة قديمة.
لم أسمّها،
لكنني أعرف شكلها.
دهشة كانت تُنصت أكثر مما تتكلم،
وتفهم قبل أن تُسأل.
هناك، كانت روحي أقل تعبًا وأصدق،
كانت تعرف كيف تمسك الضوء دون أن تشرحه.
ربما بقيت هناك،
لأنها لم تتعلّم بعد كيف تغادر شيئًا لم يخذلها.
أنا هنا، والجسد يجلس بثقله كاملًا،
وأما الروح، فكأنها علقت في نص لم يُكمل،
أو في اسم لم يُنطق.
لا ألومها.
بعض الأرواح لا تعود إلا إذا ناداها من احتواها دون أن يطلب.
ولهذا لا أستدعيها،
أجلس فقط وأترك المكان مفتوحًا.
إن عادت، ستجدني كما أنا،
وإن بقيت، سأحرس هذا الانتظار نيابة عنها.
الضفة لا تسألني لماذا تأخرت،
والنهر لا يطالبني بالعبور.
كل شيء هنا يتفهم أن بعض الأرواح تُحبس في الضوء،
ولا تُفك إلا حين تطمئن.
وأنا، لا أستعجل الطمأنينة،
أكتفي بأن أبقى جسدًا ينتظر،
وروحًا تعرف الطريق، حتى لو لم تسلكه الآن.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026,