تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : مِحْرابُ السَّرائرِ.. ومَلاذُ الضَّمائرِ.


الصفحات : 1 2 [3] 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13

عُمق
01-05-2026, 08:37 AM
يا مَن أوقدتَ في عتمةِ الصدرِ سراجَ الصبرِ
وعُذتَ بربِّ الفلقِ من كمدٍ استغرقَ العمرَ
أبشِر..
فما كانَ اللهُ ليذرَ قلبَكَ صريعَ الظنونِ
ولا ليُسلمَ وجدَكَ لكيدِ الشجونِ.
فما هي إلا غشيةٌ وتنجلي
ونفحةٌ من لدن غفورٍ رحيمٍ تعتلي
ليُبدِّلَ الضيقَ سعةً.. ويُورثكَ القدرُ رفعةً
فاستبشر ببيعِكَ الذي بايعتَ
واجنِ ثمارَ الرضا بما طويتَ وزرعتَ
فلعلَّ بينكَ وبينَ الفرجِ غمضةَ عينٍ وانتباهتَها
ليؤتيَ اللهُ النفسَ سُؤلَها وأُمنيتها.

عُمق
01-05-2026, 08:43 AM
حين يهمي مُزن الروح بمداد البيان
يستحيل الوجع فيضًا من عسجدٍ وتبيان
فتغدو الندبة في وَعثاء المسير سكينة
وتشرق من عتمة الصدر منارة مُبينة.

هنا.. ينقلب الأنين تَرجيع ترتيل
ويخفَّ وِقر الذكرى بعد دهر ثقيل
حتى إذا ما استُفزَّ النسيان خيانة
تهادى الوفاء للذات أمانة
ليكون الصبر رَسِيَّ سفينة
في لُجَّة العمر الرهينة.

عُمق
01-05-2026, 10:20 AM
هُنَاكَ فِي أَقَاصِي الرُّوحِ..
حَيْثُ لَا أَيْنَ وَلَا مَتَى
وَحَيْثُ الصَّدَى أَثْبَتُ مِنَ النِّدَاءِ وَأَعْتَى
ثَمَّةَ نَارٌ تَقْبِسُ مِنِ انْهِمَارِي.. وَبَحْرٌ يَسْتَجِيرُ مِنْ أُوَارِي.
أَنَا المُسْتَوِيَةُ عَلَى عَرْشِ حَيْرَتِي
المُلْقَاةُ فِي غَيَابَةِ فِكْرَتِي
لِي مِنْ المُزْنِ جُودُهُ وَلَكِنَّنِي ظَمْأى
وَلِي مِنَ الظِّلِّ سُكُونُهُ وَلَكِنَّنِي أُصْلَى.
خَبَّأْتُ فِي طياتِ النَّفَسِ مَا لَا يُطِيقُهُ الجَسَد
وَجَعَلْتُ بَيْنِي وَبَيْنَ العَالَمِ رَدْمًا مَمْدُودًا بِلَا عَمَد.
هِيَ الغُرْبَةُ بَيْنَ الكَافِ وَ النُّونِ
وَالرَّعْشَةُ الَّتِي تَسْبِقُ سُكُونَ المَنُونِ.

عُمق
01-05-2026, 10:39 AM
حِنطتي التي زرعتُها في سباخِ اليقين
حصدتْها رياحُ الشكِّ قبل ميعادِ الاستواء
فما أنا بزارعةٍ حصدت.. ولا أنا بحاصدةٍ أمنت
خبّأتُ في سنابلِها من لظى الوجدِ خافية
فصار دقيقُها ذَرْوًا في فيافي الروحِ الظامئة.

تلك التي جعلتْ صمتَها صوامعَ للأسرار
وخبزَها مأدبةً للأكدار
تجدني في محرابِها عاكفةً على جمرِ الوفاء
وما جفائي إلا صبابةٌ في ثوبِ البلاء.
هي حنطةٌ لا تُطعمُ إلا من ذاق مرارةَ العلقم
ولا تُشبعُ إلا نفسًا باتتْ بما لم تُحطْ به تعلم.
قد أودعتُ في كلِّ حبّةٍ منها نبأً عظيمًا
وسترتُ خلف غلافِها وجعًا قديمًا
فمن رآني قال حصادٌ وفير
ومن ذاقني وجد في الحلقِ سعير.

