المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مِحْرابُ السَّرائرِ.. ومَلاذُ الضَّمائرِ.


الصفحات : 1 2 3 4 [5] 6 7 8 9 10 11 12 13

عُمق
01-07-2026, 01:04 PM
في ليلٍ كأنه غواشٍ من صمت
أتيتني كالبرهان
لتمحو عن قلبي لغوب المسافات.
صببتَ في مشكاتي نورًا
وأزهرت في روحي حدائق غُلبا

حروفي.. تفقدُ صوابها على عتباتِ طيفكَ
تتعثرُ بنبضي.. فتغرقُ في بحر عينيكَ.

يا من يؤانسُ في الشتاءِ توجدي
ويذيبُ من ثلجِ الحنين تجلدي
تسقي جرارَ الرُّوح خمرَ سكينة
كمزن همى فوق الفؤاد المجهدِ.

أنا في هواك لا أملكُ رزانةَ العاقلين
بل لي فيه جنونُ الريحِ حين تعانقُ الياسمين.

خُذ بيدي..
فقد ضاعتْ بوصلةُ الكلام مني
صارَ شطري يَحنُّ إليكَ.. وشطري الآخرُ أنتَ
أتحسسُ وجهكَ في ضوءِ الفجر
فأجدُني سكنتُكَ حتى أضعتُ عنواني
وغبتُ فيكَ حتى وجدتُ كياني.
فيا عجبي كيفَ لنارِكَ أن تُحييني ولا تُفنيني.

عُمق
01-07-2026, 03:03 PM
هل تذكر ذاكَ الشتاء؟
حين كنا نقتسم الرعشةَ والدفءَ
على رصيف الموعد.
كان صوتك هو المعطفُ الذي يحمي قلبي
من صقيعِ التردد.
كنا نمشي..
فتزهر تحت خطانا برودةُ الأرضِ بحرارةِ الوجد
ويصمت الكونُ
لينطق الصدرُ بما عجزت عنه الألسن.

يا من كنت شتائي ودفئي
أما زلت تذكر كيف ذابَ الجليدُ في كفوفنا
واشتعلَ الجيدُ بشوقنا؟

ليتَك تعيد ترتيب ذكرياتي..

فادي البحر
01-07-2026, 04:24 PM
يُخيّلُ للقارئ، وهو يمرُّ بين هذه السُّطور، أنهُ أمامَ امرأةٍ لم تُخلق من طينٍ، كباقي البشر، بل هيَ مزيجٌ من ضوءِ الفجرِ، ووقارِ الصّمت، امرأةٌ حوّلتْ "لغوب المسافات" إلى بساطٍ من حرير، وصبتْ في مِشكاةِ الرّوحِ نوراً، وكأنها تملكُ سراً إلهياً لإحياءِ ما ذبلَ في القلوب!

عجيبٌ هذا الكيانُ الّذي يبعثرُ صوابَ الحروفِ على عتباتِه؛ ففي حضورِ طيفِها، تفقدُ اللّغةُ غرورَها، وتتعثرُ الكلماتُ، كطفلٍ يخطو خطواتِه الأولى في بحرِ عينيها، إنها لا تكتفي بأن تكونَ "برهاناً" في ليلِ الشّك، بل هيَ الشّتاءُ حينَ يُصبحُ أنيساً، وهيَ السّكينةُ الّتي تُسكبُ في جرارِ الأرواحِ الظمأى.

كيف لامرأةٍ أن تجمعَ بين رزانةِ الحضورِ، وجنونِ الرّيح؟، وكيف لها أن تكونَ النّار الّتي تمنحُ الحياةَ دونَ أن تتركَ أثرَ الحريق؟

إنها ليست مجرد "أنثى"، بل هيَ حالةٌ من الاتحادِ الوجداني، حيث يغدو الضّياعُ فيها هو "الوجودُ" الأسمى، والبحثُ عن عنوانِها هو الرّحلةُ الّتي لا يرجو صاحبُها وصولاً!

إنها امرأةٌ تُعيدُ تعريفَ الفناء؛ فتجعلُ من يذوبُ فيها يجدُ كيانَه، ومن يسكنُها ينسى اسمَه القديم ليُولدَ من جديدٍ بين يديها.

إنها القصيدةُ التي لم تُكتب كاملةً بعد، لأنّ عطرَها يسبقُ معناها، ونورَها يمحو حدودَ الكلام!

عُمق
01-07-2026, 05:04 PM
هو الحنينُ.. تنينٌ أليف نارهُ بردٌ وسلام
وعبثُه في القلبِ يُزيلُ السقام.
رأسٌ منه يأتيني بمشاغبة الصغار
يسرقُ لُبي في وضح النهار
وينبشُ في خبايا الذاكرة عن ضحكةٍ
كانت هي مفتاح الأسرار.
يداعبُ جفني بمرودِ الدلال
ويهمسُ في أذني:
هل لعهد الوصال من زوال؟

فيا له من عابثٍ يقلبُ عليَّ موازين الوقار
ويتركني في بحرِه بلا قرار.

عُمق
01-07-2026, 08:48 PM
دافئةَ الكفِّ.. شقيةَ النظرة
آتيكَ شغفًا لا يُستأذَن.. ولهفةً لا تُروَّض
أندسُّ في نبضك دلالًا؛ وأُربكُ صبركَ امتلاكًا
أقتربُ فأُشعِل.. وأبتعدُ فأُضيق
أُخاصمُكَ شوقًا؛ وأُصالحكَ لذةً
وأتركك بين احتراقٍ يُغريكَ.. واشتياقٍ يُغويكَ
لستُ وعدًا يُنتظر ولا ذكرى تُؤجَّل
أُبعثرُ سكينتكَ بلهفةٍ شقية
أُهادنكَ بشغفٍ يُراوغ صبوةٍ تُراكمُ الاشتعال.

