مشاهدة النسخة كاملة : مِحْرابُ السَّرائرِ.. ومَلاذُ الضَّمائرِ.
الصفحات :
1
2
3
4
5
6
7
8
9
[
10]
11
12
13
في محرابِ السَّرائرِ..
تتوضَّأُ النَّفسُ بدموعِ الحنينِ
وتقُومُ في ليلِ الحيرةِ ترومُ اليقين.
لا المسافاتُ تطويِ بساطَ النَّوى
ولا الصَّبرُ يُطفي لهيبَ الجَوى.
أسافرُ في ذاتِي والمَدى غائمٌ
أبحثُ عن مرسىً والقلبُ هائمٌ.
فيا منْ جعلتَ الضَّميرَ لكَ ملاذًا
وحسبتَ الصَّمتَ في الشِّدةِ معاذًا
اعلمْ أنَّ البلاغةَ في نبضِ الشعُور
لا في رصِّ السُّطور
وأنَّ أعظمَ التَّراتيلِ
ما رتَّلتهُ الرُوح في خلوةِ الصُّدور.
وكأنني على مشارف الشتاء غيمة،
قلبي ملبد بالذكريات،
وعيني آيلة للبكاء
/..
حينَ عرجتْ ’ليلى‘ على مرافئِ البوح
استحالتِ السُّطورُ حُقولًا من ضِياء
وتنفّّسَ القِرطاسُ عبِيرًا طهرَ الأرجاء.
لمْ يكنْ عبورُها مُجردَ خطوٍ عابِر
بَل كانَ غيثًا هَمى على جدبِ المشاعِر
فأحيا بهجةَ الحرفِ
وأورقَ في غُصونِ الودِّ ألفَ قطْف.
فيا لطيفةَ المُرور.. ويا بهيّّةَ الحُضور
شُكرًا لأنَّكِ تركتِ في المحرابِ بقايَا عطرٍ لا يَزول
ونقشتِ على جِدارِ الصَّدرِ وسمًا يحارُ في وصفهِ القوْل.
كمشةٌ ورد.
أرتكزُ على حافةِ صدركَ.. لا لأستريحَ
بلْ لأستجيرَ بكَ منكَ
وأغرقَ في بحركَ السُّكر.
النَّبضُ يُسابقُ الخطْو
والرُّوحُ تهيمُ في فضاءِ المحْو
أشمُّ رائحةَ أنفاسكَ ممزُوجةً بعطرِ الفتنَة
وأرَى في خفقِ قلبكَ جنَّةً؛ أيَّ جنَّة.
يا ملاذِي الذي استباحَ هُدوئِي
ويا محرابِي الذي أقمتُ فيهِ طُقوسَ لُجوئِي
أتوسَّدُ دفأكَ.. أنسى كياني في كيانكَ
وأصيرُ آيةً تُتلى في محرابِ زمانِك.
هو العشقُ يا سيِّدَ الرُّوحِ معراجٌ نحوَ الفنَاء
وأنَا في حمَى صدركَ بلغتُ سدرةَ الانتهَاء
فلا أنَا أنَا.. ولا المكانُ مكَان
لمْ يبقَ إلَّا خفقُنا المجنونُ يعزفُ لحنَ الهذيَان
ينْحرُ في عينيكَ عصفُ الانتظَار
وتبدأُ بينَ ذراعيكَ طُقوسُ الانصهَار.
عُيونٌ تُراقبُها منَ الخلف
تبُثُّ في المَدى همسًا.. وتزرعُ في الصَّمتِ حسًّا
أشعرُ بثقْلِ النَّظرةِ على كتفِي
وبدفءِ الأنفاسِ يُداعبُ سترَ سرِّها.
ألتفتُ سرِيعًا..
أبحثُ عن أثرٍ للزَّحام؛ أو وجهٍ خرجَ لتوِّهِ منَ الغَمام
لكنِّي لم أجدْ أحدًا!
لم يكُنْ خلفَها سِوى رجعِ خطوِي
وصدَى شوقٍ يقتفِي أثرَ ظلِّي.
هل كانَ وهمًا تمادَى في الخَيال؟
أم أنَّ رُوحًا تعشَّقتْها عبرتْ حُدودَ المُحال؟
تمضِي..
ويمضِي خلفَها ذاكَ الشُّعور
كظلٍّ يسبقُ النُّور
أَتحسَّسُ نبضِي..
فأَجدهُ يخفقُ في صدرِها
وأستنشِقُ عطرِي؛ فإِذا بهِ يضُوعُ من نحرِها!
ليسَ كلُّ من نادانا نعرفُه..
لكنَّ بعضَ النداءاتِ تحملُ نبرةً
تجعلُك تلتفتُ غريزيًا؛ كأنَّ في اسمكَ
بين شفاهِهم سرًّا قديمًا لا تملكُ مفتاحَه.
عجبًا لهذا الحرفِ كيف يجزمُ ويستفيض
كأنهُ من معينِ أيامي يغترفُ ويغيض!
أهوَ تخاطرٌ أرسى قواعدَه الخيال
أم أنَّ خلفَ المعنى وجهًا يأبى الظهورَ
ويأنفُ المحال؟
يا من شطبتَ البشرَ من تقويمِك
وقيدتَ قلبكَ في نسيمك
ءأنتَ سرابٌ لا يُدركُ كنههُ
أم قريبٌ يداري في اللغةِ وجهَه؟
يكتبُني كأنهُ يقرأُ في كتابي
ويُخاطبُني كأنهُ الواقفُ خلفَ بابي
أهوَ سحرٌ عابرٌ مسَّ شغافَ الكلمات
أم أنَّ الذاكرةَ تُراوغه في ثوبِ التجلِّيات؟
أأنتَ 'أنا' في مرآةِ كاتب
أم أنَّكَ طيفٌ جاءَ بعذرٍ غائب؟
أتُرى.. ضاعَ منكَ الدليل
أم أنَّ سحرَ الحرفِ ألبسكَ رداءَ المستحيل؟
تستوقفُني هذهِ الثِّقةُ التي تسكنُ فواصله
وهذا الجزمُ الذي يحكمُ مداخله
فمن أينَ لمجهولٍ كلُّ هذا الإرثِ من اليقين؟
وكيفَ لعابرِ سبيلٍ
أن يسطو على مفاتيحِ الدَّار
ويُسمي نفسهُ قدرًا مكتوبًا
خلفَ جُدرانِ الأسرار؟
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026,