فادي البحر
01-05-2026, 11:47 AM
في غمرة الضّجيج الّذي يملأ العالم، وفي زحام الوجوه المستعارة الّتي نرتديها كل صباح، يبقى هناك ركنٌ قصيٌّ في أعماقنا، لا تصله رياح الزّيف، ولا تطاله أيدي العابثين، إنه محراب السّرائر؛ ذلك المكان الذي نخلع فيه أقنعتنا، ونقف فيه عراةً أمام الحقيقة، بلا رتوش، ولا تجميل.

هناك في صمت ذلك المحراب، تُقام صلوات الحنين، وتُرفع دعوات القلوب المكسورة الّتي لا يدرك كنهها أحد، هو الملاذ الّذي نلوذ إليه حين تضيق بنا الدّروب، وحين نشعر أن العالم بات غابةً من التّوقعات، والمطالب، في ملاذ الضّمائر، نسأل أنفسنا الأسئلة الصّعبة الّتي هربنا منها طويلاً، ونواجه مخاوفنا بصدقٍ جارح، فنجد في هذا الصّدق طمأنينةً لا تمنحها أضواء الشّهرة، ولا بريق المادة.

إنَّ أجمل ما يملكه الإنسان هو هذا الخفاء؛ تلك المنطقة الدّافئة بينه، وبين خالقه، وبينه، وبين نفسه، فما دامت سرائرنا عامرةً بالحب، وضمائرنا تلوذ بمرسى الحق، فلا يهمُّ كم كانت العواصف في الخارج عاتية، فمن ملك محراباً في قلبه، ملك بوصلةً لا تخطئ الطّريق أبداً.

عُمق
01-05-2026, 11:55 AM
رعشةٌ تسبقُ الطمأنينة.. واليُتمُ يهَبُ الأُلفة
غرَقٌ يُنقِذُ الغرِيق.. وضَياعٌ يَدُلُّ على الطَّرِيق.
كأنَّها جَمْرٌ مَغسُولٌ بالبرد
يُدفيءُ الروحَ ولا يَمَسُّ الجَسد.
تلك المسافةُ بينَ الهَمْسِ والصَّرخة
حيثُ يَسكنُ العَطشُ في قَلبِ النَّبع
ويُورِقُ الصَّمتُ في حَنجرةِ الشَّوق
فُقدانٌ يَملأُ الكَفَّين؛ وحُضورٌ يَمحو الوُجودَ مرَّتين.

فادي البحر
01-06-2026, 08:40 AM
في محراب السّرائر، حيث لا عينٌ تراكِ إلا عين اليقين، وحيث تخفتُ الأصواتُ ليبقى صوتُ نبضكِ هو الحقيقة الوحيدة.. هناك، في تلك الزّاوية القصّية من الرّوح، أجدكِ وطناً، ومنفى صلاةً، وطهراً!

أدخلُ إليكِ كمن يدخلُ معبداً من النُّور، أتخففُ من أثقال الدّنيا عند عتباتكِ، لأجد فيكِ ملاذ الضّمائر المتعبة، وبين طيّات سرائركِ يسكن الأمان الّذي لا يزول، وفي هدوءِ ضميركِ ألمسُ النّقاء الذي لم تلوثه الأيام.

يا رقيقة الرّوح، إنكِ لستِ مجرد وجهٍ نراه، بل أنتِ "الخبيئة" الجميلة الّتي أدخرها للأيام العجاف، والسّكينة الّتي ألجأ إليها حين يضيق المدى، أنتِ ذاك السرُّ الّذي يشرقُ في قلبي، فيجعل لكل نبضةٍ معنى، ولكل صمتٍ حكاية.

عُمق
01-06-2026, 08:42 AM
مكفهرة.. بهواجسِ نحسٍ مزَّقتْ سِترَ النهار
وأوقدتْ في أرِيضِ الروحِ كوامِنَ النار.
رأيتُ فيها حيًّا يلوكُ الموتَ في مَضجَعِه
و ريَّا يمُجُّ الظمأ في منبعِه.

يا ويحَ هذا الوجدِ! كيفَ لحِلمٍ رزينٍ أن يغدو محضَ
حَلَمٍ طريد؟
وكيفَ لبُردٍ نسجتْه الرُّوحُ أن يُمسي طوقًا من حدِيد؟
وها أنذا..
ذُبتُ بينَ نِضارِ أملي ونُضارِ عُسري
أقتاتُ من فِلذةِ ذكرياتي.. لأُرمِّمَ فَلذةَ صَدري.