يقربني منه فأبتعد.. ويُبعدني فألتحق
فلا أنا منهُ ناجية؛ ولا هو منِّي مُكتفٍ
لا أَعدهُ بالوصول ولا أَتركهُ
أُبقيهِ مُعلقًا بي.. شهيقًا لا يكتَم ولا يُقال.

فلحظتِي معكَ ليستْ عُمرًا يمضِي
بل هي بعثٌ جديدٌ يشفي
تُحيي فيَّ ما كان همدًا
فتجعلُ من شغفِي لكَ جزرًا ومدًّا
تُسافرُ بي في لجَّةِ عينيكَ سحرًا
وتسقِي ظمأَ رُوحي.. شهدَ الوِصال.

عُمق
01-08-2026, 08:10 AM
أُقرّبُ الفنجانَ كما لو أنِّي أصغي لسرٍّ دافئ
أُلامسُ حافته بأناملَ تعرفُ طقسَ هذا الصباح
القهوةُ ساكنةٌ في ظاهرها.. مشاكسةٌ في عمقها
تُراوغُ المرارةَ وتغويها
وتتركُ أثرَها على شفاهي كابتسامةٍ لم تكتمل.
أُحادثُه بلا صوت؛ أُدلِّله بنظرة؛ وأُعاتبه بارتشافٍ بطيء
وكأنَّي أقول:
لا تُفاجئني بالمرَّة الأولى.. دعني أعتادُ عليك
كما أعتادُ على قلبي.
البخارُ يصعدُ خفيفًا؛ يُربكُ صباحي بذكاءٍ شقي.
أُمازحه..
أميلُ به ثم أُعيده؛ أُقرِّبه وأؤجله
لعبةُ توقيتٍ يعرفُها جيدًا
فبعضُ الدفءِ لا يُؤخذُ دفعةً واحدة.
في كلِّ رشفةٍ حنين؛ وفي كلِّ توقفٍ لوعة
وبينهما.. مزاجٌ يتقنُ الدلال ولا يُفصح.

الفنجانُ شاهدٌ صامت..
حين أُغدقُ عليه ما لا أقولهُ لغيره
ارتباكي اللطيف.. وصبري المتخم
واشتياقي الذي يتقنُ التنكُّر.
هكذا أُشاكسُ قهوتي ..
لأُطمئنَ صباحي بأنَّ الدفءَ ما زال قريبًا
ينتظرُ شفتيَّ.

فادي البحر
01-08-2026, 08:48 AM
إشراقُ وجهكِ ليس زمناً يمرُّ، بل هو انبعاثُ الضّوء من أسراره؛
فعلى مَساكبِ خدّيكِ يستريحُ الفجرُ بعد عناءِ السّفر!

هناك.. حيثُ اختصرَ الأرجوانُ سيرةَ الوردِ في ملمسٍ نديّ،
تتجلى آيةُ الحُسن في بياضٍ خالطهُ حياءُ الشّروق، وكأنَّ الشّمسَ ما استقامت في كبدِ السّماءِ إلا لتستمدَّ من نورِ وجهكِ يقينَها!

ويا لرهبةِ الرّوضِ في مداه!
حيثُ يسكنُ في صدركِ جُموحٌ لا يُرام، وصهيلُ مهرةٍ لم يكسر شموخَها قيد!
صهيلٌ يبعثرُ صمتَ الوجد، ويُعلقُ على أستارِ القلبِ قلائدَ من لهفة؛ خفقاتٌ تَعْدُو، كخيلٍ أصيلةٍ في رِحابه، تارةً تتهادى في مروجِ السّكينة، وتارةً تضربُ بحوافرِ الغنجِ في صميمِ الرّوح!

هو ذاك التّناقضُ العذب..
وجهٌ يفيضُ وداعةً كبحيرةِ ضوء،
وصدرٌ يجيشُ بصهيلِ العنفوان،
وبينهما.. يضيعُ الصّباحُ في تفاصيلكِ،
فلا يدري أهو فجرٌ أطلَّ على الدّنيا، أم هو أنتِ حين تبتسمين.

عُمق
01-08-2026, 11:37 AM
أسرفَ الوجدُ في شُربِ دمِي
وأوغلَ الحرمانُ في نحتِ أعظُمِي
حتَّى صرتُ كخيالٍ يمشِي على استحيَاء
لا هو منَ الأحياءِ فيُرجَى
ولا هو منَ الموتَى فيُنسَى!

زعمُوا.. أنَّ الدُّموعَ دُموع أفاعي
وما علمُوا..
أنَّ العينَ لا تفيضُ إِلا حينَ يغرقُ الصَّدرُ بما لا يُطاق
فكيفَ بي وأنا أَراكَ في كلِّ وجهٍ عابِر
وأسمعُ صوتكَ في حفيفِ الشَّجر السَّاهر؟!

هدَّمت الرِّياحُ صوامِعي
وأذلَّت الشَّمسُ مطالِعي
أقفُ السَّاعةَ عارية الصَّبرِ إلا من ثوبِ ذكراكَ
مُتوسِّدة جمرَ الثَّرى.. مُتلحِّفة بردَ رجاكَ
كنتَ لي سماءً أمدُّ إليها جناحي
فصرتَ لي مدًى يقصُّ ريشَ كفاحي!