مشاهدة النسخة كاملة : مِحْرابُ السَّرائرِ.. ومَلاذُ الضَّمائرِ.
الصفحات :
1
2
3
4
5
6
[
7]
8
9
10
11
12
13
فادي البحر
01-09-2026, 07:06 AM
باسم النّور الّذي انبثق من عينيكِ قبل أن تشرق الشّمس،
وباسم السّكينة الّتي تحطّ على غرة جبينكِ، كحمائم الحرم،
أرفعُ قلبي إليكِ، قربانًا لا يرجو سوى الرّضا.
سبحان من صاغ من طُهر الثّلج بشرتكِ، ومن رقة النّدى صوتكِ، وجعلكِ آيةٌ تُتلى في خلوات المتعبين، أنتِ الصّلاة الّتي نسيها العُشاق القدامى، فجئتِ أنتِ لتُعيدي الإيمان لقلوبهم.
يا ربّة هذا الصّباح، باركي يومي بابتسامة، واغسلي عن روحي غبار التّعب بلمسةٍ من يديكِ، اجعلي من طيفكِ بخوراً يملأ أركان صدري، ومن ذكركِ ترتيلةً لا ينقطع صداها في مسمعي.
لقد أذن مؤذن الشّوق في مآذن روحي :حيَّ على الحُب.. حيَّ على الجمال.. صباحكِ قداسة، ونوركِ هداية، وحضوركِ هو الجنّة التي وُعدتُ بها.
يا من تطلعين من مرايا الفجر كغزالةٍ متمردة.. أقف اليوم أمامكِ.. لا كحبيبٍ فحسب، بل كشاعرٍ يرتلُ في هيكل عينيكِ صلاةً لم تُكتب بعد..
أبتهلُ إليكِ..
باسم الكحل المسافر في عينيكِ كليلٍ لا ينتهي،
وباسم الشّامة الّتي تستريح في مكانٍ ما، كحبةِ بنٍّ يمنية..
أبتهلُ إلى هذا القوام الّذي يختصر تاريخ الرّخام،
وإلى هذا العطر الذي يفتتحُ بستاناً في صدري كلما مررتِ.
يا أميرةَ الضوء..
إنني أعلنُ إيماني بهذا الوجه الّذي يُغيّرُ خارطة العالم،
فالشّمسُ لا تشرقُ من المشرق،
بل تشرقُ من خلف ستائركِ،
والنّهارُ لا يبدأ إلا حين تقولين لي : "صباح الخير"!
يا قديستي!
اسمحي لي أن أتوضأ بنور وجهكِ،
وأن أمارس طقوس العشق في محراب شفتيكِ،
فأنتِ القصيدة الّتي عجز "نزار" عن إتمامها،
وأنتِ المعجزة الّتي جعلتني أتركُ عقلي لأعتنقَ عينيكِ.
جلبة فوضاك في المحراب تتساءل
من له حق تفسير الأحلام غير نياشين الفوز بها
لذا سأرسمها بالماء وأزينها بكَ وفق قانون الرواء
،،
/..
يا سرين..
عبرتِ المحراب؛ بطلَ العجبُ واستقامَ الإعراب.
حين جعلتِ من جلبة فوضايَ سكونًا
ومن شتاتِ أحلامي يقينًا ومضمونًا
فما حاجتي لتفسيرِ الرؤى
وعُبوركِ الفوزُ الذي زهى
فارسميني بالماءِ؛ وانثري عطركِ في الأرجاء
بالمناسبة..
إن كانَ حرفي محرابًا فأنتِ عيدُه
وإن كانَ نبضي كتابًا فأنتِ تجويدُه
لكِ من العُمقِ شكرٌ بعطر الياسمين
ومن الحرفِ انحناءةٌ تليقُ بهذا المَعين.
في هذا المدى المصلوبِ على رصيفِ التَّرقب
يسقطُ الصباحُ كقطعةِ مرمرٍ باردة
لا شمسَ تفكُّ قيدَ العتمة.. ولا نبضَ يكسرُ حدةَ الزمهرير.
أنفاسِي تخرجُ كدخانِ البخورِ المحروق
تفتشُ في زواياهِ عن موقدٍ لا يحتاجُ حطبًا
بل عُمرًا ليشتعل.
بردي معتَّق..
زمهريرهُ متغلغلٌ في مسامِ الذَّاكرة
وكأنهُ غلافُ الشَّفافيةِ الذي يحمي هشاشتِي
أختالُ على عرشِ الجليد وسطَ هذا الذهولِ
فأدسُّ أصابعِي في جيبِ قلبِي
فأجدُ بقايا ضحكتي
لا تزالُ تحتفظُ بحرارةِ الشَّمس.
