المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عكاز الظل..


صُبح حيدر
12-30-2025, 02:58 PM
حين يقف الغياب عند بابك،
تتنبه الروح فجأة لشرفة كانت غافية في سدفها،
ليس طمعاً بطرق باب منسي، وإنما لتمر الأخيلة في هدوء كي لا تربك أثاث الذاكرة.
وتتعلم كيف تنصت لِ وجيب الليل، كأن في جوفه طوارق أضاعت خرائطها إليك،
وتركتك تصغي إلى رفيقك القديم الفراغ.
وحين يعود الغياب ليطلّ عليك، ترى الأشياء بأهداب مثقلة،
وتلمس بقايا الدفء القديم بحذر،
كأنك تخشى أن تتساقط من ذاكرتك الأجزاء التي بقيت متماسكة بشق الأنفاس.
وهناك، كلما ازدادت الظلمة زلفة في الشعور،
تنهض التفاصيل من سجون الزمن،
توقظ البال إيقاظا خفيفاً،
منبعثة من تخوم ما واراه الصمت دهرا،
وفي علو يجدل الأماني في هواءٍ بكر،
صبر مشدود على مقاس السُهد،
يدفع الخيبة بالتي هي أوجع،
كأنما الوجع آخر ما يتشبث به القلب.
تبحث في الندوب الخفية عن أثر نائم،
وتوقن عندها أن ما يتركه الوقت ليس ألاثر بل رجعك أنت،
من تلك المسافة التي تتسع كلما هممت بِ ردمها.
وحين يغتالك الغياب، تميل إلى الطرق التي بلا خرائط،
وتفهم أن الايام ليست سواء؛
بعضها يغمرك بالحزن، وبعضها يلقي عليك سكينته الصامتة،
كَ سقف قديم يضمك رغم كل تشققه.
وحين تسهو قليلا، يقترب البعيدون كلما خفتت أسماؤهم،
وترى نفسك تتراجع إلى الخلف،
كمن يستظل بظله من هجير الخيبة.
وينضج فيك صمت مرهق،
يختلط بشيء من الخذلان،وكثير من الدهشة.
يخبرك أن المسافة تسكن في الوخزات التي تخلفها الذكرى
حين تمر بك مر السهام.
وحين يثقلك الغياب حد العجز،
تتمتم بترنيمة ولا تنطقها
تسطرها بمداد خاشع، وتخفي بين حروفها رجع قلب لم يزل يتوكأ على الأمل،
وتترك في نهاية السطر خيطاً رقيقاً منك.
مفادها:
لا يغادرك القلب كما يغادر الغائبون،
بل كما تُنتزع السكينة من باكورة الصُبح.
،

فادي البحر
12-30-2025, 05:15 PM
هذا نص أدبي باذخ، يفيض بلغة شاعرية مكثفة، وصور فنيّة موغلة في الذّاتية، والعمق، لقد استطعتِ رسم "الغياب" ليس كحدث عابر، بل ككيان حي يطرق الأبواب ويتحكم في إيقاع الرّوح.

​هناك اشتغال مدهش على ثنائية الذاكرة/الفراغ، والحضور/الغياب، وقد استوقفتني جملة : "يدفع الخيبة بالّتي هي أوجع"؛ فهي قلب النّص النّابض الّذي يفسر كيف يصبح الوجع أداة للبقاء أحياناً.

🌷

صُبح حيدر
12-30-2025, 08:49 PM
الأخ الكريم فادي..
قرأتُ تعقيبك بامتنان يشبه الامتلاء بعد عطش.
كم يسعدني أن تلامس كلماتي عينا ترى ما وراء اللغة،
وتصغي لارتجاف المعنى لا لسطحه فقط.
توقفك عند عبارة
"يدفع الخيبة بالتي هي أوجع"
أصاب موضعها في قلبي تماماً
فهناك وُلد النص، وهناك ظلّ يرتجف حتى كُتب.
شكرا لقراءتك الثمينة،
وللضوء الذي تركته بين السطور

