المتسول هو ذلك الإنسان الذي يتسكع على أبواب الناس وأرصفة الشوارع بحثاً عن قوت يومه ,أوهو ذلك المستعطف قلوبهم كي يجبرهم على وضع أيديهم في جيوبهم ليعطوه ما تيسر , أوهو ذلك المؤثر في عواطف وأحاسيس البشر بمجموعة من العبارات الشهيرة الملحنة ((من مال الله يا محسنين – الله يخليلك عيالك – الله يوفقك ..ومما شابه )), وقد يصل لهذه الحالة أناس أعزاء إما هربوا من بلادهم للنجاة من حرب طاحنة أو أناس يعيلون عوائل كبيرة ولم يجدوا ُبداً من مد أيديهم للناس .
حالة التسول أغرت الكثير ممن لا يحتاجون لهذه الطريقة في كسب العيش, أولئك الذين مَنْ الله عليهم بالقوة الجسدية والعقلية معاً, فالأمر لا يحتاج برأيهم لأكثر من مهارة في استدرار عطف الناس أو ربما الذهاب إلى المعلم زيطة ذلك الرجل الذي صوره نجيب محفوظ في روايته الشهيرة ((زقاق المدق )) من أجل أن يبتر له أحد أعضائه وتشويهه بطريقة تكفيه عن هدر الكلام , وتضمن له شفقة الناس عليه وتضمن له رؤية الليرات المتساقطة من هنا وهناك ,فقط عليه الجلوس على أحد الأرصفة ليجد عند انتهاء دوامه بأنه قد جمع اكثر من راتب شهر لموظف عربي من اهل الكروش والبخاشيش!!!!, وقفت ذات ذهول أمام أبنية غاية في الفخامة ووجدتني أقول بصوت مرتفع لصديقي المثل الشعبي ((العز للرز والبرغل شنق حاله )) فقال لي وهو يقهقه هل تعلم لمن هذه الفلل الفخمة؟؟ قلت له أكيد لمسؤولين كبار أو تجار كبار ! رد علي وقد أطلق للريح قهقه طويلة هي لشحاذين يا صديقي , هي لأناس لو رأيتهم الآن بأحد الشوارع لمددت يدك لجيب بنطالك الذي لا يوجد به اكثر من ثمن سندويشة فلافل وأعطيته شفقة ورأفة بحاله , إذا فالتسول بالنسبة لهؤلاء الأغنياء مهنة تكسبهم الأموال الطائلة وليس لسد رمق أفواه جائعة تنتظرهم,هي عادة أو سوسة كما روتها لي إحدى المتسولات النبيلات وهي من قبيلة ((النَوَر)) تقول بأن حرباً طاحنة جرت بين قبيلتهم وقبيلة أخرى منذ مئات السنين وبعد أن قتلت قبيلتهم رئيس القبيلة الأخرى ووضعت الحرب أوزارها , عادت تلك القبيلة بعد ان قويت وكرت على قبيلتهم وانتصرت عليها انتصاراً ساحقاً , ووضعوا شرطاً على قبيلتهم أن تقوم نسائها بالذهاب إلى القبائل الأخرى والتسول منهم لمدة أربعين يوماً كشرط لنسيان ثأر رئيس قبيلتهم,ولكن تقول تلك المتسولة المحترمة اصبح الذهاب للتسول عند نساء قبيلتهم عادة لم يستطعن التخلص منها إلى يومنا هذا .
ويبدو أن التسول قد تحول إلى طريقة اكثر احتراما واكثر اتكيتاً ,فالمتسول الحضاري اصبح يسلبك أموالك وأنت تصفق له وتشكره على قبوله منك ما تعطيه ,الآن تبنى الإمبراطوريات من خلال التسول الجديدأوالشحاذة المحترمة, هذه الطريقة الجديدة من التسول يتبعها الآن أصحاب القنوات الفضائية , من خلال الرسائل والماسجات التي تصل إلى تلك القنوات التي أقامها أصحابها من اجل شحذ أموال الناس وبطريقة محترمة جداً وحضارية جداً تكسبهم الملايين وخلال فترة وجيزة جداً , , فالبرامج والمسابقات التي تتبناها الكثير من تلك القنوات تشحذ من الناس, وتتسولهم عن طريق التصويت لفلان وعلان , نعم انه التسول الحضاري التسول الذي قلب الموازين رأساً على عقب, فبدل أن ينظر الإنسان إلى المتسول نظرة شفقة أو دونية, اصبح الإنسان ينظر إلى متسولي القنوات الفضائية على انهم صفوة المجتمع وقدوته, وبذلك استطاعت العقول الذكية أن تتسول بطريقة تضمن لها المال الوفير والكرامة الوفيرة ومن ثم سوف تتحول العبارة الشهيرة ((من مال الله يا محسنين )) إلى ((من مال الله يا متسولين))!!!! ((و العزللرز والبرغل شنق حاله)).