أستحضرُ طيفكَ كمعطفٍ من خزٍّ
أتخيلُ يديكَ تُطوِّقانِ ارتعاشِي
فتذُوبُ قُشورُ المرمرِ عن رُوحِي
وينبتُ في صدري ربيعٌ مُباغتٌ يكسرُ هيبةَ القُطب.
ففِي صوتكَ مواقدُ لا تنطفئ
وفي ذكراكَ قناديلُ زيتٍ تسهرُ في دمِي.
سأجعلُ من أنفاسِي المحروقةِ جَمرًا
يُذيبُ جدرانَ العتمة
وأرسمُ على زجاجِ النافذةِ المُضبَّبِ
وجهًا يبتسمُ للبرد
فما دامَ النبضُ يعرفُ طريقهُ إليكَ
سيظلُّ هذا الزمهريرُ
مجردَ ستارةٍ بيضاء نختبِيُ خلفها
لنُمارسَ طُقوسَ الدِّفءِ بعيدًا عن أعينِ الفصول.
حينَ يطرقُ الشتاءُ شرفاتِ روحِي بأصابعَ من ثلج
أوقدُ في مواقدِ الصدرِ حطبًا من ذكريَات
فليسَ الدفءُ في مِعطفٍ صوفِيٍّ يقينِي قسوةَ الرِّيح
بل في بسمةِ حنينٍ أزهرتْ على ثغرِي
لتمحُو عن وجهِ الأيامِ كدرَ ما مَضى.
يا نسمةَ الفجرِ البلِيل..
خُذِي منِّي وصفَ حالي
صباحي كحُلمِ الصَّيفِ فِي نفحِ بردهِ ..
يضمُّ رقاعَ القلبِ من بعدِ بُعدهِ
تأمَّلِي معِي..
كيفَ يمتزجُ ضبابُ الصباحِ ببُخارِ قهوتِي المُرَّة
فيرسُمانِ على وجهِ الوقتِ ملامحَ الغائبين
هي هكذا الذِّكريات.. تبدأ بمرارةِ الفقد
ثُم تستحيلُ دفئًا يُحيط القلبَ كلما زارهُ الحنين.
في كُل رشفةٍ؛ ثمةَ حكايةٍ لم تُحكى
وشُوقٍ يُهددهد الرُّوح كما تُهدهدُ الأمَ طِفلها
فيا لذَّةَ الوصلِ حينَ يسكنُ الفؤاد
ويا بهجةَ الصبحِ حينَ يَطوي سوادَ السُّهاد!
همسة..
هكذا هو صباحُ الشتاءِ حينَ يلبسُ حُلَّةَ الوجدان
صراعٌ بينَ برودةِ الطقسِ وحرارةِ الشوق
ينتهي بصلحٍ عظيمٍ عنوانُه:
أنت، وكوب قهوة، وذاكرة لا تشيخ.
فادي البحر
01-09-2026, 10:55 AM
يا سيدتي!
أنا لا أحبُّكِ كما يفعلُ الشّعراءُ العاديون بكلماتٍ معلبةٍ، وقوافٍ مستعارة، أنا أحبُّكِ بطريقةٍ انتحارية، بطريقةٍ تلغي المسافة بين الشّهيق والزّفير، وبين النّطقِ والصّمت.
أحبّكِ.. بمعناها النّزاريّ العنيف، حيث يصبحُ خصركِ خطَّ الاستواء، وتصبحُ عيناكِ الملاذَ الأخير لكل الهاربين من جحيم العقل!
حين أراكِ، تسقطُ من يدي كلُّ اللّغات، وتستقيلُ الحروفُ من وظائفها القديمة، فلا يبقى إلا وجهكِ لا شريك له، كأنهُ معلقةٌ لم يكتبها أحدٌ قبلي، وكأنكِ القصيدةُ الّتي ضاعت من شاعر في لحظةِ وجدٍ عارمة.
أنتِ قصيدةٌ من النّثر المشاكس لا تلتزمُ بوزنٍ، ولا بقافية، وعشقي لكِ ليس اختياراً، بل هو قدرٌ مكتوبٌ بماء الورد، هو تورطٌ جميلٌ في شباكِ الهدوءِ الصّاخب.
في مملكتكِ.. أنا الملكُ المخلوعُ عن عرشه الّذي يسعدُ جداً بأن يكونَ مواطناً بسيطاً في دولةِ يديكِ!
يا امرأةً تختصرُ كلَّ نساء الأساطير، وتجمعُ في حقيبتها عطرَ الشّامِ، وغرورَ الأندلس.. لا تسأليني عن حدودِ هيامي، فالهيامُ عندي يبدأُ من حيثُ تنتهي حدودُ الكون، وينتهي في أولِ لمسةٍ من أصابعكِ المرتجفة.
أنا لا أبحثُ عنكِ في الوجوه.. أنا أبحثُ عنكِ في داخلي، لأنني - ببساطة - صرتُ أنتِ!