أسرار
12-31-2025, 07:39 AM
ما هذا الوعي الحزين
الذي يقف أمام الفراغ
لا ليملأه
بل ليصغي إليه
كأن الإصغاء وحده
صار نجاة
--
يا صبح
كتبت الغياب كمن يكتب عن رفيقٍ طال مقامه
لا كضيفٍ عابر
نمشي في ظله ببطء
نلمس الذاكرة بحذر
ونخشى أن نوقظ ما اعتاد الصمت
فنخسره
،
جعلت الخذلان يمشي مع الوجع
دون صراخ
دون ادعاء
كظلٍ يعرف مكانه
ويربك القلب
بصدق حضوره
وفي آخر النص
تترك لنا خيطًا خفيًا من الأمل
لا يلوّح
ولا يعد
لكنه يمسك بالقلب
حين يثقل
--
شكرًا يا صبح
لهذا العمق الذي لا يُقال
إلا حين يهدأ الألم
ولهذا الهدوء
الذي يشبه رسالة
كُتبت بعد مكابدة طويلة

صالح الحريري
12-31-2025, 07:04 PM
الغياب …
كفوهة جحيم تبتلع لحظات انتظارنا
ولا ترحم تلك القلوب المنتظرة على جمر الفقد…!
كأن يمسك بسوط من قسوة يجلد ظهر الأمنيات بدون توقف ..!
لعله ذات لهفة يؤمن بالعودة ليمنح الحنين قبلة نجاة على ساحات الروح..!


صُبح..
تأتين وبين اصابعك مشكاة لغة
لتنير دهاليز الغياب بضوء حضورك العميق ..!

سليمان عباس
01-01-2026, 06:30 AM
سأترككِ في موضعكِ الذي اخترتِه للكلمة،
لا أمدّها بنداء، ولا أحمّلها ما لا تحتمل.
أعرف الآن أن بعض الحضور لا يُطلب،
وأن الكتابة حين تصفو، لا تحتاج إلى وعد ولا إلى عودة.
لن أكتبكِ كي أتذكّر،
ولا لأقاوم النسيان،
بل لأتعلّم كيف تُقال التجربة دون أن تُستنزف.
كما تفعل الأقلام حين تبلغ نضجها:
تضع المسافة حيث يجب،
وتُبقي الأثر بلا ضجيج.
قد لا أنسى،
لكنني قادر أن أتعامل مع ما كان
بوصفه لغة…
لا انتظارًا.
وهذا يكفي.
أهلًا بكِ صبح حيدر،
في ابعادك ابعاد ادبية
وشكرًا لهذا القلم،
ولهذا النص الذي أتاح للورق
أن يتحرّك بهدوء.
ما كُتب هنا ليس سوى مجاراة للكتابة بالكتابة،
ووقوف عند النص بوصفه أثرًا فنيًا
لا أكثر.
امتناني لهذا القلم…
وللألم الذي عَرَف كيف يصير لغة.

زايد الشليمي
01-12-2026, 06:50 AM
:
ماهـ ـذا ياصبح .. ....

اقبضوا عليها
فهي توسوس للشيطان
وتعلم الملائكة
العبادة اقسم بمن لاتعرفين ..
حرفكِ هذا ..
صلاة ... السجود فيها ..
للسماء ..
:
حرفكِ ..
كأني أعرفه ..
فريـ ـد .. كعقدٍ تلبسه
قاتلة ..


صُبـح ..
تكتبين الصباح .. ليلاً
وتعلنين السّر .. جهراً
كاتبة ..
رائعــة ..
وجودكِ مفاجأة ... لمن
لايحبك ...


صبح ..
الغياب يقف .. في قاموسها
جعلت للغياب حياً....
كاتبة لاتحسب البعد بالأميال ..
بل بدمِ حروفها الساقط
الى السماء ..

صبـ ح ..
نص كامل ..
فيه ألمها .. امالها
نزواتها .. أجرها
ارثها .. أثرها
صمتها ... حكمتها
خيانتها ... لذيذة
حروفها ... جلّ مكانها
:


كاتبة
مكانها السجن ..
لانها تتجاوز الخطوط
الحمراء ..
:

صُبــح ..
جعلت للشمس قفازاً..
تكتب ... انجيلاً
وتغني ... مُنزَلاً ...
حياتكَ معها ... هي
المسافة إليها ..

:

تفاجأت ..
كأني أعرفها ...
حرفها ذنبها ..
هواء .... بكر
:
صبح
أشكرك ... لوجودي
ولا اقبل الشكر
فهو واجب

زايــد ..

