مشاهدة النسخة كاملة : مِحْرابُ السَّرائرِ.. ومَلاذُ الضَّمائرِ.
الصفحات :
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
[
11]
12
13
أعودُ لوحدَتي..
لكنَّني لستُ وحدي!
فثمَّةَ ’غريبٌ‘ يسكنُني.. يقاسمُني النَّفس
ويكتبُ معي آخرَ السَّطر.
هو ذاكَ الذي يرقبُني من مرآةِ رُوحي
ويَهمسُ لي حينَ يصمتُ الكونُ: ’أنا أنتِ.. لكنْ بلونِ المَدى‘
بيني وبينَه برزخٌ من ضِياء
كُلَّما حاولتُ لَمْسَهُ تَمادى في العَلاء.
أهربُ منهُ إليه.. وأرتمي في دياميرِ غيبهِ لأعثرَ على ذاتي.
فهلْ تلكَ العُيونُ التي تعقَّبتْ خُطايَ كانتْ عُيونهُ؟
أمْ أنَّني كنتُ أُراقبُ انعكاسَ حنيني على جدارِ الغيْم؟
يا سيِّد المجهولِ الماثلِ في التفاتَتي..
لقدْ تماهتِ الصُّورةُ حتَّى ضاعَ الأصل
واختلطَ الوصلُ بالفصل
فأنا الآنَ نُقطةٌ في محرابكَ
تدورُ حولَ نفسِها لتجدكَ؛ وتغيبُ عن نفسِها لتراكَ.
لي جلالُ الغمامِ حينَ يضِنُّ بمطره
ورقَّةُ الوردِ حينَ يبخلُ بعطره؛ ويطوي بتلاتهِ على سرِّه
شغَفي همسُ.. كهْمسُ النَّحلُ للزَّهر
وعبثي رقيقٌ يسرِي.. سريانَ النُّورِ في السَّحَر
أغزلُ من ترفِي خُيوطًا للشَّمس
وأبني من رقَّة النبضِ مملكةً لا يمسُّها جفاءُ الأمْس.
أُدلِّلُ نفسِي كأنَّني معشوقتِي الوحِيدة
وأصيغُ لبهائِي في كُلِّ لحظةٍ ترنيمةً جدِيدة
فلا الشَّغفُ يُغادرُ محراب دلالِي
ولا الهُدوءُ يكسرُ أشرعةَ خيالِي.
لي في عُزلتي رقصةٌ لا يراها إلا المَدى
وترنيمةٌ ناعمةٌ لا يرجعُ لها صَدى.
أعبثُ بياقُوتِ وقتِي.. وأنثرُ مسكَ صمتِي
فتصيرُ الخلوةُ جنَّةً تقطرُ شهدًا
ويُصبحُ الانفرادُ عزًّا ومجدًا.
فادي البحر
01-14-2026, 02:33 PM
لا تقرئي شعري.. كأيِّ قصيدةٍ مكتوبةٍ بالحبِّ،
أو بماءِ الورد،
فأنا اليومَ جئتُكِ،
كخارجٍ عن القانون
كعاشقٍ قررَ أن يكسرَ صمتَ الدّواوين،
وأن يرمي تحتَ قدميكِ كلَّ أقنعته!
أنا حينَ كتبتُ لكِ..
عن شجرِ اللّيمونِ في روض صدركِ،
وعن خصرِكِ الّذي يدوّخُ الكرةَ الأرضية،
وعن شَعركِ الّذي يمشطُه الغيمُ كلَّ صباح..
كنتُ أعرفُ.. أنني لستُ الوحيدَ في الميدان،
فيا سيدتي الّتي تختصرُ كلَّ النّساء،
ويا أميرةً تسكنُ في قصورِ الحبر،
والورق !
إذا سألوكِ يوماً في مقاهي المدينة
عن سرِّ هذا البوحِ،
وعن عطرِ هذهِ الكلمات،
وإذا سألكِ الشّعر،
أو بائعُ الجرائد
عن القصيدةِ الّتي هزّت كيانَكِ
قولي لهم بملءِ فمكِ :
هذه القصيدة لشاعري الّذي صنعته من حبري،
وريشتي
هو الّذي صاغَ من ضلوعِهِ.. هذا الحريق
وهو الّذي علّمَ الياسمينَ.. كيفَ يكتبُ اسمَكِ،
وارفعي اسمَهُ.. فوقَ فساتينِكِ المعطرة،
واكتبي اسمَهُ.. فوقَ مراياكِ المتعبة!
ومنْ استسقى من بئرِ رُوحِه
لن يعرفَ الظَّمأ ولو جفَّتْ سُحبُ المارَّة.