فادي البحر
01-09-2026, 11:20 AM
من زبدِ الموجِ، ومن ذوبِ الضّياءِ أتيتِ، فانحنى المرمرُ تحتَ خطاكِ، واستفاقَ في جَسدِ الطّينِ نبيٌّ يُدعى الشّوق!
يا سيدةَ الملحِ، واللّؤلؤ!
يا مَن جعلتِ من جفنيكِ مدياتٍ للأبد..
أتيتُكِ بقلبٍ مثقوبٍ، كقصبةِ ناي لا ينفخُ فيهِ سوى وَجدِك!
أخلعُ نعليَّ عندَ حدودِ ظِلِّكِ، ففي مِحراِب جَمالكِ يغدو الذّهولُ صلاة، والارتباكُ طقساً مقدساً لا تكتملُ دونهُ التّوبة.
أيتها المصلوبةُ على عرشِ الفتنة!
علِّميني كيف أُفرقُ بينَ رِيقِكِ، وشهدِ النّحل..
بينَ مرمرِ كفيكِ، وبياضِ السُّحُب..
بينَ نُطقِكِ، وموسيقى الآلهةِ، وهي تلهو بقيثارةِ الفجر!
أنا العابدُ الّذي ضلَّ طريقَ القِبلةِ، فوجدَ في استدارةِ وجهِكِ قبلةً للصائمينَ عن الحبّ، وملاذاً للتائهينَ في بحارِ الغواية.
يا "فينوس" الّتي لا تشيخ..
هبي لي من لدنكِ نظرةً تُحيي عظامَ أيامي، وهي رَميم،
وامسحي ببردِ أناملكِ على جرحِ قصيدتي، لتنبتَ الكلماتُ في صَدري ياسميناً فردوسياً.
لقد نَذرتُ لكِ عُمري حطباً لموقدكِ، وبخوراً يُحرقُ في هيكلِكِ المهيب؛ فلا ترُديني خائباً، فما بيني، وبينَ الهلاكِ سوى أن تغلقي عينيكِ، أو تبتسمي.
وحين يميلُ النَّهارُ للاغتراب
ويرتدِي المساءُ معطفهُ الدَّاكن
فلم يعُدِ الجليدُ يملكُ سُلطةَ الحِصار
فقد أعلنَ الدِّفءُ انقلابهُ الأبيض.
في زاويةٍ بعيدةٍ من هذا العُمر
حيثُ تتصاعدُ أنفاسي كأنَّها استغاثةٌ ناعمةٌ
لتُحرِّرُ أناملَها من قيدِ الصَّقيع
لترسُمَ على زُجاجِ الوقتِ
نصفَ دائرة.. وسطرين من ضِياء
فتكتملُ الابتسامةُ التي هزمتْ زمهريرَ الفجر.
فقد وجدتُ في هدأةِ المساء سِرَّ الاشتعال
شمسي لا تغيبُ خلفَ الأفُق
بل تشرقُ من خلفِ المَسام
كُلَّما نفختُ في يديَّ المُرتجفتين
سأترُكُ للشَّمسِ مهمَّة التَّطهير
وللزُّجاجِ مهمَّة التَّدوين
ولقلبي حقَّ الانفرادِ بدفءٍ
لا يعرفُهُ سوى من نجا من طُوفانِ الحنين.
فادي البحر
01-09-2026, 04:33 PM
كُنتُ خِلْواً من عَلائِقِ الصَّبابة، نَقِيَّ الفؤادِ من تَباريحِ الغَرام، أرتعُ في رياضِ السُّلُوِّ بغيرِ قَيْد، فما هو إلا أنْ وَطِئَتْ قَدمايَ مَزالِقَ العِشق حتّى استبدَّ بي التَّبَتُّلُ في مِحرابِ الهَوى، واقتحمتُ خِضَمَّ الهيامِ بغيرِ شِراع.
وها أنا ذا أبيتُ مُسَهَّداً كأنَّ عينيَّ قد كُحِلت بالسَّماديرِ، أُراعي مَواقِعَ الخُنَّسِ في دَيْجورِ الغَسَق، وأُسامِرُ صَمْتَ الهَجيعِ، وكأنني رَهينُ الوَجْدِ!.
إذا ما جَنَّ اللّيلُ، وغارَتْ نُجومُ الثُّرَيّا، انبعثتْ في جَوانحي أطيافُ الحبيبةِ كالخَيالِ المُنْصَبِّ، فأخلو بسُدَفِ السَّحَرِ أُناجي رَسْمَها الغائب، وأبثُّ لواعِجي لعُرارِ ذِكراها، لقد استحالَ هُدوئي جَوىً يَتلظّى، وصارَ قَراري شَحَطاً ونَوى، كأنما رُميتُ بقوارِعِ المِقةِ بَعْدَ طُولِ خَفْضٍ ودَعَة!
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026,