عُمق
01-14-2026, 12:06 PM
على أطلالِ الذَّاتِ يرتجفُ المدى.. يلتحِفُ برد الشَّجن
وهذا الغياب لا يضيقُ بغيرِ أهله؛ يسعى ويمشي
المسافةَ بُعدٌ لا يُقاس وميثاقٌ غليظ
وأشياء منسيِّة في رفوفِ الذاكرةِ ..

ما كانَ الزوال فضاءً نملؤه بضجيجِ الاستغاثة
بل هو صمتٌ مهندمٌ مُزجاةٌ بضاعته
يثوبُ كجلبابٍ من السُّدف؛ ترتديهِ الرُّوح حينَ تضيقُ
تمسحُ بأهدابِ الحذر على بقايا دفءٍ تآكلتْ أطرافُه
وتتشبثُ بِهشيمِ الذاكرةِ كغريقٍ؛ يَعضُّ على نصلِ الأنفاس
مخافةَ أن يتساقطَ الباقي منها في مَهبِّ النسيان.

يطرقُ رِتاجَ الصَّمت..
وتستفيقُ في غياهِبِ الرُّوحِ شُرفةٌ
تقتاتُ على الوسَن.. فينبثقُ الشوقُ يعبر
لا يُربكُ صفوَ الغُبار؛ ولا يخدشُ وجهَ الأثر.

يتهجَّى لغةَ الوجيب..
كأنَّ في طوايا الليلِ طوارِقَ ضلُّوا مناكبَ الطَّريق
فما وجدوا إلا مرفأً للضياع.. ومُستقرًا للفراغ
يجدلُ من عليلِ الأماني حبالًا؛ تُعلقُ في سماءٍ بِكر.
الصبرُ رداءٌ ضاقَ على قدِّ السُّهاد
والوجعُ عُروةٌ وثقى يلوذُ بها القلبُ حينَ يعزُّ الملاذ.

سرابٌ يمتدُّ وينكمشُ يُغري..
يميلُ إلى متاهاتٍ بلا خرائطَ للوصُول
كبيتٍ عتيقٍ تداعتْ أركانُه وتشققتْ جُدرانُه
فلا يبرحْ مقامَه صبرًا
يستجيرُ من لفحِ الخيبةِ بهجيرِ الأحبةِ
فالأولى تُحرقُ والأُخرى تبترُ حبل الوَريد.

"""""""""""""""""""""
’عكاز الظل‘..
العنوان في حد ذاته "مفارقة عجيبة"..
فالعكاز رمز للاتكاء والقوة والمادية
بينما الظل رمز للهشاشة والتبعية.
فحين جعلتِ من ظلكِ الذي لا قوام له عكازًا تتوكئين عليه
ماهو إلا ’خيالٌ مجنح‘ يُعبِّر عن الاكتفاِء بالذاتِ المُنكسرة للمواجهة
’صُورةٌ كلِّيةٌ‘ اختزلتْ ’حالةً شُعوريَّة‘ كاملةً في كلمتيْن.

شخصتي الغياب..
وجعلتِ من معناه الجريد شخصًا شاخصًا له قدمٌ ووقوف.
ثُمَّ قلبتِ الموازين..
فالمعروفُ دفعُ السَّيئة بالحسنة؛ لكنكِ جئت بالمشاكلة
كإثباتٍ أن الوجعَ في ذروتهِ يُصبحُ ترياقًا لِذاته.

عكازُ ظلكِ.. محرابٌ من الوجع الشفيف
كُتب بمدادِ الروح قبل الحبر؛ ونَقشٌ على ديباج الذاكرة
أخرجتِ الأشياء الجامدةِ من صمتها لتُشارككِ حُزنكِ
فلم يكنِ الوجعَ إحساسٌ يُضعف؛ حين جعلتِه أداةَ دفع
’قلبُ الأدوار‘ ليُصبحَ هو الحبلُ الأخيرِ للنجاة.

همسة..
’منْ جعلَ من ظلهِ عكازًا.. لم يَُعد يخشى السُّقوط
لأنهُ أدركَ أنَّ الاستنادَ إلى اللاشيء هو ذروةُ الامتلاء.‘