أنا تلكَ التي اتخذتْ منْ صدقِ مراياها صديقًا
ومنْ عُمقِ خلوتِها محجَّةً.
فلا الصَّمتُ يعدُّ عُقْمًا حين تلدُ الرُّوحُ من رحمِها جمالًا
ولا الضجيجُ يملكُ قَمْعَ عُزلةٍ تَربّعت فوقَ عرشِ الكفاية.
ما ضرَّ منْ كانتِ النجومُ أزرارَ قميصِه
إنْ انطفأتْ في عيونِ العابرينَ قناديلُ؟
أنا لستُ نصفًا ينتظرُ كمالًا..
بل أنا الضِّيقُ والمَدى.. وأنا التِّيهِ وأنا الدَّليلُ.
غارقةٌ في هَلاوسي..
تنثالُ منْ جَسدي كأبخرةٍ عتِيقة
وشبحُ طيفِه بأجنحتِه يطوفُ حولَ رأسي
كأنهُ طائرٌ نُفختْ فيه الرُّوح منْ طينِ ذكرياتي
أو أنَّهُ قدرٌ يرسمُ دوائرَ الوجدِ فوقَ مسامي
يقتفِي أثري
في ظلماتٍ بعضُها فوقَ بعض!
أنا وهو.. نُقطتانِ في مدارِ التَّلاشي
يهبُني جناحيهِ لأغرق.. وأمنحُه غرقي ليُحلِّق
وفي لُجَّةِ هذا التَّماهي..
لمْ نعدْ نَدري.. أأنا التي بهِ أهذِي
أمْ هو الذي يتجسدُ في نبضي؟
في خلوةٍ..
أقبلتُ على معشوقتِي الَّسمراء
وهي تتهادى في خِدرها الخزفيِّ
أبيضُ كأنَّهُ كوكبٌ دُرِّي
يحتضنُ في جوفهِ غادةٍ سمراء.
اقتربتُ منها.. ففاحَ عطرُها شذًى
يستفزُّ سواكنَ الرُّوح
تصاعدَ بخارُها يعبثَ بخصلاتِ فكري
فبدأتُ أُداعبها بلمساتٍ تفيضُ رقَّةً ودلال.
أناملُ طوُّقت خصرَ الفنجانِ في عِناق
وشفتانِ جائعتانِ تترقبانِ لحظةَ التَّماسِ.
همستُ لها.. يا جمرتِي المُّستعرة
متى يذوبُ الجمودُ بيني وبينكِ؟
فكأنَّ ارتعاشَ سطحِها يٌُناغيني
بدعوةٍ صريحةٍ للغرق
وأنَّ العناقَ لا يكتملُ إلا بالاحتراق.
أدنيتُها منْ ثغري؛ يلفحُني دفؤُها بجرأةٍ آسرة
تمازجتْ فيهِ أنْفاسي بعبيرها رغبةٍ وتمنِّ.
أقرِّبُها.. فتهتزُّ في صدرِي عروشُ صبرِي
وحين تلامستِ الشفاه
سرتْ في لِساني مَسرى الخدرِ اللذيذ
رعشةِ زلزلتْ في الأعماقِ أركاني
طعمٌ يغزو حواسَّي فيُسكرها
يرسمُ في مخيِّلتي خرائطَ الانتِشاء
شعرتُ بِذاتي تتضخَّم؛ وبكبريائي في هواها يتلعثَم
فلا أنا رددتُ جُموحَ مرارِها؛ ولا نجوتُ من سحرِ حصارِها
أتماهى معها حتَّى لمْ أعُد أدري
أعِناقُ شفتيَّ مسكنها ومُستقرها
أمْ أنَّها هي التي تحتسِي رُوحي.. وتُعيد صياغتِها؟
على ضفافِ فنجانِي؛ استكانَ هذيانِي
بينِي وبينها بوحٌ لا تُدركهُ الحواس
وعناقٌ يتخطَّى حُدودَ القِياس.
لمْ تكُن يومًا قهوتِي.. بل هي نشوتِي
وانعكاسُ ذاتِي في مرآةِ هذا السَّوادِ المُقدَّس
فأغدو فراشةً منْ نُورٍ ورحيقٍ يتنفَّس.
تنهدتْ الرَّوحُ.. وألقتْ غيمةَ حُزنٍ في بئرِ الصَّمتِ.
حينَ غادرَ..
لمْ أذرفْ دمعًا؛ بلْ فتحتُ ورِيدي وصبيتُ منهُ نهرًا أزرقْ
ثمَّ جثوتُ على ضفتهِ أصطادُ ذكرياتِي
كمنْ يصطادُ أسماكٍ منْ زُجاجٍ.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026,